هل تغير إسرائيل اتجاهها نحو قطاع غزة؟ ماجد عزام

تغيير الاتجاه، هذا هو الاسم الذي اختارته هيئة اركان جيش الاحتلال الاسرائيلي للعدوان الاخير على لبنان، قبل أن يتم شطبه ووقف تداوله. غير أن تغيير الاتجاه يكاد ينطبق على السياسة الاسرائيلية تجاه قطاع غزة وبعدما عجزت اسرائيل عن تغيير الاتجاه في لبنان والمنطقة تحاول أن تفعل ذلك في قطاع غزة، وفقاً للقاعدة الاسرائيلية العامة ما لم ينجح في بنت جبيل ومارون الراس قد ينجح في رفح والمغازي وخان يونس.

هل تفكر اسرائيل فعلاً في تنفيذ اجتياح عسكري عبر عدوان موسع شبيه بعملية السور الواقي أم أن الأمر لا يعدو توسيع الاجتياحات شبه اليومية التي ينفذها جيش الاحتلال الآن في قطاع غزة مع تصعيد عمليات الاغتيال او القصف التي تقوم بها الطائرات الاسرائيلية والتي خفت وتيرتها في الفترة الأخيرة لمصلحة الاجتياحات والتوغلات البرية؟. لا أعتقد أن اسرائيل ستتورط في اجتياح قطاع غزة وإعادة احتلاله بشكل كامل عبر استنساخ عملية السور الواقي وذلك لأسباب عدة يمكن إيجازها على النحو التالي:

أولاً: الجرح أو المرض اللبناني أو عقدة لبنان باتت تتحكم في التفكير الاسرائيلي تجاه المنطقة بشكل عام وتجاه الفلسطينيين بشكل خاص، وإذا كان بعض القادة يفكرون في الاستشفاء من مرض لبنان عبر قطاع غزة، فإن ثمة تفكير مناقض يرى أنه بسبب عقدة لبنان تحديداً يجب ألا تجازف إسرائيل بالمغامرة في قطاع غزة، حيث إن جيش الاحتلال ليس في حالة تسمح له بشن حرب جديدة.

ثانياً: الوضع في قطاع غزة في خريف 2006 يختلف بشكل جذري عن الوضع في الضفة الغربية في ربيع ,2002 فقطاع غزة كما تدّعي إسرائيل مسلح من رأسه حتى أخمص قدميه، وعمليات تهريب الأسلحة لا تكاد تتوقف وقراءة واستخلاص العبر من تجربة حزب الله هي في أوجها. وبديهي أن هذه المعطيات ستراكم من العراقيل والصعوبات أمام جيش الاحتلال إضافة إلى المعوقات والصعوبات التقليدية الأخرى مثل الاكتظاظ السكاني في القطاع، واستحالة تنفيذ عملية عسكرية كبيرة من دون وقوع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين الفلسطينيين ومن دون وقوع خسائر مادية ومعنوية ونفسية مهمة في صفوف جيش الاحتلال لا يبدو هذا الأخير قادراً على تحملها خصوصاً بعد تجربة حرب لبنان الأخيرة.

ثالثاً: يتحدث القادة العسكريون الإسرائيليون عن هدفين رئيسين لاجتياح قطاع غزة في حال حدوثه، وهما وقف إطلاق الصواريخ ضد المستوطنات والمدن الاسرائيلية ووقف تهريب الأسلحة إلى القطاع عبر الحدود المصرية الفلسطينية. وهنا يجب تذكر واستلهام التجربة الاسرائيلية السابقة في قطاع غزة، حيث عجزت اسرائيل عندما كانت محتلة ومسيطرة على القطاع قبل إعادة الانتشار من هناك في أيلول 2005 عن وقف إطلاق الصواريخ وتهريب الأسلحة، وطالما صدرت تصريحات عن ساسة وعسكريين إسرائيليين مفادها أن ليس من حل عسكري للأزمة في القطاع، خصوصا أن جيش الاحتلال قد جرب كل الوسائل في مواجهة المقاومة الفلسطينية، وكانت النتيجة رغم الخسائر الفلسطينية البشرية الكبيرة فشلاً ذريعاً في التأثير على ما يوصف إسرائيلياً بالبنى التحتية للمقاومة.

رابعاً: لا يجب استعمال العامل أو البعد التقني من التصريحات الإسرائيلية الأخيرة الهادفة إلى رفع معنويات الجمهور الاسرائيلي المنهارة بعد حرب لبنان وطمأنتهم إلى أن ثمة حلولاً للمشاكل الأمنية التي يسببها القطاع للجيش كما للمستوطنات المحيطة به. كما تأتي التصريحات أيضاً في سياق إبداء أو إثبات النزعة القيادية والسلطوية من قبل الثلاثي الحاكم إيهود أولمرت وعمير بيريتس ودان حالوتس بعد إخفاقات حرب لبنان واتهامهم بالقصور والعجز عن إدارة الحرب والتصدي للمخاطر الناجمة عنها كما ينبغي.

خامساً: وفي السياق النفسي والإعلامي أيضاً يمكن إدراج الصخب الإعلامي الاسرائيلي عن معركة القطاع القادمة في سياق توجيه الرسائل إلى رئاسة السلطة الفلسطينية بضرورة ضبط الأوضاع في القطاع، وإلا فإن إسرائيل ستتولى العمل بنفسها، كما أن مصر مستهدفة أيضاً على اعتبار أنها متهمة بتسهيل وصول الأسلحة للقطاع أو على الأقل عدم القيام بكل ما ينبغي للحؤول دون ذلك، وكأن اسرائيل تطالب مصر بما عجز جيش الاحتلال عن تحقيقه عندما كان محتلاً للقطاع أي منع المقاومة الفلسطينية من التسلح ولو بالحد الأدنى من العتاد الضروري واللازم للتصدي والمواجهة مع جيش الاحتلال.

سادساً: يحمل اجتياح القطاع وفق عدوان شبيه بعدوان السور الواقي في طياته مخاطر كبيرة تتمثل في احتمال انهيار السلطة الفلسطينية بالكامل، وذلك في حالة إعادة احتلال قطاع غزة بالكامل أو غرق جيش الاحتلال في الوحل الغزاوي وصعوبة الخروج من هناك في أقصر مدى زمني ممكن. وهذا الخيار أي انهيار السلطة يبدو على الأقل حتى الآن مخيفاً ومرعباً لدول عربية إقليمية مهمة كما للولايات المتحدة الأميركية وحتى لإسرائيل نفسها التي لم تبلور موقفاً محدداً من هذا الأمر، علماً أنها تتصرف وكأن السلطة الفلسطينية ما زالت ضرورة للاستقرار الإقليمي وللسياسات والمصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة. وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيريتس قال أثناء لقاء له في لجنة الخارجية والأمن للبرلمان الاسرائيلي الأسبوع الماضي: "إن العمليات التي تتمّ حالياً هي بناء على توصية من الجيش وأجهزة المخابرات وهي تفوق بحجمها ما عرفناه حتى الآن، ولكن أحداً لا يستطيع التنبؤ بما سيحصل كما أن أحداً لا يفضل عملية توغل كبيرة في عمق القطاع".

من حيث لا يدرك اختصر بيريتس الصورة وفي ظل ما يُشاع عن غياب التخطيط والتنظيم داخل القيادة الاسرائيلية، فإن ما يقوم به جيش الاحتلال يؤدي عملياً إلى التصعيد وصولاً إلى الاجتياح الكامل، رغم أن هذا الأمر استراتيجياً وحتى سياسياً وحزبياً، سيؤدي إلى ضرر شديد لاسرائيل كما للقيادات الحاكمة والمسيطرة على القرار وسيؤذي السياسات والمسارات الاقليمية والدولية الهادفة إلى تهدئة الأوضاع بعد حرب لبنان، ووحدها المقاومة الفلسطينية تبدو مستعدة وجاهزة كما ينبغي لأي مغامرة أو عدوان إسرائيلي جديد.


**مدير مركز شرق المتوسط للصحافة والإعلام

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018