هل توقفت الحرب لنسأل عن احتمالاتها؟/ سليمان تقي الدين


تحاصرنا أمريكا من المحيط إلى الخليج. تدير حروب إخضاعنا في كل مكان. توطد نفوذها القديم، تعزز تبعية الأنظمة الموالية وتحميها. تحرض النزاعات الإثنية والقبلية والطائفية في طول العالم العربي والجوار في إفريقيا وآسيا. تتحكم بالنفط وأرصدة النفط وتبيعنا سلاحاً لتغذية الانقسام والصراعات الإقليمية.

تضع مصالح “إسرائيل” وأمنها فوق كل اعتبار، وما زلنا نسأل: هل تقع الحرب أو لا تقع الحرب، هل من أفق لتسويات سياسية أم لا أفق للتسويات. أمريكا تعيد تشكيل النظام الاقليمي رغم عثراتها والممانعات الكثيرة في وجهها. تحولت مصر من حيادها السلبي الى فاعل متحرك في منظومة المشروع الأمريكي. تحطّمت أهم دول المنطقة باحتلال العراق ونشر الفوضى فيه. وما عدا ذلك دول معلقة الوجود وقيد الدرس أمام احتمالات تطويعها أو إدخالها في الفوضى. انها الحرب المفتوحة ولا شيء غير الحرب.

ساذج هو السؤال من أساسه عن احتمالات الحرب التي يمكن أن تشنها “إسرائيل”. ساذج هو الرهان على نوايا الغرب الأمريكي أو الأوروبي وهو يصف الكيان الصهيوني نموذجاً “للحرية والديمقراطية” كما ردّد أوباما وبرلسكوني ليعطيها مشروعية في مواجهة ما حولها من استبداد أو أصولية أو “إرهاب”.

تصرفت “إسرائيل” منذ وجودها وتتصرف كجهة معنية ومقرّرة في نظام المنطقة والى اوسع دائرة منها. يمتد الأمن القومي لها من إفريقيا إلى آخر بطاح وسهوب وجبال آسيا. “إسرائيل” شريك متجدد الوظيفة والدور منذ مواجهة القومية العربية إلى مواجهة الإسلام المتمرد على قواعد الهيمنة الإمبريالية. لم يكن السؤال الحقيقي يوماً ماذا تستطيع هذه الدولة وما لا تستطيع، إنها جزء من منظومة السياسة والأمن الغربيين ولن تكون مواجهتها إلا في مواجهة المنظومة كلها. في كل حروبها وقف الغرب بثقله السياسي والاقتصادي والثقافي والمالي والعسكري يدعم قوتها ويمنع كسر هيبتها. لا تسألوا هل تشن “إسرائيل” حرباً، أسألوا عن تحضير المسرح لتلك الحرب والمناخات السياسية والنقاط الرخوة في محيطها والظروف الأفضل لها. لم تكن الدولة العبرية حلاً لمسألة اليهود، بل كانت ذريعة. لم تكن عدواً لشعب فلسطين وحده بل كانت مصادفة تاريخية، ومجرد تجسيد مادي للاسطورة المحرّضة على الوعي الجمعي اليهودي بل الصهيوني. تحجَّم هذا المشروع في الماضي ويتحجم اليوم لأنه يستدعي نقائضه على أرض العلاقات الدولية والمصالح المتناقضة وواقع المقاومة في الماضي والحاضر. تتكيّف الاستراتيجيات وتبحث القوى المتصارعة عن بدائل أكثر واقعية أو أكثر قابلية للتحقيق. أسقطت الدولة الصهيونية المشروع العربي فنهض بوجهها المشروع الإسلامي. لكن ما يجمع بين قصور المشروعين امكان بناء نموذج جاذب موحد حداثي قادر على شق الغرب نفسه حول خياراته والشراكة الواقعية في التوازن والمصالح.

لا شيء يمنع “إسرائيل” من الحرب إلاّ فشل أهدافها السياسية. ليست الحرب هدفاً بذاته، وإن كانت وسيلة دائمة وضرورية لتجديد السيطرة ولاستهلاك الإنتاج الصناعي وإعادة إنتاجه وتسويقه.

الحرب في التاريخ كانت دائماً مغامرة. المغامرة الصهيونية دائماً ممكنة. لا أحد يضمن بالمطلق نتائج الحروب. الحروب ليست فقط نصراً عسكرياً مادياً. الحرب الوحيدة الرابحة هي التي تقهر الارادة السياسية للعدو.

الكيان الصهيوني لايهدد بالحرب، بل يصنعها كل يوم، على جبهة فلسطين والجولان وجنوب لبنان وفي العراق والعديد من الدول الإفريقية. كلفة الحرب الوحيدة التي يحاذر دفعها هي تفكيك الوعي الاسطوري. وعي التفوق الدائم، وعي الامن الدائم، الحفاظ على العنصر البشري، وعدم خسارة الوظيفة في المشروع الغربي. نحن الآن في بداية الطريق إلى خلخلة المشروع الصهيوني. إحدى الوسائل تهديد أمن الدولة الداخلي تدفيعه كلفة الحرب البشرية. المقاومة وسوريا وايران وتركيا يقولون ما يترك فجوات في الاستراتيجية الصهيونية للاقبال على الحرب. على أرض فلسطين المحتلة سيكون الثمن الاكبر. لا مظلاّت واقية فوق رأس أحد بالمنظور العسكري. حرب الصواريخ تقيم نوعاً من توازن الخسائر هذا ما قالته سوريا مؤخراً. لكن الذي لم نضمنه بعد نحن هو المظلة السياسية عربياً ودولياً. هناك عدّة مهمات ليست منجزة وليست قيد الانجاز. السدود والجدران العربية. النزاعات مع دول الجوار. ضعف الحضور الدولي واستثمار الصداقات الدولية والمصالح والتناقضات. القطيعة المتنامية بين الجمهور والانظمة والحكّام والحذر وعدم الثقة بمسار معظم الحركات والقيادات السياسية.

التهديدات الصهيونية تكمل الحصار الأمريكي وتحاول أن تمنع أية ردود قوية وجدية وهي تستكمل تطبيق جذرية مشروعها في فلسطين. أنها تكبح احتمالات انفلات الحرب الإقليمية عبر التهديد بها. لكنها لن تتورع عن توسيع نطاقها إذا كفلت ظروفاً مؤاتية على المستوى السياسي لإطلاقها.

بعد موجة التهديدات التي اطلقها قادة الكيان الصهيوني في عدة اتجاهات، عادت الأمور إلى التهدئة ورسائل التطمينات. رئيس حكومة العدو اكد رغبته بالتسوية السياسية لكن بشرطين هما: عدم تقديم التنازلات المؤلمة وضمان الأمن القومي. لا شك بهذه الرغبة، لكن المشكلة في مدى تجسيد التسوية على قاعدة الاعتراف بالمصالح المتبادلة، لأن الحديث عن الحقوق في هذا الزمن من الأمور غير الممكنة. في واقع الأمر التسوية معروضة دائماً من قبل العرب، لكن لا يوجد على الضفة الأخرى حتى هذه اللحظة أية استعدادات. أمن الكيان الصهيوني على ما يبدو يشمل عدم الانسحاب من مزارع شبعا وتلال كفر شوبا في جنوب لبنان وفق القرار ،1701 ولا الجولان الذي لا التباس حول انتمائه لسوريا. هناك حقيقة أن الدولة العبرية لها مطامع إقليمية في المياه والموارد والميزات الاستراتيجية في فلسطين وأبعد من فلسطين. أزمة المشروع الصهيوني أنه لا يزال يطمح ليكون امبريالية فرعية، لأنه لا يزال يستمد هذا الطموح من بيئة دولية مؤاتية.

(الخليج)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018