هل تُصلح الديبلوماسية الاميركية وحدها ما أفسدته السياسة؟ / محمد خالد الأزعر

أثناء الانشغال بالتجهيز لغزو العراق، بذل التحالف الأنغلو أميركي جهوداً استثنائية لاستقطاب قوى الرأي العام الداخلي والدولي الى نظرته للأزمة مع بغداد. في تلك العملية التوجيهية، استخدم التحالف أدوات التعبئة السياسية الديبلوماسية والإعلامية الدعائية كافة، فضلاً عن أنماط من الترهيب والترغيب النفسية والاقتصادية، كي تزكي هذه القوى الحل العسكري كخيار وحيد وضروري للتعامل مع الأزمة.

لكن الذي حدث أن الرأي العام، الذي لا يجتمع فيما يبدو على ضلالة، أثبت أنه عصي على التطويع والسعي في ركاب حملة لا مسوغ لها من ناحية الشرعة الحقوقية التي أقرتها الأمم المتحضرة، وما زال حاضراً في الذاكرة مشهد التظاهرات الاحتجاجية المليونية، التي ازدحمت بها شوارع عشرات المدن والعواصم في منتصف شباط (فبراير) 2003، وهي تعلن رفضها القاطع لرؤية التحالف وللحل الذي يتجه إليه. ومن تسلسل الوقائع، نعرف أن النخب الحاكمة في دول التحالف ذهبت إلى خيارها الوحيد غير عابئة بالرأي الآخر. لقد حاولت هذه النخب خداع الرأي العام العالمي متوسلة بآلة إعلامية جبارة، فلما شعرت لديه العزوف والتمرد ويقظة الضمير نبذته ورمته بالغوغائية والجهل، وأطلقت لصواريخها العنان.

توالي الأحداث على هذا النحو وجّه ضربة قوية الى النظريات القائلة بالارتقاء بكلمة الرأي العام وصوته في التعاطي مع الأزمات الدولية. ومما قيل وتردد بهذا الشأن أن عالمنا ما زال محكوماً بموازين القوة المنظورة، وأن السيف أصدق أنباء من صوت الجماهير، وأن الناس وإن كانوا منظمين في جماعات تدافع عن أدوات الصراع المدني غير العنيف، وتنادي باحترام القانون والنظام وشرعة حقوق الإنسان فان الرأي العام العالمي، على تباين تجلياته ومنابره، هو آخر ما ينبغي الاعتماد عليه لردع قوى الشر والعدوان واسترداد الحقوق وإقرار العدالة وبسط القيم النبيلة.

من جوف التعامل مع الأزمة العراقية انبعثت هذه الآراء اليائسة، وبدا أن دور الرأي العام والمنظرين له تعرضا لمحنة شديدة، ولا يبقى بعد تراجع هذا الدور وما يترتب على ذلك ويقترن به من ضمور أو غياب للأطر القانونية والنظامية المعبرة عنه، كالأمم المتحدة، سوى الانتكاس بالمجتمع الإنساني إلى أطوار وتقاليد الغاب. غير أن بقية مراحل هذه الأزمة وخصوصاً غداة احتلال العراق، راحت تسجل نقاطاً مطمئنة في الاتجاه المعاكس. فقد أظهر الميدان العراقي - بالتوازي والتزامن مع أخبار عدم الاستقرار في بلاد الأفغان - خطأ كثير من حسابات أصحاب الحل العسكري وحساباتهم النظرية البحتة.

ومع تراكم النكسات والخسائر العينية والبشرية، أصبح هؤلاء أكثر تحفظاً في خطابهم الصقوري وأميل إلى «التراجع نحو خندق الشرعية الدولية» الذي تمثله الأمم المتحدة بحيث دار التفاوض، والتناظر لاحقاً ليس حول مبدأ هذا التراجع وإنما على شروطه وحدوده وآفاقه.

فالولايات المتحدة راحت تبحث عمن يشاركها العمل في «العراق الجديد» بما يخفف عنها أعباء الاحتلال، بينما سخرت الأطراف التي مانعت من قبل في استخدام منهجية القوة والغزو من هذا التذاكي الأميركي المفرط، ورأت أن أفضل خدمة تسديها لواشنطن وحلفائها القلائل هي مساعدتهم على الخروج من الورطة العراقية، وليس التورط معهم في غمارها تحت قيادة «حربجية» البنتاغون والبيت الأبيض ومن يقف معهم!

عما قريب قد نكون شهوداً على الشاكلة التي سينتهي إليها هذا الجدل، ولا يسعنا راهناً الحسم برأي حول ما إذا كنا بصدد تحول استراتيجي أم مجرد تراجع تكتيكي، فيما يتعلق بالمنظور الأميركي لأدوار الرأي العام العالمي ومحافل الشرعية والقانون الدولي في إدارة الأزمات والصراعات ذات الأبعاد العالمية. سيكون مكسباً هائلاً لهذه الأدوار إذا ثبت أن العودة الأميركية الى الامم المتحدة ثم الجدل الداخلي الأميركي بشأن جدوى غزو العراق قد جاءا عن قناعة بخطأ التوجهات الاستقوائية وعنجهية التفرد. بيد أن النُذر الأولى لا تدعو الى التفاؤل بهذا الخصوص وترجح أننا بصدد انحناءة موقتة من إدارة مأزومة.

بين أهم هذه النُذُر أن مسؤولي إدارة بوش الابن لا يعترفون صراحة بعدم صوابية سياساتهم الدولية استراتيجياً، ولا بفساد رؤاهم الايديولوجية المهووسة بُعنصري القوة والتفوق. ومبلغ تقديراتهم أن الخراب الذي حل بأرض الرافدين بعد غزوها يعود إلى «أخطاء تكتيكية» لا غير، وهم يعتقدون أن الرأي العام العالمي لم يتفهم سياساتهم بما فيه الكفاية، ويعود ذلك إلى تقصير الإعلام والديبلوماسية الاميركية عن أداء مهامهما باتقان! وكم يبدو مثيراً للدهشة والاستهجان أن يسعى هؤلاء إلى تغيير الرأي العام، وليس التخلي عن رؤى وسياسات مستفزة راكمت مزيداً من السخط والكراهية للولايات المتحدة، لا سيما في الشرق الأوسط.

والحال أن هذا الفهم المغلوط حث واشنطن على ضخ مليارات الدولارات في محاولة لتحسين الصورة الاميركية عالمياً. يقول تقرير للكونغرس بهذا الخصوص «إن الانفاق على الديبلوماسية العامة زاد عموماً منذ أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 بنسبة 9 في المئة وبنسبة 50 في المئة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. ومع ذلك فقد أضحت الولايات المتحدة ممقوتة أكثر في هذه المناطق التي تضم العاملين العربي والإسلامي»

ويذهب التقرير إلى أن «الحكومة بحاجة إلى تحديث جهودها لاستمالة الرأي العام على الصعيدين الإعلامي والديبلوماسي على غرار نموذج التصدي للشيوعية سابقاً».

كأن خبراء الكونغرس ينصحون حكومتهم بالاستمرار في الاتجاه الخطأ، أي بالعمل على تغيير العالم، وخصوصاً شعوب الشرق الأوسط، عوضاً عن إعادة النظر في سياساتها وسلوكياتها. وبسذاجة مفرطة، ما زال هؤلاء يتصورون أن مزيداً من التركيز على إعلام التضليل وطوي الحقائق وتزييف المعلومات والانفاق على خدمات المخبرين والبرامج الثقافية الموجهة تحت عنوان الديبلوماسية العامة، سوف يحقق المطلوب.

ما يستدعي الانتباه - والشيء بالشيء يذكر - أن المسؤولين الإسرائيليين يأخذون بالنظرية العوراء ذاتها، إذ أعلن بعضهم منذ فترة عن فشل القناة التلفزيونية الإسرائيلية التي تبث بالعربية في التأثير على الجماهير العربية والإسلامية، داخل البلاد وخارجها. ومضوا إلى أن إسرائيل تنوي افتتاح قناة بديلة تبث فقرات موسيقية، وذلك مع تطوير برامجها الإعلامية الترفيهية الموجهة إلى «الشبان العرب».

الحديث عن دور الأدوات الإعلامية الدعائية في تعديل الصور والمفاهيم والمدركات ذو شجون، لكن ما يعنينا أكثر في هذا المقام ما تؤشر إليه المعالجة الاميركية السقيمة لهذا الدور من استمرارية في النهج السياسي الاستفزازي (حتى لا نقول العدواني) تجاه الدائرة العربية الإسلامية. ولم يعد هذا النهج يستثني أحداً، فهو يتصل بالحكومات قدر اتصاله بالشعوب.

ولا يُرضيه فيما تقول الدلائل إلا انصياع الجميع لإرادة الجماعات الرؤيوية الحاكمة في أروقة الحكم بواشنطن، والتي تُحرضها اللوبيات الصهيونية المنتشرة على خط يمتد من العاصمة الاميركية الى تل أبيب.

في واشنطن، يرى صناع القرار القشة في عين الإعلام والنشاط الديبلوماسي «غير الكفؤ»، ويُلقون عليهما باللائمة، ولكنهم لا يرون الخشبة في عين سياساتهم وسلوكياتهم الرعناء تجاه العوالم العربية والإسلامية. وفي تل أبيب، يفعل المسؤولون الأمر ذاته، حين يأملون في أن يغطي إعلام مضلل على سياسات إجرامية يراها الناس على أرض الواقع.

وينطوي هذا التصرف على مخالفة لأصول نظرية التأثير في الرأي العام، التي مفادها أن الإعلام الزائف كالكذب، كلاهما قصير الحبال، وكلاهما قد يموه على الحقيقة بعض الشيء ولبعض الوقت. هذا في حين يظل التغيير الذي يفعل فعله في العقول ويأسر القلوب ويمكث في الأرض من فعل السياسات المنظورة. فليس بالاعلام وحده تتحقق الانتصارات.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018