والصُّمود.. نابلسيّ أيضا../ خيري منصور

نظلم هذه المدينة العريقة عندما ننسب اليها الصابون والجبنة والكنافة فقط، رغم ان صابونها في زمن الاحتلال هو من طراز آخر، يمتزج فيه الدم والزيت لغسل أدران الهزيمة، وتعقيم الجرح الغائر..

أما كنافتها فقد يليق بها ما قاله كاسترو ذات يوم عن قصب السكر في كوبا فقد قال ان الكوبيين وحدهم يستشعرون مرارته في حلوقهم، فخوضه هو وثمانون رجلا وامرأة في المستنقعات من أجل استقلال باهظ التكلفة، لا يزال هو وشعبه يدفعون أقساطه بإضافة نسبة من الربا السياسي لتاريخ غير محرر من اسطبلات الأباطرة الجدد.

واذا كانت الجبنة نابلسية بامتياز، فان الجبن ليس نابلسيا على الاطلاق، فالمدينة الباسلة التي احتشدت ذات ظهيرة سوداء في وادي التفاح ما فتحت ابوابها الا لضيف أو لائذ ، لكنها لم تفتح بابا أو حتى نافذة لغزاة ، لأنها تخلو من العلاقمة الذين تذوق العرب علقم خياناتهم على امتداد التاريخ.

والاسابيع التي مرت على نابلس ، كانت أعواما بمقياس تقاويم اخرى غير التي نتداولها في حياتنا الرّتيبة ونهاراتنا الداّجنة، فالحصار تتجدد صيغه التي ينحتها الاحتلال له بين يوم وآخر، ومنع التجول الذي يحول الأزقة والأخاديد الى تجاعيد في جبين المدينة، لا يطال الشمس لاعتقالها سواء في غربال أو حتى في ليل مديد بلا كهرباء ينتجه المحتل من خلال ما يسميه تدمير البُنى التحتية.

على امتداد الزمان كانت الطرق تتنافس على مداخل نابلس بحيث تسأل بيروت القاهرة ودمشق عمان والقدس حيفا.. أي الطرق أقصر الى ذلك المرتفع الذي صرخت عليه الراحلة فدوى طوقان.. قائلة انها على قمة الدنيا وحيدة.. لكنها أخيرا وجدتها كما وجد ارخميدس الحقيقة الفيزيائية في حوض ماء.. فالتاريخ له فيزياؤه الصارمة وعناصره وسلطته ايضا وما من قوة تعيده الى الوراء.. لان الانهار لا تقطع مرتين ولا تعود الى المنابع ما دام هناك مصبّات.

لقد تعلمت في تلك المدينة وعلمت فيها ايضا ، لكنني بقيت التلميذ الذي يستقرئ الكتاب منذ لثغ بأول حرف منه.. سواء في زقاق قديم يشبه الوريد او في ساحة تحصي ساعتها القديمة دقائق الحرية..

وقد سبق للعرب ان ظلموا واحدة من أبهى مدن الشام هي حلب عندما نسبوا اليها الفستق ونسوا سلمان الحلبي الذي قتل كليبر في مصر بعد ان عاثت خيوله فسادا في الجامع الازهر، مثلما نسوا عبدالرحمن الكواكبي الحلبي الذي أسس مع كوكبة من ابناء جيله للنهضة التي أُجهضت.

وبالمقياس المعوي نفسه اختزلت الموصل العريقة الى نوع من الكبة، أو المن والسلوى ، ونسي العرب اسحق، وسائر السلالة التي فكرت وقاومت وغنت على امتداد العصور..

والبصرة ليست بلحا برحيا طيب المذاق فقط انها الحسن البصري والفراهيدي وبدر السياب وسعدي يوسف وبقية السّلالة الخالدة..

ان الفرنسيين ينتجون اكثر من ثلاثمائة صنف من الجبنة مما دفع ديغول ذات يوم الى اطلاق مقولته الشهيرة.. عن صعوبة حكم بلاد يوجد فيها هذا العدد من الأمزجة.

وفرنسا لا تزهو بالجبنة أو النبيذ أو حتى طائرة الميراج قدر ما تزهو بجان جاك روسو وفيكتور هوجو وميشيل فوكو وسارتر وبقية السّلالة..

ونابلس العريقة التي أنجبت شعراء وشهداء وشخصيات ذات تكوين جبلي أشمّ لا تختزل الى هذا الثالوث.. رغم أنه من صميم الفولكلور الوطني الفلسطيني ، وفدوى طوقان صابون آخر للضمير الذي تبقع في المزادات.. كما ان شقيقها الرائد ابراهيم علمنا كيف نقول لا عندما تتحول كلمة نعم الى صمت تطبق عليه الشفتان..

أتذكر الان طرائف الفلاحين وابناء المدينة، ومدرسة النجاح قبل ان تصبح جامعة، وصورة احمد شوقي في صدر الجدار.. وهو يقول.. وطني لو شغلت بالخلد عنه.. لم تكن نابلس خلال الاسابيع، بل الأعوام، بل العقود الماضية وحدها، كانت محفوفة بشقيقاتها المحلولات الضفائر، واللواتي يغسلن اقدامهن في الباذان كلما عانق الصيف المدينة.. ان لنابلس كما للقدس ويافا اسطورتها ايضا، وهي اسطورة صنعها التاريخ ذاته، لهذا فهي عنقاء تتشكل ثانية من الرّماد، ولو كان سيزيف الاغريقي يحمل صخرته ويصعد الجبل ليهبطه قد ولد وعاش وقاوم في نابلس لكان لاسطورته معنى آخر، ولما ضرب بها المثل على عدمية الوجود.

ان من حق نابلس ان تضيف الى الجبنة البيضاء والصابون الممزوج بالدمع والدم والزيت والكنافة المرة احيانا، صفة اخرى هي الاولى وليست الرابعة، انها صفة الصّمود والتشبث حتى الاستشهاد بجمرة الحرية والاعتصام حتى الخلود بالجبل..

الصمود نابلسي أيضا، وعلى من يحبون الجبنة والكنافة والصابون ان يتذكروا بعد كل مرة يتعاطون فيها هذا الثالوث النابلسي العريق ان نابلس وشقيقاتها الاكبر والأصغر، والأوسع والأضيق والأقرب والأبعد.. آخر الاسوار وآخر القلاع، في زمن ارتخت فيه حتى مفاصل الحديد.. وفسد فيه الملح، وخانت الأصابع بعضها!..


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018