وقفات على مفارقنا: ما بين التغني بالتجربة والاستفادة منها/ سعيد نفاع


في مقال كتبته قبل أن تضع الحرب أوزارها لم ير النور لأسباب لا مجال لذكرها، لكن الأيام أثبتت على الأقل لي كم كان ما كتبته واقعيا، فيه كتبت:

"أمام الأضعف في ميزان القوى المظلوم المهضوم الحقوق، طريقان لا ثالث لهما إما الخنوع والخضوع والاستسلام ضعفا أو انتهازية حتى لو سميت براغماتية أو عقلانية، أو حتى عمالة وهذا أقصى ما يتمناه الظالم ويعمل عليه. وفي سياقنا أقصى ما تتمناه إسرائيل والدول الغربية لنا ولكل شعوبنا العربية إحدى هذه الثلاث.. أما الطريق الثاني هو طريق المقاومة بدون إعطائها أية أسماء دخيلة أخرى كالممانعة وما إلى ذلك، هذه الطريق محفوفة بالتضحيات وحتى بدم الأطفال في غالب الأحيان، صحيح أن ملك الدنيا لا يساوي قطرة دم من طفل معلقة "مصاصته أو بزه الكذاب" في رقبته منتشل من تحت الأنقاض، ولكن هذه حال الدنيا.

مقاومة الظلم والظالم وأيا كانت تضحياتها ووسائلها هي الطريق وإذا كان الظالم لا يفهم إلا طريق القوه، فبالقوة حيث توفرت. هذا هو الهدف الذي يجب أن يكمن وراء أي موقف مقاوم لمظلوم هو الأضعف أمام الظالم الأقوى، قيل هذا الهدف صراحة أو تورية. وكل ما غير ذلك في هذه الحال يصح فيه عندها أن ينسب للمغامرة أو في سياقنا خدمة لأهداف أخرى ينتفع بها أصحابها دون ثمن يدفعونه وعلى حساب الأبرياء من غيرهم. ومهما كانت النتائج عن هكذا مقاومة هكذا هدفها فلن يكون ذلك انتصار هزائم وعندها لن تسبب النتائج الإحباط لأعدى أعداء المظلومين أيا كانوا وأنما كانوا."

في الأيام الأولى للحرب وفي مقابلة تقريرية مع العقيد رئيس طاقم أركان المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي قال:"تستطيع أن لا تحب نصر الله وتستطيع أن تكرهه لكنك لا تستطيع أن لا تقدره".
عندما يقول العدو عن عدوه مثل هذا الكلام مسألة فيها نظر.

دعونا نكون صريحين واضحين، غالبيتنا فلسطينيو البقاء نشعر تجاه صمود حزب الله ما لا نقوله خوفا من أن نتهم بتأييد منظمة إرهابية طبقا للقانون الإسرائيلي، ولكن بغض النظر عما نشعر وعما لا نقوله، دعونا نسأل: لماذا يقول مثل هذا القائد الإسرائيلي ما يقوله وقبل وقوف المعارك بكثير؟

هل لأنه توقع أن يصمد حزب الله مكبدا الجيش الإسرائيلي هذا القدر من الخسائر؟ لم تكن هذه قناعات الجيش الإسرائيلي وإلا لتصرف بغير ما تصرف!

لن أجتهد في الإجابة على هذا السؤال، لكنا لو انتقلنا من التغني إلى التفكير في الأسباب التي جاءت بهذا الصمود (ليس النصر) من الممكن أن نفهم لماذا هذا التعبير عن التقدير ومن الممكن أن نستفيد في مسيرتنا نحن عرب هذه البلاد.
وفقط للمثال:
هل سبق هذا الإنجاز تقاتل "دار العبدالله" و"دار الدوايري" على رئاسة بلدية بنت جبيل؟
هل سبق هذا الإنجاز التراخي تنظيميا بدل الانضباط ؟
هل سبق هذا الإنجاز عدم الاستعداد لدفع 1000 ليرة لبنانية لنجاح المسيرة؟
دعونا نكسو رؤوسنا حتى لا نجد أنفسنا " قرعانا نتغنى بشعر أبناء خالتنا" فعندها وفقط عندها يصير حتى للتغني معنى!

صحيح أن يوسي بيلين وحزبه اليساري الصهيوني أيد الحرب في مراحلها الأولى، لكنه غير موقفه خارجا عن الإجماع. وبما أن الحرب هي إيرانية على أرض لبنان وبأياد إيرانية ولدى إيران مشروع لشرق أوسط جديد خال من أميركا وإسرائيل، فكل من يعارضها أو حتى يبدي وجهة نظر مختلفة عن الإجماع حتى الشعبوي منه فهو عميل لإيران أو في أضعف الإيمان شريك للمشروع الإيراني الشرق أوسطي.

لماذا هذا الظلم يا أبناء عمومتنا ؟ ألا يكفيكم ما أنزلتموه فينا من مظالم وما زلتم؟!

كنا فقط في هذه متميزين عنكم ، كنا نستطيع أن "نأمرك" أو "نأسرل" كل من يبدي رأيا مغايرا هذا إذا جرؤ مستغلا بعض ديمقراطية يعيشها، فتجيئون اليوم لتخطفوا حتى هذا منا وتجدوا لمعارضيكم مستأجرين وشركاء، اتقوا الله فينا واتركوا لنا فقط هذا!

صحيح أن في حزبك يا يوسي بيلين جنرالات لهم "فضائل" كثيرة في حروب الوجود الإسرائيلية، فران كوهن كان قائد كتيبة وصلت أعتاب بيروت، لكن هذا لا يعطيك الحق أن تبدي رأيا آخر في الحرب، وبما أنك فعلتها مستغلا ديمقراطيتنا مثلما يفعل النواب العرب فلا شك أنك متواطئ مع أعداء الأمة وخصوصا إيران صاحبة مشروع الشرق الأوسط الجديد، فاخرس وإلا...
هل من يذكر غزة ؟
عودة إلى الوراء إلى سنين خلت تذكرنا بالكثير من الأحداث التي كانت تجيء هكذا من عالم الغيب لتطغى على جرائم كان وما زال يعاني منها شعبنا الفلسطيني، لا يذهبن البعض بعيدا ويحسب أني أصنف الذي حدث في لبنان على تلك الأحداث.

ولكن يبدو أن اللعنة لا تريد أن "تحل" عن ظهر شعبنا! حتى وإن "حلت" ولو مؤقتا عن شعب لبنان، إلا أنها ما زالت تنزل صواعق على رؤوس أطفال غزة هاشم، وليس من المستبعد أن تصير رؤوسهم الآن كذلك"فشة غل أو خلق" لإحباطات الجيش الإسرائيلي في لبنان.

المثير للتساؤل والاستغراب لماذا لم تقم قيامتنا لأبناء شعبنا مثلما قامت لأبناء الشعب اللبناني، ألأن صواريخ القسام ما زالت متأخرة وراء صواريخ خيبر؟

إننا أمام امتحان في الأيام المقبلة قيادات وناس، إذا لم نقدم لشعبنا في غزة ما قصرنا عن تقديمه سابقا، واستطعنا أن نقدمه لشعب لبنان من تضامن واحتجاج، فيجب أن نفحص أنفسنا بمجهر من النوع الذي تراقب فيه نجوم السماء!

بغض النظر إن حلا لك أن تسمي تحصيل الحاصل في لبنان انتصارا أو صمودا، ما اجترحه شباب المقاومة الإسلامية اللبنانية لم يكن جديدا البتة على الشباب العرب. إذا استطاع شباب المقاومة الإسلامية اللبنانية خلال 33 يوما من تدمير 50 دبابة وآلية بصواريخ "الباغوت" استطاع ضعفه شباب المقاومة الفلسطينية والوطنية اللبنانية سنة 1982 خلال 7 أيام، واستطاع ضعفه مغاوير الجيش السوري وصواعق الجيش المصري خلال يوم وكل يوم في حرب تشرين 1973 بصواريخ " الستنجر". الإحصائيات أعلاه هي باعتراف القادة العسكريين الإسرائيليين. ما ينتاب الساحة الإسرائيلية اليوم السياسية والعسكرية والشعبية لا يقاس بما كان سنة 1973 ،فإذا آلمهم اليوم حريق دبابات المركباه يومها كان تهاوي طيارات الفانتوم، ويكفينا ما قاله حينها موشي ديان: " ما أقلنا أمام الكثر وما أضعفنا أمام الأقوياء" لكن المهم ليس هذا، المهم وما يشغل البال هو: هل يضيع أو يجهض الإنجاز الذي تحقق ولو جزئيا، مثلما ضاعت وأجهضت الإنجازات السابقة وخصوصا في ال-1973؟

يجب ألا يشغلنا ويجب ألا نعول كثيرا على الحاصل على هذه الساحة فهي ليست ساحتنا وإن كنا فيها ونتأثر بها. الذي يشغل البال أكثر، حال ساحتنا الداخلية على ضوء التفاعل الذي ميزها مع الأحداث الأخيرة، ضاع هذا الإنجاز أم لم يضع أجهض أم لم يجهض، ففي النهاية هذه هي ساحتنا وهنا حربنا، الشاغل للبال هو:
هل سيصوت الآلاف لحزب العمل في الانتخابات المقبلة؟
هل سنجلس في بيوتنا لأن معركة الانتخابات مثل قلتها، أو صغيرة علينا في انتظار المعركة الأكبر!
هل سنبقى حمائليين وطائفيين "نفجم" رؤوس بعضنا في كل انتخابات مجلسية ونصنف انتماءات بعضنا كأهل كفر وأهل ذمة وأصوليين في كل انتخابات برلمانية؟
هل سنبني حركة وطنية بتقديم ما هو أرخص كثيرا مما قدمه الشعب اللبناني، وقدمه وما زال يقدمه شعبنا الفلسطيني ومن ثم نعمل على توحيد صفوفنا على اختلاف اجتهاداتنا؟

الإجابة الإيجابية أو السلبية على هذه الأسئلة وحسب السياق تعطي عندها المعنى للتغني ولو كان بشعر ابنة الخالة، لأنه حتما عندها ستجيء الاستفادة ويصير التغني كذلك بشعرنا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018