يالطا” اقتصادية أم تغطية للأسهم الفاسدة؟../ فيصل جلول

تفيد الارقام المتداولة أن الاحتياطي النقدي الصيني بالعملة الصعبة يصل إلى 1900 مليار بينها 1300 مليار دولار أمريكي. ويرى خبراء الاقتصاد الدولي ان هذا الاحتياط حمى ويحمي الصين من آثار الأزمة التي تضرب الاسواق العالمية.

ولعل إصرار بكين على إبعاد عملتها الوطنية عن سوق العملات بخلاف رغبة صندوق النقد الدولي سمح ويسمح لها بهامش واسع للمناورة في أسواق النقد العالمية. ومن بين الارقام المهمة أيضا أن هذا البلد سيحقق نسبة نمو تقدر بـ9 في المائة بدلا من 12 الى 15 في المائة كما كان متوقعا من قبل. ما يعني أن الازمة طالت هوامش الاقتصاد الصيني، ولم تصبه في القلب كما اصابت وقد تصيب العديد من البلدان الرأسمالية.

والظاهر أن الصين أصبحت منذ بعض الوقت مثالاً يحتذى للعديد من بلدان العالم وخاصة في افريقيا، حيث أكد الزعيم الاثيوبي ميلس زناوي على هامش القمة الافريقية الصينية في بكين عام 2006 أن “الصين هي مصدر الهام لنا جميعا” ووافقه الرئيس السنغالي عبدالله واد إذ قال “ان النموذج الصيني في التنمية الاقتصادية السريعة هو مدرسة علينا ان نتعلم جميعنا فيها”.

لا مبالغة في الحديث عن “نموذج الصيني” في التنمية المستقلة. فهذا البلد يصر على تأمين الطاقة التي يحتاج اليها من بلدان ممانعة وخارج السيطرة الغربية شأن إيران والسودان وانغولا، ولا يقيم بالاً لانتقادات المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الانسان مفترضا ان انتشال 500 مليون صيني من هاوية الفقر اهم من الخطب المنمقة في هذا المجال، وان بناء مدن جديدة تضم 20مليون نسمة من دون ضواحي بؤس واحياء عشوائية افضل من الاستماع الى نصائح اوامر حقوقية لايحترمها اصحابها في بلدان المنشأ.

أما التمسك بالدور القائد للحزب الحاكم فتعتبره الصين شأنا داخليا لا يحق لأحد في الخارج أن يحشر انفه فيه. وإذ تمنح الصين مساعدات غير مشروطة للدول الفقيرة فإنها تخالف عرفا لدى الدول الغربية يقضي بربط المساعدات بإصلاحات سياسية، وباعتماد قيم غربية والخضوع لوصفات البنك الدولي والمؤسسات الاخرى. وعندما تصر الصين على اقامة علاقات وثيقة مع دول ممانعة للادارة الامريكية شأن كوريا الشمالية وايران وسوريا والسودان وغيرها، فإن هذا الاصرار يثير حفيظة الولايات المتحدة وحلفائها الذين يخشون فعلا من أن يتحول هذا البلد الى مرجع تلجأ اليه الدول الساعية للتخلص من الهيمنة الغربية، الأمر الذي يستدرج سؤالا كبيرا حول موقع الصين المنتظر على المسرح الدولي في سياق الازمة الراهنة. فهل تستفيد من الازمة لتوسيع نفوذها الدولي من الاقتصاد الى السياسة وربما الثقافة وتصبح بالتالي لاعبا مستقلا ومنافسا للدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة، أم انها ستقبل بمغريات الانضمام الى النظام العالمي القائم من موقع الشريك الاستراتيجي وصاحب الكلمة النافذة في القضايا الدولية؟

تقتضي الاجابة عن السؤال البحث في نوع العروض التي تقدم للصين في هذه الايام من اجل المساهمة في حل الازمة الرأسمالية الضاغطة. فقد اقترحت فرنسا وربما بموافقة امريكية مسبقة أو مرجوة عقد قمة غربية آسيوية في الولايات المتحدة للبحث عن حلول تشترك فيها الدول الاساسية في السوق العالمية ومن بينها الصين، ويرى الرئيس ساركوزي الذي ذهب الى بكين لهذه الغاية ان المطلوب ليس قمة من اجل الخطب والكلام الفارغ عن الازمة، وانما قرارات جدية لمعالجتها، ما يعني ان باريس تعتقد ان انخراط الصين في البحث عن مخارج يؤدي الى ايجادها فعلا لكن ما الذي تربحه بكين في هذه الحالة؟

البعض يرى أن واشنطن ستجعلها “شريكا استراتيجيا مسؤولا” في النظام الدولي وعضوا في مجموعة الدول الاكثر تصنيعا في العالم، وستكون قوة عظمى نافذة في القضايا الدولية، وكلها افضليات مغرية بيد أنها تستدعي تحولات وتغييرات صينية بنيوية في النظام السياسي ودور الحزب الحاكم، والالتزام بقواعد منظمة التجارة العالمية والموافقة على قواعد “صندوق النقد الدولي” والتخلي عن شروطها الخاصة في توفير الطاقة واعادة النظر بعلاقاتها الخارجية واعتماد القواعد التي وضعتها الدول الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

بكلام آخر تكون الصين دولة عظمى نافذة إذا ما تخلت عن العناصر التي تسببت حتى الآن بنموها الاقتصادي وبصعودها البارز على المسرح الدولي وباستثمار أفضليتها الاقتصادية في انقاذ الاقتصاد الغربي وتوابعه من الانهيار، مع الإشارة إلى أن نفوذها سيكون مستمدا من النظام الدولي الراهن الذي تتزعمه الولايات المتحدة بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

أغلب الظن أن كلفة المرتبة الدولية التي يلوح بها الغرب للصين باهظة إلى حد يصعب معه ان تنخرط بكين في لعبة تنطوي على مجازفة غير مضمونة، خصوصا أن ما يمكن أن تربحه موضوعيا من نظام دولي ضعيف يئن من الازمة الاقتصادية أقل بما لا يقاس مما ستربحه من هذا النظام بشروط عمله الراهنة، ما يعني ان المفاوضات التي ستدور في واشنطن حول انقاذ الاقتصاد العالمي بمساهمة صينية وجنوب افريقية وبرازيلية وغيرها لن تكون قاصرة على الخطب والكلمات الطنانة، وانما على استعراض أوراق الأطراف المختلفة على الطاولة فيما يشبه “يالطا” اقتصادية، هذا اذا ارادت الدول الغربية اصلاح الرأسمالية العالمية كما يقول ساركوزي وبالتالي اصلاح النظام العالمي.
"الخليج"

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"