يهودية إسرائيل.. خصوصية وهمية../ د .عبد الوهاب المسيري

دعت الإدارة الأميركية إلى "اجتماع أنابوليس"، ومعلوم أن كلمة "اجتماع" هي ترجمة لكلمة meeting. لكن لماذا استُخدمت هذه الكلمة بدلاً من الكلمة المتواترة conference أي "مؤتمر". أعتقد أن الهدف هو تخفيض سقف التوقعات على قدر الإمكان.

ومع هذا استمر الإعلام العربي في استخدام كلمة "مؤتمر"، إما بسبب الإهمال أو عدم إدراك الفرق بين "الاجتماع" و"المؤتمر" أو لغرض في نفس يعقوب. وقبل المؤتمر بعدة أيام، طالب المتحدثون الصهاينة أن يعترف الطرف الفلسطيني بإسرائيل كدولة يهودية، وهذا لا يعني مجرد الاعتراف بإسرائيل كدولة لمواطنيها وإنما كدولة لكل الشعب اليهودي، وبذا يصبح من حق أي يهودي أن يعود إلى فلسطين بعد "غياب" ألفي عام، وفي الوقت ذاته لا يحق لأي فلسطيني طُردَ من داره التي لا تزال قائمة على بعد عدة أمتار منه، أن يعود لوطنه وداره، ويصبح نضال الفلسطينيين من أجل تحرير وطنهم عبر مائة عام عبثاً وإرهاباً.

ويستند المفهوم الصهيوني الخاص بالدولة اليهودية إلى ما يسمونه الهوية أو الإثنية اليهودية (العالمية الثابتة)، وهي مجموعة من الصفات التي يتسم بها كل اليهود أينما كانوا. ويخلص الصهاينة من ذلك إلى ضرورة عودة اليهود إلى أرض أجدادهم حتى يحققوا هويتهم التي لا يمكن أن تتحقق خارج هذه الأرض، وطنهم القومي! لكن إذا كانت الهوية الإثنية اليهودية ثابتة لا تتحول ولا تتغير بتغير الزمان والمكان، فكيف يمكن تفسير تعدد الهويات اليهودية؟ وكيف يمكن تفسير ظهور واختفاء بعض الهويات اليهودية؟!

لاحظ كثير من الدارسين أن حديث الصهاينة عن الإثنية والخصوصية اليهودية متأثر إلى حد كبير بتجربة يهود شرق أوروبا من يهود اليديشية (أساساً في روسيا وبولندا) الذين كانوا يشكلون كتلة بشرية ضخمة (تشكل 80% من يهود العالم) تتميَّز نسبياً عن محيطها الحضاري، وقد أتت من صفوفهم معظم قيادات المستوطَن الصهيوني. لكن من الواضح أن هذه الخصوصية ناجمة عن عناصر سياسية واجتماعية وحضارية خاصة بالتركيبة الحضارية الطبقية للمنطقة التي عاش فيها يهود اليديشية (روسيا -أوكرانيا -بولندا).

وحينما هاجر آلاف منهم احتفظوا ببعض سماتهم المميزة إلى أوطانهم الجديدة، وبدأ الحديث عن الخصوصية اليهودية العامة والعالمية وما شابه، وهي في الواقع خصوصية شرق أوروبية. فاللهجة والرطانة اليديشية (أهم مظاهر خصوصيتهم) هي ألمانية العصور الوسطى التي كانوا يتحدثون بها قبل هجرتهم بعد أن دخلت عليها بضع كلمات سلافية وعبرية، ورداؤهم هو الكفتان (القفطان) رداء الأرستقراطية البولندية، وهو من أصل تتري تركي. كما أنهم تأثروا بمحيطهم السلافي في معتقداتهم الدينية، فالحسيدية هي نتاج الفكر الصوفي الفلاحي السلافي وعقائد المنشقين على الكنيسة الأرثوذكسية، وقبعتهم المعروفة بالستريميل المزينة بالفرو هي ذات أصل سلافي.

وقد كوَّن يهود اليديشية كتلة بشرية ضخمة مترابطة متميِّزة عن محيطها الحضاري مع تأثرها العميق به، ولذا فإنها تُعدُّ أقلية قومية مثل كثير من الأقليات القومية الأخرى التي كانت توجد داخل الإمبراطورية القيصرية، فهي لا تشكل شعباً يهودياً وإنما أقلية قومية شرق أوربية. وقد انطلق أعضاء حزب البوند من تقبلهم لهذا الوضع بكل ما يحمل من مزايا وعيوب، وطالبوا بحل مشكلة (أو مسألة) الجماعة اليهودية في شرق أوروبا باعتبارها أقلية قومية يهودية شرق أوروبية لا شعباً يهودياً عالمياً.

وينطلق فكر المؤرخ الروسي اليهودي سيمون دبنوف من التصور نفسه. فحديثه عن "قومية الدياسبورا" هو في واقع الأمر حديث عن الخصوصيات اليهودية، وعن أقليات قومية، وعن أقلية قومية واحدة على وجه التحديد، وهي يهود اليديشية. ومن هنا كان رفض هؤلاء اللغة العبرية ودفاعهم عن اليديشية (اللغة الأم أو ماما ليشون)، لا باعتبارها لغة اليهود التي تُعبِّر عن خصوصية يهودية عالمية، وإنما باعتبارها لغة يهود شرق أوروبا التي تُعبِّر عن خصوصيتهم. لكن الخصوصية اليهودية اليديشية وغيرها من الخصوصيات اليهودية، تم اكتساحها مع ظهور العلمانية الشاملة في الغرب وعصر العقل والاستنارة. فالفكر العلماني ينظر إلى الكون في إطار فكرة القانون العام والطبيعة البشرية العامة والإنسان الطبيعي. وأذهب إلى أن ثمة فارقاً جوهرياً بين ما أسميه العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. فالعلمانية الجزئية -في تصوري- هي فصل الدين عن الدولة، وهو تعريف "جزئي" لأنه يلزم الصمت تجاه قضايا أساسية وأسئلة نهائية مثل القيم الأخلاقية والأسرة والميلاد والموت، وهو تعريف يقتصر على المجالات العامة للحياة خاصة السياسية والاقتصادية.

أما العلمانية الشاملة فليست مجرد فصل الدين عن الدولة، وإنما أمر أكثر شمولاً وعمقاً وهو فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن العالم (الإنسان والطبيعة)، ونزع القداسة عنه لتصبح كل الأمور متساوية، وتساوي الإنسان بالأشياء، وسادت النسبية الشاملة أو المطلقة، وأصبح العالم (الإنسان والطبيعة) مادة استعمالية يوظفها القوي لحسابه.

وقد قامت العلمانية الشاملة بغزو الحياة الخاصة وتقويضها، وقامت الدولة القومية والإعلام وقطاع اللذة بترشيد المواطنين وتنميطهم وتحويلهم إلى "مواطنين صالحين"، أي مواطنين ينفذون ما يأتيهم من أوامر ويذعنون لما يطلب منهم! ولم يشكل أعضاء الجماعات اليهودية أي استثناء لهذه القاعدة، فتركت العلمانية الشاملة أثرها العميق على هوياتهم الدينية والإثنية، لأسباب بعضها عام ينطبق على كل أعضاء المجتمع، وبعضها خاص بأعضاء الجماعات اليهودية وحدهم.

أما الأسباب العامة فهي تحول الدولة إلى تنين مخيف، وتغول الإعلام، وظهور قطاع اللذة. فقد طورت الدولة مؤسساتها الأمنية والتربوية وحاولت أن تعيد صياغة أعضاء المجتمع كمواطنين لا يدينون بالولاء إلا لها. وأدى تغول الإعلام (خاصة الإعلام المرئي) إلى تقويض مجال الحياة الخاصة. أما قطاع اللذة في المجتمع فقد زاد من توجه الأفراد نحو اللذة وغيرت من صورتهم لأنفسهم واخترقت أحلامهم. أما الأسباب الخاصة فمن بينها أن العقيدة اليهودية ذاتها كانت قد دخلت مرحلة أزمتها وكانت آخذة في الاضمحلال. كما أن تزايد معدلات الحلولية داخل اليهودية خلق تبادلاً اختيارياً بينها وبين العلمانية.

ولعل غياب خصوصية يهودية عالمية أو إثنية عامة، جعل من أعضاء الجماعات اليهودية فريسة سهلة للعلمانية الشاملة. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا قد تشربوا قدراً كبيراً من ثقافة محيطهم، لذا لم يكن من الصعب عليهم إنجاز عملية التخلص من أية علامات على الخصوصية. فظهرت بين اليهود حركات إصلاح ديني وتنوير أسهمت في تخليص اليهود من أية خصوصية دينية أو غير دينية. وأكبر دليل على الاختفاء السريع لما يسمى بالإثنية اليهودية هو ما حدث للكتلة البشرية الشرق أوروبية الضخمة من يهود اليديشية، فقد اختفت اليديشية، أهم مظاهر هذه الخصوصية بسرعة غير عادية، ولم يعد هناك سوى بضعة جيوب وأفراد (أساساً في الولايات المتحدة) يتحدثونها.

وتُعَدُّ تجربة المهاجرين اليهود مع الولايات المتحدة (المدينة الذهبية: حيث الشوارع من فضة والأرصفة من ذهب!) من أهم التجارب في التخلص من الإثنية والخصوصية. فقد كان أعضاء الجماعة اليهودية هم أسرع أقلية تمت أمركتها رغم الحديث عن انعزالهم وتطلعاتهم القومية. إن ظهور ثم اختفاء الهوية اليديشية هو أكبر دليل على كذب الأطروحة الصهيونية بخصوص الهوية اليهودية العالمية وضعف مقدرتها التفسيرية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018