الرموز الكوديّة لخطاب 14 آذار../ أسعد أبو خليل *

من ذكرى استشهاد الرئيس الحريري في 14 شباط (مروان طحطح)لا شك في أن فريق 14 آذار، مستعيناً بشركات إعلان وعلاقات عامة، بالإضافة إلى ما تيسّرَ من مؤسسّات دعم الديموقراطيّة البريئة، بلوَرَ خطاباً خاصّاً به، يلتزم به كل من ينضوي في هذا الإطار الجامع ـــ على شرذمة. ولا شك أيضاً في أن هذا الفريق يصرّ على التماسك في الخطاب وفي السجال وفي الدعاية السياسيّة: فتجد الواحد (أو الواحدة) لا يحيد قيد أنملة عن تعليمات بيانات قصر قريطم. ويمكن الملاحظة أن فريق 14 آذار نجح في ترسيخ أسس مبادئه، إذا ما سلّمنا مع مفوّض دعاية هتلر، يوزف غوبلز، أن الدعاية ـــ كما كتب في يوميّاته ـــ ما هي إلا «التكرار، المتكرّر».

■ نجاح الدعاية الآذاريّة

ويتضح نجاح فريق 14 آذار الدعائي في حدوث تغيير سريع في التوجّهات السياسيّة لقطاع عريض في الطائفة السنيّة (الرأي العام في لبنان، مثله مثل أي أمر آخر في لبنان، هو طائفي)، على أثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري. أما فريق المعارضة، فهو مرتبك في بيانه وخطابه (وطائفي من حيث يدري أو لا يدري)، ويبدو كما الذي يتلمّس خطواته في الظلمة. يصدر حزب الله، مثلاً، بياناً واحداً ضد وليد جنبلاط ينعته فيه بالغدر، ثم ينام، ظانّاً أن بياناً واحداً من شأنه أن يحدث تغييراً كبيراً في توجّهات الرأي العام. والرأي العام هو مثل النبتة: يحتاج إلى رعاية ودراية وإطعام وريّ يوميّ، كما يحتاج إلى نور الشمس. ترى تلفزيون آل الحريري، ونشرة المستقبل العائليّة، وتقرّ بأن الوسيلتين نجحتا أيّما نجاح، مستعينتين بالإعلام السعودي المنتشر (والمُنتشي)، في تعبئة مذهبيّة حادّة لم تشهدْها المنطقة منذ الفتنة الكبرى.

لكنّهم في لبنان لا يصرّحون بمكنوناتِهم، وإن فعلوا، فإنّ هناك من يراقب ومن يبتسر ومن يقتطع ومن يشذّب ومن ينفي (من مكتبه الإعلامي، طبعاً، فالكل لديه ـــ ولديها ـــ مكتب إعلامي في وطن التفاخر الفارغ). صحيح أن المفتي محمد علي الجوزو ومفتي صور «المطرود» وزملاء يحيى جابر في نشرة آل الحريري لا يداورون في إذكاء نار الفتنة المذهبيّة وفي بث سموم التعصّب الطائفي والمذهبي الحادّ، إلا أن هناك من يتمنّع عن نشر بذيء الكلام ومعيبه. لهذا، فإن هناك دائماً حاجة إلى الاستعانة باللغة الكوديّة أو الإشارة، وهي غير خافية على اللبيب أو على الأخرق. واللغة الكوديّة مألوفة في أميركا، حيث يعمد السياسيّون العنصريّون من البيض إلى لغة كوديّة في الحديث عن السود (يُراجع في هذا الصدد كتاب كنيث أورايلي «بيانو نيكسون»). فقد كان ريتشارد نيكسون يتحدث عن حماية الناس من المجرمين بغية ستر التبطين العنصري ضد السود في خطابه الانتخابي، كما يعمد فريق السنيورة إلى الحديث عن «الناس الآمنين» في بيروت، وكأن أهلها من طائفة واحدة، وكأن غيرهم هم من الطارئين ومن غير الآمنين. والشيخ بيار الجميل كان يحاول أن يصرّح بتعاونه، الذيلي طبعاً، مع إسرائيل عندما كان يتحدث عن «الاستعانة بالشيطان» للحفاظ على الكيان (ولا يزال الإعلام في لبنان ـــ عن سذاجة أو عن خبث ـــ يردّد مقولة جوزيف أبو خليل عن بداية العلاقة بين إسرائيل وحزب الكتائب في تلك الرحلة في عرض البحر، فيما ترجع العلاقة إلى الخمسينيات، وفق ما نُشر من وئائق إسرائيليّة).

■ أقوال مأثورة

وكان طاقم السياسيّين التقليديّين في لبنان يتحدّث في سنوات ما قبل الحرب الأهلية عن «الغبن»، في إشارة مهذبّة إلى الطائفيّة المستحكمة في بنية النظام. وكان الكلام عن «حقوق» طائفيّة (مع أن الحقوق يجب أن تكون مواطنيّة وطبقيّة فقط) يتستّر بكلام عام عن «المحرومين»، وكأن الحرمان صنو طائفة واحدة فقط. ثم هناك الكلام عن «خصوصيّة» لبنان، وذلك من أجل فصله عن محيطه ولربطه، أو محاولة ربطه، بالأحلاف الأجنبيّة، كما ربط آل الحريري لبنان بحلف عبد الستار أبو ريشا ومحمد دحلان. ومقولة «قوة لبنان في ضعفه» هي أيضاً جزء من اللغة الكوديّة، إذ إنها كانت تعني ببساطة ما يلي: أن لبنان يريد أن يطمئن العدو الإسرائيلي رسمياً، ويودّ أن يعبّر عن شدة امتعاضه لحالة العداء العربي (وإن زالت على المستوى الرسمي في زمن تُدعى فيه وزيرة الخارجية الإسرائيلية إلى قطر لتحاضر في الاعتدال وفي الديموقراطية) ضد إسرائيل. إن مقولة قوة لبنان في ضعفه كانت تهدف إلى التشديد الرسمي على أن سلاح لبنان لا يُستعمل إلا ضد الشعب اللبناني والفلسطيني، لا ضدّ العدو الإسرائيلي، وهذه هي اليوم سياسة فريق الحريري الرسميّة. (وكانت لجان الجيش اللبناني في مفاوضات الهدنة تعمد إلى التصريح بمكنونات السياسة الخارجية للبنان، على ما نُشر عنها في إسرائيل. حيث إن أول مفاوض لبناني سارع بعد حرب 1948 إلى تطمين إسرائيل «إننا لسنا عرباً»).

أما شعار «لا غالب ولا مغلوب» فهو، بعد تفكيكه، يفيد بأن لبنان قرّر وقف حرب أهلية ما حتى إشعار آخر، على أمل استمرارها لاحقاً. وكل حرب أهليّة وأنتم بخير، ويمكننا بعد كل جولة من الحروب الأهليّة عقد حلقات دبكة على أنغام «راجع، راجع يتعمّر» من أجل إثبات حسن النيّات. وشعار لبنان «قطعة سماء» الصادر عن حنجرة وديع الصافي، لا علاقة للبنان به، إذ إنه يمثّل قراراً إلهيّاً من العلياء لمكافأة لبنان على مزجه البطاطا بالكزبرة (وهذا المزج يساعد في سعي لبنان الحثيث لإضافة شيء لبناني ما كواحدة من عجائب الدنيا السبع، أما عبقريّة ميشال معوّض فهي ثامنة).

■ شعارات 14 آذار

لنمحّص قليلاً في بعض شعارات 14 آذار.

«لبنان آخر من يوقّع اتفاقية سلام مع إسرائيل». من العجب أن يعاجل فريق الحريري، على لسان جنبلاط وغيره، بإطلاق هذا الشعار أو ترداده (لأن رفيق الحريري الذي روّج لاتفاق 17 أيار وساعد أمين الجميل على فرضِه، كما أنه كان ميّالاً إلى توظيف من عمل على هذا الاتفاق وروّج له، مثل داود الصايغ وزاهي البستاني) بعد ساعات من اغتيال الحريري. لا ندري ما هي العلاقة بين الاغتيال والحديث عن اتفاقيّة سلام مع إسرائيل، وخصوصا أن فريق 14 آذار يصرّ على تبرئة إسرائيل من أية عمليّة اغتيال في لبنان؟ حتى في عدوانها على لبنان، هم برّأوها رسميّاً. وكأن إسرائيل كانت في خضمّ مبادرات سلمية وفاقيّة، وكأن لبنان كان مُطالباً بإصدار قرار فيها على عجالة. الترجمة للشعار هي: لبنان توّاق لعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل، وذلك من أجل التطبيع الكامل مع إسرائيل حتى يتسنّى للبنان تطبيق عناصر مشروع رفيق الحريري، ما يسمّى في لبنان تلطّفاً بـ«إعمار لبنان». ثم الحديث عن «آخر دولة توقّع» اتقاقية سلام مع إسرائيل هو متأخّر، لأنّ لبنان كان ثاني دولة توقّع اتفاقية سلام مع إسرائيل. كان ذلك يوم تسابق معلّقو جريدة النهار لتسويغ اتقاقيّة 17 أيار المشؤومة.

والحديث عن أنّ لبنان هو آخر دولة توقّع هو في حد ذاته بداية الترويج الرسمي لاتفاقية سلام وتطبيع مع إسرائيل. ثم هناك نفاق واضح في هذا الشعار: إذ إنه يصرّح برغبة لبنان في عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل، مع أنه يقرّ بأن لبنان سيراوغ ويناور قبل توقيع الاتفاقية، لا من باب العداء لإسرائيل بل بسبب الخوف من جهات معيّنة.

«أنا أحب الحياة». هذا الشعار من بنات أفكار شركة إعلان ودعاية سياسيّة بقيادة قواتي. وهي كانت ناشطة في الحركة الدعائية لـ14 آذار. والشعار، مثله مثل معظم شعارات الفريق الحاكم وصياغاته، هو مستورد. وشعار «أنا أحب الحياة» ـــ وإن كان كريم مروّة يحبّ الحياة أكثر من غيره ـــ مستورد من خطاب الاستشراق الصهيوني الذي يحاول أن يقوّض دعائم المقاومة الفلسطينية. وهذا الشعار، من الناحية المنهجيّة، خاطئ طبعاً لأنّه يفترض، خلافاً للدراسات الأكاديمية عن ظاهرة العمليات الانتحارية، أن الدافع وراء العمليات الانتحارية هو معانقة الموت والسعي وراء دار الآخرة، في الوقت الذي أثبت فيه روبرت بيب (في كتابه «الاستماتة من أجل النصر») أن مرتكبي العمليات الانتحارية ينطلقون، اتفقْتَ مع وسائلهم أم اختلفْتَ، من حافز محاربة الاحتلال الأجنبي. والدعاية الأميركية غير بعيدة من هذا الشعار: إذ إن دعاية الحرب الأميركية أطلقت تهمة كره الحياة على الشعب الياباني في الحرب العالمية الثانية وعلى الشعب الفيتنامي في حرب فيتنام، كما أن إسرائيل أطلقت التهمة على المقاومة الفلسطينية لإسرائيل من أجل تشويه صورتها في الغرب، ومن أجل تعليل عمليّات قتل بالجملة. واتهام شعب أو عرق أو طائفة بكره الحياة يؤدي إلى تسهيل عمليّة قتلهم بصورة جماعيّة وعشوائيّة. (ألم تكن تلك في صلب العقيدة النازية ضد الأعراق «الدونيّة»؟ ألم تكن تلك أيضاً عقيدة الجنرال الأميركي، كورتس لوماي، الذي اتّبع خطة حرق طوكيو في الحرب العالميّة الثانية، باسم «القصف الاستراتيجي»، مثلما أسبغت صحيفة «المستقبل» صفة «الدفاعية» على مناورات إسرائيل الحربيّة ضد لبنان قبل أشهر؟).

«قرار الحرب والسلم بيد الدولة». هذا الشعار يهدف إلى القضاء الأبدي على قرار الحرب أو حتى الدفاع عن النفس بوجه إسرائيل. هو يهدف إلى دحض فكرة المقاومة ضد إسرائيل من أساسها، لأن تسليم القرار إلى الدولة هو بمثابة القضاء النهائي على سلطة القرار. أي إنه كمن يسلّم رغيفاً إلى جائع، أو كمن يسلّم وزارة الداخليّة إلى حسن السبع، أو كمن سلّم إعمار لبنان لرفيق الحريري، أو كمن يسلّم ثكنة حدوديّة إلى عدنان داوود (قبل ترقيته أو بعدها)، أو كمن سلّم وزارة المهجّرين إلى وليد جنبلاط، أو كمن يسلّم أي شيء لسعد الحريري. وهل قامت الدولة في لبنان بواجباتها أصلاً في الدفاع عن الأرض، حتى لا نتحدث عن محاربة إسرائيل من ضمن الخطة العربية المشتركة (الفاشلة) لتحرير فلسطين؟ طبعاً، هناك من يريدنا أن نصدّق أنه يمكن الوثوق بدولة قوامها أحمد فتفت وجو سركيس ونائلة معوّض للقيام بمهمات الحرب (حتى الدفاعيّة) ضد إسرائيل. ويتفق هذا الشعار مع عقيدة شارل الحلو (ينسى البعض أصوله الكتائبية) من أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون في يد إسرائيل فقط (وفق شعار «قوة لبنان في ضعفه»).

«تحييد لبنان عن صراعات المنطقة». هذا الشعار يعني المطالبة لا بتحييد لبنان عن صراعات المنطقة، بل لربط لبنان بمشروع أميركا ـــ إسرائيل ـــ السعودية للمنطقة. أي إن الشعار هو من أجل رفض محور لمصلحة محور آخر مضاد.

«الاستقلال الثاني». هذا الشعار يهدف إلى الزهو بقدرة لبنان على استبدال وصاية بأخرى، وللترميز على فخر آل الحريري لرعايتهم الرسمية لوصايتيْن.

«رفض التدخل الخارجي في شؤون لبنان». هنا، يهدف الشعار إلى التركيز على طلب التدخل الخارجي من وجهة واحدة، أي طلب التدخل من جهة لوقف التدخل من جهة أخرى، كما أفادنا صاحب إنجاز «بيت الطبيب» ذات مرّة.

«أميركا ارتكبت أخطاءً في العراق». هذه العبارة ترد اليوم في خطاب الحزب التقدمي الاشتراكي. وهي وردت أول ما وردت في كلام وليد جنبلاط عندما اكتشف رأس الحكمة في إليوت أبرامز، وغيره من عتاة الصهاينة في أميركا، وعندما جال في أميركا معتذراً عن خطاياه طالباً الغفران. وترد العبارة نفسها في بيانات الحزب التقدمي المُكرّرة. وهي تعني أن جنبلاط يتفق مع جون بولتون وليز تشيني من أن إدارة بوش كانت رحيمة أكثر من اللازم مع أعدائها، وأنها رأفت بالعراقيّين إلى درجة مضرّة بمصلحة الامبراطوريّة. وتتضمّن تلك الأخطاء تمنّع الإدارة الأميركيّة عن شن حروب تحريريّة إضافيّة. حربان للتحرير لا تكفيان.

«الدولة المدنيّة». يهدف هذا الشعار إلى حض آل الحريري على الاستيلاء على كل مقدرات الدولة في لبنان. وقد سعى رفيق الحريري بدعم النظام السوري إلى تحقيق هذا الاستيلاء (بالإضافة إلى الاستيلاء على الأملاك العامّة)، لكن الخطة تعثّرت لأسباب خارجة عن الإرادة.

«الحداثة». يهدف هذا الشعار إلى نشر فكر محمد علي الجوزو وخالد الضاهر وأنطوان زهرا (أو الياس زهرا، لا فرق) في المناهج الدراسيّة المقرّرة من أجل الترويج لفكر ديكارت. والحداثة تفرض حسن الضيافة عندما يزورك المُحتلّ: «شاي يا ولد».

«نشر سلطة الدولة». هذا الشعار هو من أجل منع أي عمل عدائي، ولو كان هتافاً، ضد العدو الإسرائيلي.

«رفض التوطين». يهدف هذا الشعار إلى طرد الفلسطينيّين من لبنان، وإلى التذكير بحدّة الديموغرافيا الطائفية في لبنان.

«العودة إلى الطائف». هذا الشعار يعني ببساطة «العودة إلى الطائفة» فاقتضى التنويه.

«احتكار الدولة للسلاح». يهدف هذا الشعار إلى الإصرار على أن مهمة الجيش وقوى الأمن في لبنان هي من أجل قمع التظاهرات وقتل الفلسطينيين، لا من أجل الدفاع عن الحدود والأرض بوجه اعتداءات إسرائيل.

«نحن نرفض ثقافة ولاية الفقيه». هذا الشعار ينمّ عن إعجاب شديد بولاية صبحي الطفيلي المُطلقة، وخصوصاً في مرحلة قيادته حزب الله في الثمانينيات، وكان ذلك قبل أن يتحوّل الطفيلي من طريد العدالة إلى معلّق في جريدة النهار وواعظ أخلاقي.

«بيروت خط أحمر». هذا الشعار الذي كُتب للشيخ سعد بن رفيق يعني أن لآل الحريري دون غيرهم الحق في تقرير أهليّة أي من الطوائف للحصول على الحق في السكن وفي الانتماء إلى عاصمة لبنان.

«بدنا نعيش». هذا واحد من الشعارات التي تهدف إلى نشر فكرة التطبيع والسلام مع إسرائيل. أي إن المقصود: نريد أن نعيش أذلاء تحت سيطرة إسرائيل.

«لا رأسمالية في لبنان». هذه الفكرة هي من بنات أفكار منظّر حركة اليسار الحريري، يحيى جابر الذي، في ملحمته الشهيرة، «دموع على رفيق الحريري»، علّم هوميروس أصول كتابة الملاحم. وفي حديث لإيلاف، وهي تعبر عن «اليسار» وعن «الديموقراطية»، بالإضافة إلى تسليع المرأة الجنسي عبر إباحيّة وسوقيّة لافتة، أفادنا جابر بأنه يعمل أحياناً 24 ساعة في اليوم، وينام ساعتيْن، عما نظن. وكتابة الملاحم شاقة ومضنية. ويوم يحيى جابر يمتدّ لساعتيْن إضافيّتيْن، بأمر من هاني حمود. وجابر أفتى بعدم وجود الرأسمالية في عالم اليوم، وسارعت كليّات الاقتصاد إلى حشر نظريات جابر في مناهجها على وجه السرعة، وهي لم تكن تعلم أن مواهب جابر هي ملحميّة ـــ اقتصاديّة. وبناءً على نظريّة جابر، فإن التعامل الاقتصادي والاستثمار لا يحصل عبر رأس المال بعد اليوم، بل عبر البطاطس.

«الإسلام دين وسطي». هذا الشعار ردّده رفيق الحريري مع آل سعود بعد 11 أيلول فقط. وهو يعني أن جورج بوش وآل سعود يحدّدون تعريف الإسلام، ويكيّفونه وفق المصالح الأميركية. وهذا المنظور يجمع بين ادّعاء الليبرالية ونشر السلفيّة، وهذا يفسر كيف أن الليبرالي السعودي، جمال خاشقجي (الذي صادق ووالى بن لادن قبل أن يكتشف حب الحياة هو وصبحي الطفيلي)، يقول في مقال ليبرالي جداً في جريدة الأمير خالد الفيصل «إننا» سلفيّون. ويتفق هذا الشعار، طبعاً، مع قهر المرأة ورجمها ومع قطع الرؤوس في الساحات العامة.

«نحن نريد أفضل العلاقات مع سوريا». هذا الشعار يعني ما يلي: أننا نعمل على تمويل الإخوان المسلمين وتسليحهم في سوريا، بالإضافة إلى عصابات رفعت الأسد (التي روّعت لبنان في ماض غير سحيق)، وذلك من أجل قلب النظام في سوريا.

«أنا حوربت من النظام السوري في انتخابات عام 2000». هذا الشعار الوارد على ألسنة أكثر سياسيّي 14 آذار ممّن تنعّم (وتنعمّت) أثناء فتر سيطرة النظام السوري، يُفسّر كما يلي: أنا كاذب ومُخادع. أنا كنت قد نُصّبت مثل غيري من جانب النظام السوري، وكنت أؤدي التحيّة العسكريّة لرستم غزالة (وغازي كنعان من قبله). وأنا شاركت في تظاهرة «التأييد والمبايعة» لبشّار الأسد في عام 2003 برفقة المفتي قباني وباسم السبع، وكنت أرقص بالشمعدان لمجرد سماع اسم حافظ الأسد أو ابنه. أنا مزيَّف ومزوَّر، وأنا متخصّص في اختراع بطولات لم أرتكبها قطّ. أين أنا من البطولة، وإن أجدت التملّق.

«لعيونك يا شيخ سعد». الترجمة لهذا الشعار هي: ولو يا شيخ سعد. حفنة من الدولارات، طال عمرك.

* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا

(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)

"عن الأخبار اللبنانية"

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص