مستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط/ الدكتور عماد فوزي شُعيبي

مستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط/ الدكتور عماد فوزي شُعيبي

     أعد مارتن إنديك مدير معهد سابان لسياسة الشرق الأوسط التابع لمعهد بروكينغز والطرف الرئيس في مفاوضات العرب وإسرائيل في التسعينيات والمرشح لنيل منصب وزير الخارجية في حال فوز رئيس (أو ـة) ديموقراطي ، دراسة لمستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط  بدت وكأنها رؤيته المقبلة كرئيس للديبلوماسية الأمريكية من موقع آخر مختلف نسبياً عن السياسة الأمريكية الحالية وعنوانها الأبرز "العودة لتوازن في الشرق الأوسط: إستراتيجية جديدة من أجل التعامل البنّاء". فالعنوان يشي بما وراءه؛ توازن في الشرق الأوسط من ناحية وتوجه نحو تعامل مع قضايا المنطقة بطريقة بناءة بمعنى يكاد يعلن أن التعامل السابق لم يكن بناءً.


تبدأ الدراسة بتقييم  إستراتيجية بوش الجديدة التي رسمتها الإدارة الأمريكية في كانون الثاني/ يناير2007، التي ترى أن المعركة في الشرق الأوسط  تتمحور بين قوى الخير (أمريكا والمعتدلين العرب) وقوى الشر (المتطرفين) من أجل بناء شرق أوسط موسع Broader . ويرى منذ البداية أن نقطة ضعف إستراتيجية بوش المذكورة  تتمثل في أنه لم "يقم باستشارة الأطراف الإقليمية الشرق أوسطية" التي اعتبرها حليفة له وأنها في نفس الخندق في معركته (المانوية) التي تقسم العالم بين خير وشر.بمعنى أنه انطلق من عقلية غير محايثة للأوضاع في المنطقة وهذا ما ذهب به نحو سياسة ضعيفة.


إلا أن ما دعي بالصراع السني - الشيعي،يحظى باهتمام إنديك باعتبار أن استراتيجية  بوش كانت تقوم على إبرازه والعمل عليه،إلا أن الباحث-الوزير المقبل يرى أن  وجود الحركات السنية المتطرفة والمعتدلة في الدول السنية ووجود الحركات الشيعية المتطرفة والمعتدلة في إيران والقوى الشيعية في المنطقة معاً وبدون استثناء،جعلت حسابات الصراع لم تمض كما تم التخطيط لها، لدى الإدارة الأمريكية لبوش منتهياً إلى أنه يمكن القول بأن سيرورة الصراع السني – الشيعي  قد آلت إلى الفشل.إذ لا توجد خطوط تفصل بين السنة والشيعة في القضايا والصراعات السياسية الرئيسة، حيث رغم الخلافات السنية – الشيعية في العراق، فإن حزب الله الشيعي يساعد حركة حماس، و إيران تساعد الحركات السنية أيضاً.


وهذا ما انعكس لاحقاً على طبيعة فاعلية الولايات المتحدة  التي راحت تقل بشكل كبير تدريجياً بخصوص السيطرة على الأوضاع الجارية ما بات يهدد بالقضاء على نفوذ وسيطرة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ورفع من وتيرة حجم المخاطر التي تهدد المصالح الأمريكية.


ولهذا يرى مارتن أنديك أن على أي رئيس مقبل في الولايات المتحدة الأمريكية أن يقوم بالاستراتيجيات التالية في منطقة الشرق الأوسط كي يضمن العودة إلى التأثير الجدي في تلك المنطقة الحيوية


1.     احتواء الحرب الأهلية-الطائفية في  العراق، لأنه قد يترتب عليها صراع إقليمي أكبر في المنطقة.


2.     تعزيز قوة المعتدلين العرب ليصبحوا قادرين على مواجهة الخطر الإيراني.


3.     منع إيران من الحصول على الأسلحة النووية، ولكنها إذا تمكنت من الحصول عليها فيجب وضع التدابير الاحترازية اللازمة والصارمة لردع إيران من استخدام هذه الأسلحة أو التمادي في محاولة فرض نفوذها على المنطقة. وهذه بحد ذاتها إشارة إلى أن التعامل مع إيران النووية سيكون من النوع الواقعي الذي شهدته الولايات المتحدة الأمريكية مع الصين وفرنسا في خمسينيات القرن الماضي.


4.     تطبيق قائمة الدعم  الاقتصادي والسياسي الطويلة المدى على النحو ما يؤدي إلى تزايد الاعتدال والقضاء على التطرف.


5.     إن ما هو مهم بالنسبة لأمريكا هو الارتباط مع المصالح عن طريق التوازن والانسجام مع الظروف الواقعية الموجودة في المنطقة، وليس عن طريق إقامة تصورات عن صراعات مذهبية ليست واقعية. وهذا ما يستدعي احتواء تأثير فوضى العراق على أن تستند الدبلوماسية الأمنية على إستراتيجية أمنية تهدف إلى توجيه مسار العملية الدبلوماسية باتجاه عدم السماح بتصاعد الصراع الداخلي العراقي، وامتداده إلى دول الجوار بما يؤدي إلى إشعال حرب إقليمية كبيرة.


يرى أنديك أن ثمة  فهماً عربياً –أمريكياً متباعداً نوعياً بخصوص قضايا المنطقة: فالفهم الأمريكي يقوم على فرضية إمكانية فصل المعتدلين العرب عن المتطرفين،لكنه يوضح أن ديناميكية حزب الله اللبناني في حرب الصيف الماضي أدت إلى رفع شعبية حسن نصر الله في العالم العربي وفي العالم ككل، ورفع شعبية الرئيس أحمدي نجاد داخل إيران، إضافة إلى أن أداء حزب الله في هذه الحرب أدى إلى إعادة إنتاج المفهوم القائل بأن المقاومة هي السبيل الوحيد الأكثر فعالية في المنطقة على النحو الذي أبطل تماماً مفعول قوة الردع الإسرائيلي والأمريكي.


إن آلية أداء حزب الله-وفقا لأنديك- أدت إلى إضعاف مواقف ما دعته إدارة بوش الاعتدال؛إذ أكد حزب الله إمكانية تحقيق النجاح عن طريق المقاومة ومن ثم أصبحت شعوب المعتدلين العرب أكثر ضغطاً على حكوماتها وزعمائها لكي يتخلوا عن رهاناتهم السابقة ويتبنوا خيار المقاومة. ما يعني أن التحول من خيار المراهنة على التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى خيار المقاومة سوف يترتب عليه تحوّل في إدراك المصالح فقد يصل العرب إلى نتيجة تقول  أن الإضرار بالمصالح الأمريكية في المنطقة عن طريق المقاومة ستكون نتائجه أفضل من التحالف مع أمريكا. وبالتالي سوف تكون مهمة الإدارات الأمريكية دعم حكومات المعتدلين العرب، ولكن، من الصعب الاستمرار في ذلك إذا كانت الأغلبية الشعبية على تناقض مع ذلك. بكلمات أخرى، هناك أجندة وأوضاع خاصة تحكم الشارع العربي والصراعات داخل البلدان العربية وعلى أمريكا أن تفهم خصوصية ذلك.


يطالب إنديك باستغلال ما يسميه الخلافات السورية – الإيرانية على اعتبار أنه يمكن خدمة المصالح الأمريكية باستخدام واقعي للخلافات السورية – الإيرانية،وأبرز تلك الخلافات يتمثل في دعوة القيادة السورية لمفاوضات السلام مع إسرائيل بينما لا تزال القيادة الإيرانية تدعو إلى تدمير إسرائيل.


وهذه الاستراتيجية تستدعي وفقا لإنديك التخلي عن فكرة تغيير النظام السوري. و العودة إلى سياسة توازن القوى.


هذا يستند إلى التحليل الآتي :إذ عبر الفترة الممتدة من عام 1991م إلى عام 2006م كانت الولايات المتحدة تعتمد على قوتها عبر حفظ مصالحها في المنطقة دون الاعتماد على نوع من توازن القوى كالذي كان سائداً بين إيران والعراق. بكلمات أخرى، فقد كانت صيغة توازن القوى السائدة تتمثل في الاحتواء المزدوج عبر دعم العراق علناً لاحتواء إيران و دعم إيران سراً لاحتواء العراق.
والآن، بعد أن فشلت إدارة بوش في تغيير خارطة المنطقة وإعادة تشكيلها وفقاً لتغيير الأنظمة فإن المصالح الأمريكية وموقف ومكانة أمريكا في المنطقة أصبحت تتأثر بثلاثة اعتبارات:


 القضاء على قوة العراق أدى إلى صعود قوة إيران. و تطبيق الديمقراطية الذي أدى إلى صعود حركة حماس في الأراضي الفلسطينية، والتيار الصدري الشيعي في العراق، وحزب الله الشيعي في لبنان، وإذا استمرت بتطبيق الديمقراطية فسوف تحدث المزيد من "النكبات" لأي إدارة أمريكية في المنطقة.


كما أن وقوف أمريكا إلى جانب إسرائيل في عملية سلام الشرق الأوسط قد أدى إلى صعود حركة حماس الإسلامية المعادية لأمريكا وإضعاف قوة حركة فتح العلمانية المؤيدة لأمريكا.


كما  تبين الدراسات الكلاسيكية أن استخدام القوة يضعف هيبتها ويفقدها ثلثي قيمتها يرى أنديك أن القوة العسكرية لها حدودها القصوى، فعندما انكشفت حدود القوة العسكرية الأمريكية في العراق والقوة الإسرائيلية (الأمريكية في الأصل) في جنوب لبنان، بات كثيرون في المنطقة لا يخافون من أمريكا ولا يحسبون لها حساباً، فالتمادي في حسابات القوة أضر بمصالح ومكانة أمريكا، ويتوجب اللجوء إلى الأجندة الدبلوماسية التي لا تقوم على مبدأ "إما أن تكونوا معنا أو ضدنا" وهو مبدأ أخلاقي (مانوي) إلى التعامل مع الجميع.


يستدعي هذا بناء تحالف شرق أوسطي معتدل: يجب أن تركز الولايات المتحدة الأمريكية  فيه على إعادة أسلوب توازن القوى في المنطقة، وذلك عن طريق بناء تحالف مضاد لتحالف إيران – سوريا – حزب الله – الشيعة العراقيون؛ بحيث يردع تحالف المعتدلين العرب إيران من مغبة المضي قدماً في تدخلها في العراق.والاندراج في  الدبلوماسية مع إيران في اتجاهين بحيث أن على أي إدارة مقبلة أن لا تنحصر المفاوضات فيما يتعلق بالملف النووي وإنما بالملفات الأخرى أيضاً كملف العراق وحزب الله وعملية السلام في الشرق الأوسط وغيرها. وبالتالي العودة للارتباط والمشاركة في الدبلوماسية العربية – الإسرائيلية: يتوجب على الإدارة الأمريكية أن تعود للتوسط في المفاوضات بين العرب والإسرائيليين بدلاً من عرقلة المفاوضات، وأن تعمل هذه الإدارة على إقناع الأطراف بأن المفاوضات سوف تؤدي بالضرورة إلى ما هو أفضل.


وأخطر ما يقترحه أنديك في دراسته أن على الولايات المتحدة الدخول في حوار إقليمي مع حلفائها في المنطقة ومع إسرائيل، للوصول إلى تطوير اتفاقات أمنية تعطي أمريكا الحق في نشر ترسانتها النووية في دول المنطقة لردع الخطر النووي الإيراني، وذلك لأن الضربات الاستباقية التي تنوي أمريكا وإسرائيل توجيهها ضد إيران سوف لن تمنع هذه الأخيرة من الحصول على الأسلحة النووية، وسوف تنجح هذه الضربات فقط في تأجيل حصول إيران على تلك الأسلحة. بمعنى أن صلب التحليل ومساره يتجه نحو هذه الغاية التي تعني موقعاً متقدماً لقاعدة نووية أمريكية من ناحية في الشرق الأوسط وتغطية التسلح النووي الإسرائيلي من ناحية ثانية. إذ ما المانع أن تكون القاعدة محض إسرائيلية نووية بالإعلان عن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي رسمياً واعتبار ذلك من مقتضيات الأمن القومي الأمريكي... والعالمي.


ومن أجل ربط كل ما سبق بعنوان أخلاقي لابد ووفقاً لما اعتادته الإستراتيجية الأمريكية منذ عهد روزفلت ربط كل ذلك بما يدغدغ الاعتبارات الوجدانية لدى الشعوب وذلك وهو الديمقراطية ، لكن ذلك لم يعد مطلوباً بنفس الجرعة الإيديولوجية إذ عليه أن يتجرع عذوبة الواقعية السياسية ؛ بعدم الضغط على الحكومات السنية المتحالفة مع أمريكا، طالما أنه يمكن أن تبقى في الحكم لقترة أطول وذلك لأن الديمقراطية يمكن أن تؤدي إلى صعود خصوم أمريكا في المنطقة. ولكن مع حث المعتدلين على ضرورة الإصلاح: لأن قمع المتطرفين لن يؤدي إلى القضاء عليهم، بل سيدفعهم إلى الانتقال من مكان إلى آخر وإلحاق المزيد من الأضرار. بمعنى أن القيام بالإصلاحات التي تتيح هامشاً محدوداً من الحرية لهؤلاء المتطرفين والمشفوع بترسيخ البدائل الإيديولوجية والمذهبية التي يمكن أن تؤدي إلى اعتدال العقول والتوجهات المتطرفة.على أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بوضع معايير الإصلاح ضمن معادلة  الشراكة بينها وبين دول المنطقة بحيث لا تتقدم الشراكة إلا بتقدم الإصلاح وذلك بما يحقق معادلة «لا مساعدات بلا إصلاح». و تقديم المساعدات اللازمة لذلك الإصلاح، إضافة إلى تقصيّ
رغبة -ما يدعوه الإسلاميين- في الاعتدال التي ستعود عليهم بالنفع.


هذا النموذج يعطي درسين: الأول أن زمن الإيديولوجية للمحافظين الجدد قد ولى والثاني أن تطبيق تقرير بيكر- هاميتون  ليس بعيدا من هذه الدراسة أي أنها قرار الأمة الأمريكية .


 

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص