عندما يحترق الوطن / نديم روحانا وأريج صباغ خوري*

عندما يحترق الوطن / نديم روحانا وأريج صباغ خوري*

اشتعال الكرمل والحالة الكولونياليّة
 
أثارت مشاهد الحريق الذي الْتهمَ جزءًا من جبال الكرمل، لأيّام متواصلة في أوائل هذا الشهر، وردودُ الفعل الإسرائيليّةُ والفلسطينيّةُ، أثارت مشاعرَ عميقة ومتداخلة بخصوص وعي الفلسطينيّ لعلاقته بوطنه، وعلاقته بالآخر الإسرائيليّ، ومشاعره حول علاقة الإسرائيليّ بهذا الوطن.
 
 وصلت النيران الملتهبة في جبال الكرمل إلى طبقات من الذاكرة الجماعيّة ما زالت جمرتها متّقدة، وكشفتْ جوانبَ من تعابير الحبّ والحميميّة للوطن ما زال الفلسطينيّ في وطنه يتجنّب المجاهرة بها في بعض الأحيان والمواقع، واستدعت تساؤلات مكبوتة عن ذلك الذي سلب الوطن وأراد مصادرة حبّ أهله له.
 
 كذلك أثار عنفوانُ النار، ووقوفُ إسرائيل عاجزة أمامها، وتعاطي المجتمع والإعلام الإسرائيليّ معها، أثار رمزيّةً لا تُخفى، اختلط فيها لدى الفلسطينيّ الحسُّ البديهيّ بواقع اللا معقول مع الفكر المتأنّيحول هذا الواقع.
 
الحريق والحالة الكولونياليّة
والوافدون-
بحّارة ومغتصبون
يزيلون الحواكير
ويدفنون الأشجار. يمنعوننا من إطالة النظر
إلى زهور البرقوق وعصا الراعي
ويحرّمون علينا لمْسَ البقول
والعِلْت والعكّوب.
طه محمّد علي (قصائد، 2006، ص 40)
 
لا يخطر في بال الإسرائيليّ أنّه عندما يحترق الكرمل يشعر الفلسطينيّ -ذاك الذي في وطنه وذلك الذي في المنفى- بأنّ جزءًا من وطنه يحترق. فالإسرائيليّ الذي صادر الوطنَ الفلسطينيَّ -بأرضه، ووديانه، وتلاله، وسهوله، وصحرائه، وأزهاره، وأشجاره- أراد كذلك مصادرة علاقة الفلسطينيّ بوطنه وتحريم حبّه له، حتّى يصبح الوطن له هو حصرًا -أرضًا وبيتًا ومعنىً وحبًّا.  
 
وفي العلاقة الكولونياليّة، فإنّ الإسرائيليّ الذي أشاع -وصدّق ما أشاع- أنّ الوطن له هو حصرًا، هذا الإسرائيليّ تعتريه حالة من الخوف إذا ما أبدى أبناء وبنات الوطن الأصليّون علاقة بوطنهم، وتعتريه حالة من الاستنفار إذا ما أبْدَوْا حُبًّا لوطنهم. أمّا الفلسطينيّ الواقع تحت الهيمنة الإسرائيليّة، فإنّه يقارع الكولونياليّ في الحيّز العامّ في القضايا السياسيّة، وفي حيّزه الخاصّ، فهو في حالة حبّ مع وطنه تبدو أحيانًا سرّيّة، وفي أغلب الأحيان لا يجاهر بها في الحيّز المشترك مع الإسرائيليّ الذي يَعتبرُ هذا الحبَّ تهديدًا له، أو اعتداءً عليه. لا مجال للحديث عن حبّ الوطن في الحيّز المشترك.
 
 يُشكّل هذا الحبّ تهديدًا للإسرائيليّ، إلاّ إذا نجح في "حفر الوعي الفلسطينيّ" بأنّ وطنه ضائع لن يعود، وأنّه أصبح مقيمًا في وطن الشعب اليهوديّ وفي دولة اليهود. عند ذاك، قد يصبح التعبير عن عشق الوطن تحرُّشًا أو اشتهاءً لمُقتنى غيرِك، أو في أحسن الأحوال تعبيرًا عن نوسطالجيا تجاه الوطن الذي ضاع، يتسامح معها الليبراليّ الذي "يتفهّم" ذلك كـَ "إحساس إنسانيّ".
 
يعبّر الفلسطينيّ عن علاقة حبّه لوطنه في حيّزه الخاصّ، في الفنّ والشعر والغناء والفولكلور والموسيقى. لكن مهما حاول أن يعبّر، فإنّ علاقة حبه بوطنه لا تصل إلى الكولونياليّ، أو تصل إلى الكولونياليّ كما يريد هذا الأخيرُ أن يراها. ويَعْلم أصحاب البلاد أنّ هذا الحبّ يخيف الإسرائيليَّ، وأنّ التعبير عنه هو "موقف متطرّف" ومهدِّد للإسرائيليّ. ولأنّ الكولونياليّ يرفض أن يرى هذا الحبّ -لأنّه يَعتبر نفسَه العاشقَ الوحيدَ-، فإنه يحمّل العربيّ مسؤوليّة إضرام النار، ويصبح الفلسطينيّ هو المتّهَم الطبيعيّ في كلّ نارٍ تُضرَم في طبيعة الوطن.
 
التهديد الذي يشعر به الكولونياليّ من حبّ الفلسطينيّ لوطنه يتحوّل إلى غضب إذا ما عبّر الفلسطينيّ عن حبّه بانتمائه إلى وطنه بأن يقول -على سبيل المثال- : "هذا وطني"، أو: "هذا الكرمل لي"، أو -كما قال محمود درويش في الجداريّة-: "هذا البحر لي... ولي ما كان لي". هكذا حدث حين طَرَد أحدُ أعرق الصحفيّين الإسرائيليّين بغضبٍ عضوَ برلمان عربيًّا في بثّ تلفزيونيّ حيّ ومباشر في كانون الأوّل عام 2009 من أستوديو التلفزيون الإسرائيليّ عندما ذكّر المذيعَ الذي أهانه بأنّ الأستوديو وجامعة تل أبيب التي يبثّ منها يقومان على أرض قرية "الشيخ مؤنس" العربيّة المهجَّرة والمدمَّرة، منبِّهًا إيّاه أنّه "لي ما كان لي".
 
 وصرخ مذيع مشهور آخر، في كانون الأوّل عام 2010، بعضو برلمان عربيّ آخر في بثّ حيّ ومباشر، عندما حاول عضو البرلمان الدفاع عن اتّهام العرب بإضرام الحرائق بقوله "الكرمل هو لي". ففي حين فضح المذيع الأوّل (حين فقد تماسُكَه) أنّ الإسرائيليّ يشعر أنّه "السيّد" أمام العربيّ، كشف المذيع الثاني أحدَ جوانب الحالة الكولونياليّة المستعصية: الهلع، وذلك حين صرخ: "قل إنّ الكرمل هو لي أنا أيضًا". ولكن لا يخطر في بال هذا المذيع "اليساريّ" أن يتحدّى حبّ اليهوديّ للكرمل ولا يطالبه بمشاركة الفلسطينيّ في ملكيّته.
 
وكشف الحريق عن جانب آخر من جوانب الحالة الكولونياليّة الخاصّة التي أنتجتها الصهيونيّة في فلسطين. وقد يكون للتعبير "السكّان غير اليهود في أرض إسرائيل" بُعْدٌ نفسيّ بعمق البعد السياسيّ. فإنّ هذا التعبير لا ينكر على الفلسطينيّ علاقته بالوطن فقط، ويحرّم عليه التعبير عن حبّه له وملكيّته عليه فقط، بل يستكثر عليه أن تكون علاقته بقريته ومحيطها علاقة وطنيّة أو علاقة أصيلة (authentic). فحين دأَبَ الإسرائيليّ على التدمير المنهجيّ للوجود الفلسطينيّ في الدولة التي أقامها على الوطن، وبنى على أنقاض القرى وفي المدن الفلسطينيّة بلدانًا ومدنًا تعبّر -شكلاً، وهندسةً "معماريّةً، وسكّانًا، وقوانينَ، وأسماءً، ومشهديّةً، وثقافةً- عن القيم الصهيونيّة والاستثنائيّة اليهوديّة التي يذكّرنا بها صباحًا وظهرًا ومساءً على نحو استحواذيّ، حينذاك لم يترك للفلسطينيّ من زاوية في الوطن يشعر فيها بالحميميّة إلاّ بيته وقريته ومحيطها الذي أُبقي له.
 
 وتصبح العلاقة مع القرية أو مع الحيّ العربيّ تعبيرًا عن علاقته بوطنه الحاضر الغائب في آن معًا. وبسبب الغربة التي أنتجها الواقع الاستعماري في سائر أجزاء الوطن، تشدّدت العلاقة المحلّـيّة -وإن كانت القرية قد تحوّلت إلى شبه غيتو-. وصارت العلاقة مع "البلد" هي أحد أنواع التعبير عن العلاقة مع الوطن والبيت والمكان الآمن. وصارت أقوى من علاقة المواطن ببلدته في ظروف عاديّة. فعلى سبيل المثال، حين يُسأل الفلسطينيّ المقيم خارج الوطن عمّا إذا كان سيسافر هذا الصيف، يقول: "نعم سأذهب إلى حيفا"، أو: "إلى الناصرة"، أو: "إلى أمّ الفحم"، ولا يقول: "سأسافر إلى إسرائيل"؛ وذلك أنّه في الواقع لا يسافر إليها -بسبب غربته منها وفيها-، ولا يسافر إلى فلسطين – لأنّها في غيابها انحصرت في بلدته.
 
كشف حريق الكرمل أنّ الكولونياليّ لا يقبل حتّى هذه العلاقة، وينكر على المستعمَر أن تكون له حتّى هذه الحميميّة ذات الجغرافيا المحدودة. فالكرمل -في عيون أبناء قرى الكرمل وبناته- هو جزء من مشهدهم اليوميّ وحياتهم اليوميّة، وهو –بعيدًا عن الفلسفة أو التنظير- جزء من هُويّتهم، يحيطهم من جميع الجهات، يتصبّحون به ويتمسّون به، يتنفّسونه، ويستدخلون نسيمه وألوانه وأعشابه وأشجاره، ويعتادون عنفوان شتائه وبهاء ربيعه ورقّة صيفه، ويعودون إليه كمأمن. كثيرون منهم يعرفون تضاريس مناطقه كما عرفها آباؤهم وأمّهاتهم، ويعبّرون عن حميميّتهم بإعطاء الأسماء الخاصّة للتلال والجبال والوديان والربى التي كانت "الزرّاعة"، وَ "باب الهوى" وَ "رأس النبع"، وأصبحت بقدرة مستعمر "غفعات آلون" وَ "هار شوكيد". ولولا أنّ غالبيّة سكّان عسفيا ودالية الكرمل (القريتين العربيّتين اللتين بقيتا على جبل الكرمل) هم من الدروز الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي وأذرعه الأمنيّة، لكانت أصابع الاتّهام ضدّ العرب من الكرمل بإضرام النار أشدّ وأقوى. ومع ذلك، لم يتردّد الإسرائيليّ في اتّهام العربيّ بإضرام النار، إلاّ أنّه أعاد صياغة التهمة للأسباب المذكورة. فحتّى لو خدم الدرزيّ في الجيش (وربّما لأنّه يخدم في الجيش) لا يُمنَح احترام أن تكون له علاقة أصيلة مع بلده، وكرمله وأحراجه، فهذه ليست إلاّ لليهوديّ –سواء أخدم في الجيش أم لم يخدم. إلاّ أنّ الخدمة في الجيش أدّت بالإسرائيليّ أن يستبدل تهمة إضرام النار من نوايا عدوانيّة تخريبيّة إلى إهمال صبيّ يبطن الحديث عنه ادّعاء مُفادُهُ أنّ الأصلانيّين العرب (والدروز - وفق خطاب المستعمِر) لا يقدرّون الطبيعة ولا يحترمونها.
 
حبّ سرّيّ أم حبّ منسيّ؟
 
مؤلمة هذه السرّيّة في العلاقة مع الوطن حين تحافظ عليها السلطة الفلسطينيّة عندما ترسل مركبات المطافئ التابعة للدفاع المدنيّ للمشاركة في إخماد الحريق. وجاء إرسال مركبات المطافئ الفلسطينيّة بعد التنسيق بين الجنرال الإسرائيليّ الذي ينسّق أعمال الحكومة في "مناطق الضفّة الغربيّة"، والوزير الفلسطينيّ المسؤول عن دائرة الشؤون المدنيّة في السلطة. وعُرضت مساهمة السلطة الوطنيّة على أنّها مساهمة في إخماد حريق في بلدٍ مجاورٍ.
 
وعبّر الكولونياليّ عن شكره لصاحب الوطن على المساندة في إخماد حريقٍ في الوطن. وطن مَن؟ وكان قد نُشر أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو قد قدّم امتنانه،هاتفيًّا، إلى الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس "لمشاركة فرق الدفاع المدنيّ الفلسطينيّ فيجهود إخماد النيران التي اندلعت في جبال الكرمل شمال إسرائيل".
 
 ونقلت وكالة "وفا" تأكيد الرئيس الفلسطينيّ، خلالالاتّصال الهاتفيّ بنتنياهو، أنّه في مثل هذه الظروف لن يتوانى الشعب الفلسطينيّعن تقديم مساعدات إنسانيّة. وردّنتنياهو على كلام عبّاس قائلاً إنّه "يجب أن يساعد الجيران بعضُهم بعضًا دائمًا".
 
ويحتاج هذا التبادل الدبلوماسيّ مقالة منفردة لتحليله وفهم معانيه. ولكن حَسْبُنا أن نلاحظ أنّه لم يخطر في بال الإسرائيليّ أنّ هذا الفلسطينيّ يساهم في إنقاذ وطنه وكرمله هو من الحريق. هل مَرَدُّ عدم فهم الإسرائيليّ إلى أنّ السلطة الفلسطينيّة عبّرت عن استعدادها للمساعدة "الإنسانيّة" في إخماد الحريق؟ أم هل يعود ذلك إلى أنّه لا يخطر في بال الإسرائيليّ -كما سبق لنا أن ذكرنا- أنّ الفلسطينيّ يحبّ وطنه؟ أم ربّما إنّ الإسرائيليّ يعلم أنّ السلطة لا تنظر إلى الكرمل على أنّه جزء من الوطن الفلسطينيّ؟ ولماذا لم تعبّر السلطة -وإن تلميحًا- عن القلق على الكرمل واحتراقه؟ هل لأنّ مثل هذا التلميح قد يثير عاصفة دبلوماسيّة، وبذلك يبقى الحبّ سرًّا لا تجوز المجاهرة به، أم لأنّه حُفر في وعي مسؤولي السلطة أنّ الكرمل أصبح جزءًا من "وطنٍ ضائعٍ لن يعود"؟ وأيّ الحالتين أكثر قسوةً؟
 
"عين حوض": النار توقد الذاكرة
 
بين أحراج الكرمل، وعلى سفوحه المطلّة مباشرة على المتوسّط، هناك بقيت قرية عربيّة اسمها "عين حوض". وعين حوض هُجّرت؛ مثلها في ذلك كمثل غالبيّة قرى الساحل والسفح الفلسطينيَّيْن، ولكنّها كانت القرية المهجَّرة الوحيدة التي  بقيت مثلما كانت. والقصّة الطويلة ملخَّصُها أنّ فنّانًا مرموقًا زارها سنة 1953، وأحَبَّ البيوتَ العربيّة، وطلب إقامة قرية للفنّانين فيها بدل هدمها، وذلك بغية تشجيع السياحة. وبينما جرى محو القرى الأخرى من الذاكرة بواسطة هدمها وإزالتها كلّيًّا عن وجه الأرض وزرع الأحراج والغابات فوقها، فإنّ محاولة محو عين حوض من ذاكرة مَن بقي كان عبْرَ تحويلها إلى قرية يهوديّة وإعطائها اسمًا مُعَبْرَنًا: "عين هود". واحتلّت بيوت القرية شريحة من المفترض أن تكون أكثر شرائح المجتمع حساسيّة، هي شريحة من الفنّانين. وعندما تزور قرية عين حوض، تستطيع أن تلمس جَمال القرية المتجسّد في بيوت الحجر العربيّة، وبهندستها المعماريّة التي شملت الحاكورة والشارع الضيّق، والشجريّة والشبابيك الطويلة. وعندما تدخل إلى البيت، لتسأل أصحابه الذين أتوا من جميع بقاع الأرض ليتمتّعوا بالقرية المسلوبة، عند ذاك ترى أنّ هناك أستوديوهات فنّيّة مُقامة في بيوت ذات سقوف عالية وبلاط جميل وعقود عربيّة تقليديّة، تتحدّث إليك بلغة مألوفة. ويعتريك العجب فتتساءل: كيف يتعامل هذا الفنان "الحسّاس" مع هذا الواقع؟! وحين تطرح عليه السؤال، يعطيك إجابة تعتمد الأكروباتيكا النفسيّة المعهودة التي أتقنها الكولونياليّ في سبيل الكذب على الذات والعيش مع الجريمة.
 
وكما هو معروف، إنّ مهجَّري قرية عين حوض تحوّلوا إلى لاجئين في أماكن مختلفة داخل الوطن وخارجه. بَيْدَ أنّ بعضًا منهم نجحوا في أن يبقوا في ضواحي بلدتهم، وتحوّلوا إلى مهجَّرين يسكنون قرية صغيرة أقاموا بيوتها بجانب قريتهم الأصليّة، اعترفت بها إسرائيل قبل سنوات قليلة، بعد صراع طويل مع السلطات، وسُمّيت "عين حوض الجديدة".
 
وعند وصول الحريق إلى بعض بيوت عين حوض "القديمة"، لم يكن هناك أيّ ذكْر في الإعلام الإسرائيليّ لتاريخ القرية الفلسطينيّ، ولا ذُكِر أنّ هذه البيوت هي في الواقع غنيمة من غنائم حرب عام 1948. وقد عُرض الحريق على أنّه حريق في قريتين، واحدة يهوديّة هي "عين هود"، وأخرى عربيّة هي "عين حوض". وأظهر الحريقُ وتعامُلُ المجتمع الإسرائيلي وإعلامه مع "عين هود" وَ "عين حوض" مدى نجاح المشروع الصهيونيّ في تغييب التاريخ الفلسطينيّ وكبْت الذاكرة لدى الأجيال الإسرائيليّة الجديدة. وأصبحت "عين هود" قرية يهوديّة دون طرح أيّ تساؤل. أمّا بالنسبة للعربيّ في عين حوض وخارجها، فقد أعاد الحريق بعضًا من زخم الذاكرة الفلسطينيّة. فبينما كانت "عين هود" مهدَّدة بالاحتراق، كان الخوف الفلسطينيّ أن تحترق القرية الفلسطينيّة المنكوبة المسلوبة، الباقية والضائعة. كان الخوف أن تضيع مرّة أخرى -وإنْ كان المقيمون فيها فنّانين يهود.
 
الرمزيّة في الحدث: الحريق ومستقبل إسرائيل
 
لم يكن من الغريب أن يتعامل المجتمع والدولة الإسرائيليّان مع الحريق بوصفه مشروعًا عسكريًّا؛ فقد سادت اللغة العسكريّة في تغطية الحدث، وكأنّها اللغة الوحيدة التي يُتقنها الإسرائيليّ. لذا، إنّ إطفاء الحريق تحوَّل إلى "الحرب على الحريق"، أو أصبح "الانتصار على الحريق". واستُخدمت المصطلحات العسكريّة في تغطية عمليّة الإطفاء، وكانت ذروة اللغة العسكريّة في تصريح أدلى به رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو جاء فيه: "إنّ الحرب على الحريق سوف تُحسم من الجوّ".
 
ويتبادر إلى الأذهان السؤال حول تركيز المجتمع الإسرائيليّ على الجاهزيّة العسكريّة؛ فهو -في المعتاد- يرى محيطَه من فوّهة البندقيّة، ويرى العالَم من منظور أمنيّ ويشدّد على القوّة بمفهومها التقليديّ الضيّق. وكانت نتيجة ذلك إهماله لمتطلّبات الحياة المدنيّة -كالبنى التحتيّة العصريّة- إذا لم ترتبط ارتباطًا عضويًّا بالعسكرة. وإذا تعاملنا مع الحريق باعتباره إشارة رمزيّة، فقصارى القول أنّ التعامل مع جميع القضايا من خلال التوجُّه العسكريّ سيؤدّي إلى الحريق.
 
لم تَخْفَ على الفلسطينيّ، ولا على الإسرائيليّ، الرمزيّةُ الحاضرةُ في هذا الحريق. ويتمثّل بعض من الرمزيّة في السؤال المركزيّ حول استطاعة إسرائيل الاستمرار في الوجود، وحول ما إذا كان مشروعها قابلاً للعيش إذا لم تستطع السيطرة على حريق -وإن كان كبيرًا-. وحين خرج الحريق عن سيطرتها، تذكّر المجتمع الإسرائيليّ ديناميكيّة خروج الأمور عن السيطرة التي برزت خلال الحرب على لبنان عام 2006، وبعد الحرب على غزّة عام 2009. فلدى الإسرائيليّ، في الفترة الأخيرة، شعور بالخطر الوجوديّ المُحْدِق.
 
 وفي الفترة الأخيرة كذلك، أُثيرت تساؤلات متكرّرة حول إمكانيّة عدم استمرار المشروع الصهيونيّ. ومن المثير للانتباه والاهتمام أنّ كثيرًا من مقالات الرأي التي تُنشر في الصحف العبريّة في السنوات الأخيرة تُفتتَح وتُختتَم بذكْر أنّ إسرائيل في حالة خطر وجوديّ. والوعي بهذه الحالة دخل بخطوات واثقة إلى الفكر الإسرائيليّ بعد الحرب على لبنان، وتعزّز بعد الحرب على غزّة، ولا سيّما بعد قضيّة الهجوم على الفلوتيلا التي كانت في طريقها إلى غزّة. وازدادت التخوّفات داخل إسرائيل حين طُرحت تساؤلات حول شرعيّة إسرائيل في العالم، وبعد الأزمة مع الولايات المتّحدة. وفَرضَ الحريق رمزيّته بقوّة مدهشة في الوعي العامّ. وبسبب هذه الرمزيّة، ارتبطت الأسئلة حول الحريق بأسئلة جوهريّة تتعلّق باستمراريّة وجود الدولة الإسرائيلية نفسها. فعلى سبيل المثال، أثيرت الأسئلة حول معنى عدم قدرة إسرائيل على "مواجهة" الحريق لوحدها. فإذا لم تستطع إسرائيل التعامل مع الحريق، فكيف ستستطيع التعامل مع التحدّيات الكبرى؟ واحتاجت إسرائيل إلى مساعدة دول عدّة لإخماد الحريق، وعلى رأسها روسيا والولايات المتّحدة. ويستدعي ذلك إلى الأذهان الحالةَ الخاصّةَ التي هي إسرائيل. فقد كان قيام إسرائيل بقرار دول أجنبيّة وتثبيت مشروعها بمساعدة دول أجنبيّة، وما زال بقاؤها نفسه مرهونًا بالدعم والتأييد الأجنبيّين الكثيفين.
 
ورغم أنّ الإسرائيليّ المتوسّط يرفض أن يرى مسؤوليّته في التسبّب في الصراع وفي استعمال العنف والاقتلاع وفي الحرب التي شنّتها إسرائيل ويرى أنّ العالم ضدّه، فقد يعلّمه الحريق أنّه لولا دعم العالم ومساعدته لكان من العسير على الدولة العسكريّة إخماد الحريق لوحدها -كما هو من الصعب الحفاظ على بقائها.
 
الحريق في الوطن وفي دولة إسرائيل
 
رؤية الفلسطينيّ للحريق هي رؤية مركّبة، وتعامله معه معقَّد. من ناحية، يتألّم الفلسطيني من احتراق الكرمل، وهو إحدى أجمل مناطق الوطن (ولذا صار أحد رموزه). ومن ناحية أخرى، يرغب الفلسطيني في أن تُكشف هشاشة إسرائيل، وفي أن يدرك الإسرائيليّون أنّ الخطاب والممارسات العسكريّة والأمنيّة والاعتماد على القوّة والعنف سوف تُفْضي إلى الهلاك.
 
ولا ينكر كثير من الفلسطينيّين متانة العلاقة التي أنتجتها إسرائيل بين الوطن واليهوديّ الإسرائيليّ. فعلى الرغم من قيام إسرائيل كمشروع كولونياليّ، فإنّها أنشأت علاقة بين الإسرائيليّين والوطن. ويؤدّي الوعي بوجود هذه العلاقة إلى ألم دائم بسب ظروف إنتاجها من خلال الطرد والعنف ضدّ السكّان الأصليّين. وصار التحدّي لدى الفلسطينيّ يتجلّى في أسئلة مركزيّة، منها -على سبيل المثال-: كيف يكون السبيل أن يعيش الفلسطينيّ -في الوطن وفي المنفى-، والإسرائيليّ في هذا الوطن؟ وكيف يجاهر للإسرائيليّ بحبّه للوطن ويقنعه أنّ هذا هو وطنه؟ ولكن من ناحية أخرى، كيف يقنع الفلسطينيّ، في سائر أجزاء الوطن وفي الشتات، أنّ هذا الكولونياليّ الذي احتلّ الوطن وسَلَبه قد طوّر علاقةً حقيقيّةً بوطننا رغم الألم المترتّب عن هذا الإدراك؟
 
احتراق الكرمل يعيد إلينا طبقات من الذاكرة، ويطرح على نحوٍ قويّ وضوحَ الحالة الكولونياليّة الإسرائيليّة، ويحفّزنا على أن نجاهر بحبّنا وألاّ نخاف المستعمِرَ. بَيْدَ أنّه، في الوقت نفسه، يحثّنا على التفكير في مستقبل يكون فيه لنا وللمستعمِر المتحرّر من كولونيّاليّته مكانٌ في هذا الوطن، بحيث لا يحترق الكرمل ولا يحترق الوطن.
 
 
*نشر هذا المقال في ملحق السفير "فلسطين" –العدد 8- 15 كانون الأول 2010
*نديم روحانا هو المدير العامّ لمركز مدى الكرمل -المركز العربيّ للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة.
**أريج صبّاغ خوري هي زميلة بحث في مدى الكرمل -المركز العربيّ للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة.