الانتفاضة الفلسطينية : كابوس العدو وورطته الكبيرة / خالد بركات

الانتفاضة الفلسطينية : كابوس العدو وورطته الكبيرة / خالد بركات

يعيش الكيان الصهيوني ورطة حقيقية في هذه الأيام، ذلك لأنه لا يريد أن يرى نفسه -ولو في أبشع كوابيسه- يدخل في مواجهة مباشرة مع انتفاضة فلسطينية جديدة، فهو لا يريد أن يبدو كجزء من حالة التغيير والثورة، وكنظام تسلطي يشبه كثيرا في سلوكه نظام القذافي ومبارك وبن علي وصالح وأمثالهم في المنطقة، سيما في ظل انتشار حُمّى الثورة العربية وعدوى الرفض وشعارات الإصلاح والتغيير وانتزاع الحقوق. وأحيل القارئ /ة العزيز /ة إلى الوثائق والمحاضرات التي صدرت عن ما يسمى بـ" مؤتمر هرتسليا" والمنعقد في منتصف كانون الثاني/يناير الماضي، إذ نلحظ بسهولة حالة التوتر -كي لا نقول الهلع- التي تشد أعصاب الكيان الصهيوني وخاصة مؤسسته الأمنية، خاصة وأن شبح الثورة المصرية كان حاضرا ويخيم في كل قاعات المؤتمر المذكور.
 
ورغم أن معظم المحاضرات في مؤتمر هرتسليا الأخير ركزت على ضرورة إنقاذ "صورة إسرائيل في العالم" بعد العدوان على غزة ومجزرة سفينة مرمرة التركية، وأشار المشاركون في المؤتمر إلى توصية مفادها: أن تلحق الدولة نفسها وتنقذ صورتها البشعة في العالم. ويمكن مشاهدة وقائع المؤتمر على اليوتيوب. رغم كل ذلك، إلا أن ثورات العرب كانت أيضا حاضرة وبقوة.
 
تتعمق ورطة "إسرائيل" أكثر حين تتأكد العلاقة بين الشعوب العربية ووجودها الحيّ وهي تنتصر وبين ثورة الفلسطينيين التي تولد تحت الرماد الآن. فالثورة العربية باتت تهيمن اليوم على المشهد الإعلامي والسياسي في الإقليم والعالم بوصفها ثورة الشعوب التي تسعى للتحرر من أنظمة التبعية والتوريث وهي ثورة ترفع شعار تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحماية الشعوب والثروات في أوطانها، وهي ثورة في مواجهة قوى وديكتاتوريات وعائلات لا تزال تعيش في زمن القرون الوسطى وقد تجازوها التاريخ منذ قرن. وفي هذه الأجواء يسأل العدو الصهيوني نفسه: ترى، ماذا لو انتفض الفلسطينيون اليوم وفعلوها كما حدث في العام 1987 وقالوا الشعب الفلسطيني يريد إنهاء الاحتلال وكنس الاستيطان وهدم الجدار الإسرائيلي العنصري؟
 
ونحن بدورنا نسأل: ألا يحق للشعب الفلسطيني أن يقول إن المفاوضات مع العدو الصهيوني لم توقف بناء شقة استيطانية واحدة، وهذا باعتراف كهنة أوسلو انفسهم. إن فشل المفاوضات هو الوجه الآخر لفشل السلطة.
 
يدرك الاحتلال الإسرائيلي أن الشعب الفلسطيني هو الطرف الوحيد القادر على قلب الطاولة على سلطة أوسلو وعلى تعميق أزمة الكيان الداخلية وإظهار وكشف حقيقته العنصرية وسياسته القائمة على الاقتلاع والتهجير والاستيطان وفرض نظام الأسرلة والأبارتهيد. وإذا كانت قرى صغيرة مثل بلعين ونعلين والعراقيب والمعصرة وغيرها قد صارت نماذج يومية للمقاومة الشعبية وللنضال ضد الجدار والعنصرية الإسرائيلية، وتحفر اسمها في ميادين الثورة والاحتجاج وبرامج حركة التضامن الدولي، فكيف إذا انطلقت شرارة الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الشاملة ضد الاحتلال والاستيطان؟
 
وحدها انتفاضة الشعب الفلسطيني وثورته من يستطيع تحويل المعادلة الراهنة إلى نقيضها، إذ تخلق "انقساما إسرائيليا داخليا" ووحدة وطنيه فلسطينية، تفرض حالة جديدة على العالم يضطر للتعامل معها حتى لو من قبيل احتواء آثارها وتداعياتها في منطقة تشتعل أصلا. وبدل أن تظل صنعة الانقسام حكرا على الفلسطينيين، لتتورط "إسرئيل" في حقيقة وجودها الاستيطاني وباعتبارها جزءا من معسكر الدكتاتوريات المتداعية ومن تركة الاستعمار البريطاني، إضافة لكونها دولة استيطانية.
 
الانتفاضة الفلسطينية الشعبية هي وحدها من يسقط خرافة ما يسمى بالدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وعليه فإن طاقات الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية يجب أن تصب في مواجهة مشروع الاستيطان وكنسه من الأرض الفلسطينية، بالنضال وبالإرادة الشعبية، لا بالتزلف وبيانات الإدانة وسياسة الحرَدْ!