العراق- 8 سنوات من الاحتلال والخراب والتهجير والتفكيك../ نواف الزرو

العراق- 8 سنوات من الاحتلال والخراب والتهجير والتفكيك../ نواف الزرو

المشهد العراقي اليوم مثخن بالجراح بلا حدود، وحجم ومساحة المحارق والمجازر المقترفة هناك على أيدي القوات الأمريكية ومرتزقتها يصل إلى مستوى هولوكوستي، فما جرى ويجري في عراق الرشيد لم يكتب في التاريخ، ولم تشهد له البشرية مثيلا، وإن كانت المعطيات الماثلة اليوم تشي بذلك، فإن ما هو مخفي يبقى أعظم وأخطر، فهناك الدمار الشامل للمدن والبلدات والبنى التحتية، وهناك الاختطاف والنهب الشامل للتاريخ والتراث والحضارة، وهناك الإبادة المنهجية للثروات العلمية العراقية، بل هناك ما هو أبعد وأبعد، هناك الإبادة الجماعية والتهجير الجماعي القسري لملايين العراقيين، وهناك التشويه الجيني المنهجي لملايين الاطفال والاجيال.
 
الشيخ المجاهد الحارث الضاري، الذي جاب العالمين العربي والإسلامي دونما كلل، شارحا حقائق المشهد العراقي، فاضحا قوات الغزو وعملاءها على جرائمهم بحق العراقييين، كان قدم شهادة خلال محاضرة له في مجمع النقابات الاردنية يوم/2010/3/22 من أبلغ الشهادات حول حجم ومساحة الجريمة الاحتلالية في العراق، إذ قال:"وقع العراق فريسة للاحتلال، ومنذ ذلك الوقت وهو يمر في دوامة، الكل يقتل الكل وينهب ويدمر ويعيث في أرض العراق فسادا.. سبع سنوات والعراق من سيء إلى أسوأ، ومن حلقة سوداء إلى حلقة اكثر سوادا.."، مضيفا: "فقد العراق أكثر من 1,5 مليون شهيد وأكثر من مليون معتقل دخل سجون العراق في ظل الحكومة الحالية ولم يخرج منهم الا العدد القليل.. فأين هم: هل انتقلوا إلى رحمة الله نتيجة التعذيب..؟!"، مردفا: "هناك جيش من الأرامل.. وملايين من اليتامى، وملايين من المهجرين خارج العراق.. وملايين أخرى من المهجرين داخل العراق في الخيام منذ أكثر من خمس سنوات... يفتقدون إلى كل مقومات الحياة في دولة هي من بين أغنى دول العالم..عشرات الآلاف يسكنون اليوم في بيوت من القش في جنوب ووسط العراق على النفايات.."، مشيرا إلى وجود "نحو 160 سجنا كبيرا وصغيرا"، مستخلصا: "هذا هو العراق الجديد الحر المثالي.. العراق الجريح القتيل المدمر المنهوب المسروق الذي تجري أنهار من دماء أبنائه يوميا.. إن الوضع أسوأ مما كان عليه في أي وقت مضى.. والأيام القادمة تحمل في طياتها أحداثا جساما..".
 
فهل هناك يا ترى شهادة أبلغ وأعمق وأشد وضوحا وتأثيرا من شهادة الشيخ المجاهد الضاري...؟
وفي الحصاد الدموي، فـ"بغداد ما زالت أكبر مركز لسفك الدماء على وجه الأرض وفي كل زمان- حسب مجلة" تايم"، و"االعراق يغرق بدماء المجازر المتنقلة"حسب تقرير آخر.
 
ولخص مواطنون عراقيون المشهد الدموي العراقي بـ: "إن الاحتلال الأمريكي لبلادهم نجح في تحقيق معجزتين هما: رافد ثالث يضاف الى دجلة والفرات ويحمل اسم "نهر الدم"، و"سور السيارات العظيم" الذي يمتد أمام محطات الوقود في بلد يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم".
 
وعلى نحو يتكامل مع المجزرة المفتوحة، تعرض الوطن العراقي منذ الاحتلال عام 2003 وما يزال، الى هجوم شامل واسع النطاق يهدف الى تدمير بنيته التحتية الاقتصادية و الاجتماعية والعلمية والثقافية... ومن أخطر عناوين هذا الهجوم التدميري ما يتعلق بعمليات اغتيال منهجية ضد صفوة العلماء والأكاديميين العراقيين، إذ يتضح من هويات العلماء أنهم من ذوي تخصصات متنوعة (علوم، طب، هندسة، زراعة، تاريخ، جغرافية، علوم دينية، واللغات)، فهناك في العراق "كلما كانت درجتك العلمية أكبر فأنت مستهدف أكثر، وإذا كنت أستاذاً جامعياً فإن حياتك على كف عفريت، أو كف ملثم يحمل بندقية".
 
وكتب الصحفي البريطاني المشهور روبرت فيسك في هذه الكارثة قائلا: "يشعر منتسبو الهيئات التدريسية في جامعات العراق بوجود مخطط لتجريد العراق من علمائه وأكاديمييه لاستكمال تدمير الهوية الثقافية للعراق في أعقاب احتلاله عام2003 ".
 
وقالت المصادر نقلا عن تقارير صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية "إن 74% من العلماء والأكاديميين تعرضوا للتصفية الجسدية بينما بقي حوالي 26% تحت وطأة التهديد المستمر ويحاول الكثير التغاضي عن تلك الاحصاءات والأرقام فيما تبادر جهات مسؤولة بتكذيب تلك الإحصاءات الصادرة عن جهات متخصصة".
 
وتشير تقديرات جامعة الأمم المتحدة إلى أن 84% من مؤسسات التعليم العالي قد حرقت أو نهبت أو دمرت، علماً بأن النظام التعليمي في العراق كان الأفضل في المنطقة، وأن أهم ثروات العراق كان المستوى التعليمي المتقدم لأبنائه.
 
فنحن هنا أمام عملية تدمير منهجي وتصفية منهجية لصفوة العلماء والمثقفين والمفكرين العراقيين في سياق حرب شيطانية تستهدف العلم والتعليم والثقافة والحضارة في العراق.
 
وفي السياق التدميري أيضا تأتي سياسات الاعتقالات والتهجير والتجهيل والتفقير المنهجية التي تستهدف إعادة الشعب العراقي إلى القرون الوسطى كما خططوا..
 
فعن معسكرات الاعتقال والتهجيرالجماعي في العراق، أكدت نقابة المحامين العراقيين وجود السجون السرية وقالت إن مئات الضباط الكبار والعلماء العراقيين ما زالوا محتجزين لدى القوات الأميركية منذ الغزو ولا يعرف أحد مصيرهم".
 
وقالت ممثلة اتحاد الأسرى والسجناء السياسيين العراقيين المحامية سحر الياسري من جهتها في حوار أجرته معها العرب اليوم الاردنية "إن عدد السجناء العراقيين يصل الى 400 ألف سجين منهم 6500 حدث و10 آلاف امرأة، تم اغتصاب 95% منهن"، مضيفة: "أن العراق سيصبح صاحب أكبر عدد ممكن من السجون والمعتقلات فعلاوة عن سجون الاحتلال، هناك سجون أخرى للحكومة العراقية ووزارة الداخلية ووزارة الدفاع ووزارة الأمن القومي والمخابرات وكذلك السجون الخاصة بالأحزاب السياسية، ولا شك أن هذه السجون تشهد أبشع الصور لانتهاكات حقوق الانسان والسجناء فيها دون أمر قضائي، ويقبعون فيها لمدد طويلة دون عرضهم على المحاكم".
 
ووفق الشهادات المختلفة، فإن العراق يعتبر عمليا أكبر معسكر اعتقال جماعي على وجه الكرة الأرضية .
 
الى ذلك، وفي مسألة التهجير الجماعي القسري للعراقيين، قال الكاتب العراقي عبد الواحد الجصاني في صحيفة "الخليج" إن التهجير القسري لخمسة ملايين عراقي هو من أكثر جرائم هذا الاحتلال البربري خسّة"، مضيفا "في البدء لا بد من تأكيد حقيقة أن التهجير القسري للعراقيين ليس ناتجا عرضيا غير مقصود من نتائج الاحتلال، بل هو جزء مركزي من مشروع الاحتلال الأمريكي الهادف الى نزع هوية العراق العربية وتقسيمه الى دويلات طوائف".
 
 
* تفشي الأمية في العراق
 
إلى كل ذلك، وبعد أن كان العراق أعلن عن القضاء على الأمية عام 1991، كشف مسؤولان عراقيان عن "تفشي الأمية في العراق"، واتفق كل من الناطق باسم وزارة التربية وليد حسن ورئيس لجنة التربية والتعليم في البرلمان علاء مكي في حديثين منفصلين للجزيرة نت على "أن الأمية خطر يهدد المجتمع العراقي".
 
وأكد الناطق الإعلامي لوزارة التربية وليد حسن "أن حجم الأمية في العراق يبلغ بحدود 25% إلى 30%، مشيرا إلى وجود إجراءات لمعالجة هذا الواقع".
 
وعزا حسن ظاهرة تفشي الأمية إلى جملة أسباب هي "الحروب وفترة الحصار السابقة إبان حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إضافة إلى الأوضاع الأمنية المتدهورة وتهجير ملايين العراقيين، ما دفع الكثير من أبناء العائلات الفقيرة إلى ترك الدراسة والبحث عن عمل لتوفير لقمة العيش، وهو السبب نفسه الذي تسبب بتسرب الآلاف من الأطفال من المدارس"، وأوضح "أن آخر تقديرات رصدت في الفترة بين 2008 و2009 تشير إلى وجود خمسة ملايين أمي في العراق أكثر من 60% إلى 65% منهم من النساء، وأكد أن تقديرات العام 2010 تفيد أن هذا العدد ازداد كثيرا وتجاوز سبعة ملايين".
 
وذكرت دراسة أكاديمية أعدها أستاذ في جامعة بابل" أن نحو عشرة ملايين عراقي يعانون الفقر، وهو ما يقارب ثلث سكان البلاد الذين تجاوز عددهم 32 مليون نسمة، حسب إحصاءات لوزارة التجارة العراقية، وأضافت الدراسة -التي أعدها أستاذ العلوم التربوية والنفسية بجامعة بابل الدكتور عبد السلام جودت، ونشرت تفاصيلها صحيفة الصباح العراقية "أن هذا العدد مرشح للارتفاع مستقبلا".
 
وعن الاعاقات والعاهات كذلك فحدث...!
فمن نتائج الغزو الأميركي للعراق أيضا منذ العام 2003 أنه أدى إلى "إصابة نحو ثلاثة ملايين عراقي حتى الآن بإعاقات مختلفة في وقت تواجه فيه الحكومة العراقية صعوبة بإعادة تأهيل هؤلاء الأشخاص وتقديم الخدمات الطبية لهم/رويترز/22/1/2010 ".
لتصبح أجيال العراق في المحرقة العراقية المفتوحة بلا سقف او حدود ...!
 
الى كل ذلك، قالت وزيرة حقوق الإنسان بالعراق وجدان ميخائيل لصحيفة الصباح العراقية "إن المحاكم العراقية أصدرت 12 ألف حكم بالإعدام في السنوات الخمس الماضية، وإن أغلبها نفّذ وفقا لتقرير لمنظمة العفو الدولية/ 21/07/2010 ".
 
وفي ضوء هذا المشهد العراقي كتب الكاتب الأميركي توم إنجلهارت قائلا: "إن العراق شهد العنف والفوضى في ظل الاحتلال الأجنبي وأثناء تواجد القوات الأميركية على أراضيه"، ودعا الكاتب إلى "الاعتراف بأن العراق غارق في الفوضى في الوقت الراهن وأن البلاد تحطمت واحترقت، وأن الأميركيين لم يفعلوا شيئا لإنقاذها بالرغم من إنفاق مليارات الدولارات بدعوى إعادة الإعمار، وأن الولايات المتحدة عجزت عن تلبية حتى الاحتياجات الأساسية للشعب العراقي في بعض الأنحاء الهامة من العراق مثل تزويده بالماء والكهرباء".
 
بل أبعد وأخطر من ذلك، فإن منهجية التدمير الشامل لبنية الدولة العراقية أسفرت حتى الآن عن حجم هائل ومروع من الدمار والإبادة الجماعية، ما "يحتاج الى قرون لمسح آثار الحرب"، كما أعلنت وزيرة البيئة العراقية السابقة في باب "أقوال مؤثورة" مع حمدي قنديل في برنامج قلم رصاص".
فما يجري هناك شاهدناه وتابعناه بالبث الحي والمباشر...!
قال الشعب العراقي كلمته الفاصلة وأسمع صوته للعالم كله..
 
ويبقى الأجدر والأشرف في هذا المشهد أن تقول الدول والشعوب العربية بدورها كلمتها.. وأن تتحمل مسؤولياتها القومية والتاريخية...!
وأن يقول المجتمع الدولي أيضا كلمته الصريحة في وجه جريمة وفضيحة العصر..؟!
ونتساءل في ضوء كل ذلك: أي عراق سيد ومستقل يبقى...؟!
نحن عمليا أمام عراق منزوع السيادة والاستقلال والحرية.. مثخن بالجراح الطائفية والمحصصات السياسية الفئوية..
يحتاج العراق للخروج من محنته وعتمته نحو فجر جديد حقيقي، إلى لملمة نفسه وقواه وطاقاته الوطنية والعروبية .. بعيدا عن الفتنة الطائفية الخبيثة التي لا تبقي ولا تذر...!