ملاحظات عن الأيام السورية/ جوان ريناوي

ملاحظات عن الأيام السورية/ جوان ريناوي

عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"

 ليس صحيحا أنّ سورية محكومة بنظام "طائفي أقلوي"، كما لا تعتمد الدولة في سوريا الطائفيةَ في العلاقة مع المواطن أوفي تعريف المواطنة كمفهوم، لكن استبداد النظام وتسلّطه وفساده واعتماده الكثيف على الزبانية والرّياء والقبضة الأمنية والنيبوتيزم؛ في بلد تتفاوت فيه التنمية بين المناطق بشكل حادّ وتتعدّد طوائف مجتمعه؛ يفرز الطائفية كمنتج "جانبي"، أو يفرز "الوعي الطائفي" -ولو بدرجات متفاوتة- كتحصيل حاصل تقريبا!

شيء عن الطائفية
 
لنتخيّلْ لحظةً، رئيسَ دولة مستبدّا، أو شقيقًا لرئيس الدولة في نظام لا يفصل بين الخاصّ والعام، معتاديْن أن يقصدا مسقط رأس أبيهما والأجداد (مجازا أو حرفيا) ساعييْن وراء الولاء السّهل وشباب محروم ومفقر، يُحمَّل بعض هؤلاء البنادق وتشجّعهم الطريقة على تخيّل أنفسهم "رجال الحاكم الخصوصيّين" وسيفه على "أعدائه" في الدّاخل والخارج، وفي الداخل عادةً. ولنتخيّل هؤلاء الشباب وهم يلقَّنون الخطاب الأيديولوجي للنّظام كديباجة جانبيّة مخفّفة، بل حتى هذه لا يتقنون تلاوتها تلاوةً صحيحة كما يظهرون في أعمال الكاتب "حكم البابا". ووقت الحاجة، يقوم الحاكم أو شقيقه شخصيا بإرسال هؤلاء الشّباب كي "يؤدّبوا" سكّان قرية أهلها من "طائفة مختلفة" فقيرة هي الأخرى، وليفعل "حراس الوطن" ما يفعلونه غالبا، وليرتكبوا كلّ الموبقات!
 
وبالطبع، سيكون من الترف أن يحتجّ مثقّف ما لأنّ المواطن القروي المتوسّط في تلك الحالة لم يتكبّد عناء القيام بتحليل أكاديمي لبنية النظام وعلاقاته بالمجتمع! أو لأنه لم يكن له موقفٌ أيديولوجي "طبقي" أو غيره. وإنّ أسهل ما سيراه هذا الإنسان أمام ناظريْه هو رجال أكثرهم من "طائفة أخرى" يغيرون على بلدته، يدوسون ويقترفون الفظائع. العار هو عار من أرسلهم و استزلمهم في الأصل. بل على الوجه النّقيض، حريّ بكلّ المثقّفين الوطنيّين المتوجّسين من استعار الطائفيّة أن ينحنوا إجلالاً للجماهير وللقوى الشّعبية التي أفلحت بالموقف الوطني والذّكاء الفطري مع قلّة الأدوات والوكلاء في إنتاج سلوك وشعاراتٍ متقدّمة على الطائفيّة رغم الواقع الرّديء. ولعلّ الناس يدركون بالفراسة والتّجربة والمقارنة أنّ هذه لعبة الأنظمة وبطاقاتها "الرابحة" وأنّ عليهم مواجهتها. لقد بات لزامًا اليوم على جميع المثقفين المتبنّين للموقف الديمقراطي والانتماء الوطني والعربي، أن يشجّعوا هذا الاتجاه من الحراك الشعبي وعزل نقيضه، لا أن يساهموا في طمسه وتهميشه، أو أن يشاركوا عن قصد أو عن انكفاء وسلبية في لعبة خلط الحابل بالنابل. مثلما يساهم آخرون أيضا (أو الجهات نفسها) في طمس حقيقة شعبية الحراك السوري وأصالته عن طريق سيل عارم من التفاصيل، التي قد يكون بعضها القليل "صحيحا" ومنشورا ومعلوما، لكنه منزوع السّياق وملفّق بشكل فجّ، وأكثرُها كذبٌ صريح و"أسرار" مختلقة ووقائع متسلسلة كالسيناريوهات البوليسية الرديئة، والحقيقة أنّ مردّديها هم "أعظم" من "فضح" الطبيعة غير الأخلاقية لسياسات الإمبراطوريات الخارجية. ويسعى هؤلاء غالبا إلى اللعب على وتر الخوف الأصيل عند كلّ الوطنيّين حيال ما قد يجري في سورية. لكن، لا يمكن للمرء أن يكون وطنيًّا ديمقراطيًّا حقًّا ويتوجّس من خيارات الناس حدّ تفضيل المستبدّين الدّمويّين والفاسدين، بل و"البراغماتيّين" المتصالحين مع "استقرار إسرائيل"، كما شهدنا بأمّ العين حتى وهم يواجهون انتفاضة شعبيّة. إن لم ينحز الوطنيّون للديمقراطية الآن، فمتى؟
 
شيء عن المعارضة والنيبوتيزم والمؤامرات
 
مثلما على أصحاب المواقف القومية والديمقراطية أن يحتضنوا ويدعموا العناصر والجوانب المضيئة في الحراك السوري العظيم (وسأسمح لنفسي باستخدام هذا الوصف) فعلى عاتقهم وعاتقنا وعاتق كلّ الوطنيين تقع مسؤولية التّحذير من السّماح للدول الكبرى أو للفاسدين المنشقّين المنتمين إلى بنية الاستبداد عيْنها -كخدام مثلاً- من اختراق صفوف الحراك. ومنع "فصائل عائلية منشقّة" تنتمي إلى نفس البنية العائليّة الفاسدة والمفسدة للنظام - كفرع الأسرة في ماربيا- من الظهور مجدّدًا على هيئة "معارضين"! وقد شهد السوريّون في السابق صراعًا دار بين الإخوة الحكّام، وعليهم أن يراقبوا اليوم صراعًا يدور بين أبناء الإخوة على "الحقّ في امتلاك البلد"، ولا ندري ماذا يفترض بهم أن يفعلوا وفق هذا التّسلسل لو استمر، ولن يستمر، بعد جيل أو جيلين؟ فإذا رغب أفرادُ الأسرة في أن "يتكاتفوا" أو "يتخاصموا"، فليفعلوا هذا خارجَ الدّولة وخارج الحيّز العام.
 
سيكون الخطاب المعادي للأجندات الأميركيّة وعزل من يرتبط بها إجراءً مهمّا يوفّر ظروفا مواتية لجذب أكبر عددٍ ممكن من المثقّفين و القوى الوطنيّة إلى الحراك الشّعبي لإثرائه ولجعل النّقلة أكثر سلاسةً، بالشّراكة مع النّظام أو دونه، لكن ليس لأنّ قلّة رقيقة من النيوليبراليّين المعارضين سيكونون قادرين على قيادة سورية مستقبلاً نحو التّحالف مع إسرائيل على سبيل المثال، فهؤلاء سيظلّون أقليّةً أيديولوجيّة هامشيّة في كلّ سياق سوري، ويبقى المهم هو طبيعة النظام المستقبلي إذا كان منتخبًا كما يفترض، والعمل على بناء المواطنة والمعنى الوطني الشّامل والدّيمقراطي الليبرالي للانتخابات ولمفهوم الأغلبيّة والأقليّة، وبناء بقيّة عناصر الدّولة الوطنيّة وبعدها العربي، وهنا يكمن التحدّي.
 
لعلّ الحراك السّوري لم ينتج حتّى الساعة معارضةً وطنيّة منظّمة وواضحة على الأرض نتيجة لطبيعة تسلّط النظام بالدرجة الأولى ولطبيعة قمعه وكعلامة على شعبيّة التحرّك لا العكس، مثلما يظهر "الإعلام البديل" في الإنترنت أيضا تلك الحالة الجماهيريّة. ولا تزال أكثر المصادر حول ما يجري في سورية من هذا النّوع الإعلامي تحديدًا لا من الوكالات ولا من الإعلام المحترف، "مهنيا" كان أو "مغرضا"، وهنا تُتاح للمتلقّي فرصة فرز ما هو أصيل وما هو مدسوس و ما هو ذو صلةٍ وما ليس ذا صلة، كما حدث مثلا مع شريط قرية البيضا والرّدود عليه ودلالاته الكثيرة. ضمن هذه الصّورة، فإنّ لدى الشعب السوري ما يكفي من الطّاقات القيادية الوطنية القابلة للبروز لو فُسح المجال أمامها، وسيفسح تدريجيًّا، عدا عن وجود قيادات وشخصيّاتٍ وطنية قديمة في أوساط المعارضة في الداخل والخارج. ولو كان النّظام صادقًا لبدأ الحوار معهم بهدف إعادة بناء السّلطة في البلد ونقْله نحو الديمقراطيّة وفق أجل محدّد وبرنامج مُعلَن! لن يفعل النّظامُ السوري هذا كما يبدو إلاّ تحت الضّغط القاهر، ومن المهمّ أن يكون الخطاب ودوره في تصميم الوعي خطابًا ديمقراطيًّا وطنيًّا وقوميًّا عربيًّا، لا لبس فيه، ومنْحازا لفلسطين. أمّا إذا نجح النّظام في لملمة أوراقه وتحمّل الضّغط المعتدل فسيحتويه. ليست لدى "رئيس الجمهوريّة" وشقيقه وصهره وبقيّة الأسياد والتّحالف المستأثر بالعوائد أيّ نيّة للإصلاح. هم سيبتلعون "الحنظل" أخيرا، مضطرّين.
 
شيء عن استغلال السلطة
 
يحدث أن تزداد الرّيبة الأمنية في ظلّ التهديد الخارجي، ولا يبرّر حتى هذا الدّوس على حقوق الناس وكراماتهم. أمّا استغلال التسلّط كحزمة متكاملة تغدق الامتيازات والعطايا على أفراد بعينهم فهو أمر آخر. وإن كان ما يشبه تلك الحالة قد حصل أيضًا في الدّول الصناعيّة الحديثة المحكومة بدكتاتوريات أيديولوجية شمولية، لكنها امتيازات منظّمة تمنح للنّخب الحزبية والأمنية بما في ذلك توسيع قدرتها على ارتكاب التجاوزات، فيما تحوّلت تلك الإمكانيات في الأنظمة المتخلّفة بسهولة مروّعة إلى نوع من التجاوز المسموح به عرفيّا خارج منطق الدّولة (بل "قبل منطقها")، والمحفوظ كأمر مفروغ منه لأقارب الحاكم وأصهاره قبل الجميع، وكحظوة طبقة قائمة بين الرّئيس والأجهزة، وكذراعه الضّاربة، وكتجاوزات حتّى على "القانون الجنائي" مزهوّة بذلك ومحميّة من المتابعة. ومثال ذلك "التهريب برعاية المختار" كما صوّره الراحل الماغوط قبل أربعة عقود! وما لبثت هذه الامتيازات أن تحوّلت مع "جيل الإصلاح" إلى نوع من تنظيم احتكار خصخصة الريع وخصخصة الفساد واحتكار سحق البقايا الواهية للرّعاية الاجتماعيّة والخدمات العامّة. لم يكن التهديد الخارجي سببًا أعاق "مكافحة الفساد" في سورية بالمعنى المباشر للسببيّة، أو بمعنى أنّه صرف الجهود باتّجاهه وترك الفساد يتشعّب، بل نجح النظام في تمرير فساد أهمّ رجالاته (والأسرة في "الطليعة")كأنه إصلاح وحَماهُ من المحاسبة، تحت ستار الخطر الأميركي حتى لو كان هذا فعليًّا، وهو كذلك لا شكّ. وباتت "عادات" الحكّام وخصائص استبدادهم وخصائص التركيبة الحاكمة عثرات أمام أيّ إصلاح.
لم يكن ممكنًا في التجربة الدكتاتورية الشّمولية السوفييتية على سبيل المثال تخيّل أشقّاء سكرتير الحزب تفرز لهم بصفتهم تلك فرقة "خاصة" من الجيش على الرغم من حالة الاستنفار الأمني! بالضّبط كما لا يمكننا اليوم تخيّل حملة صفات "أبناء الخالات" و"الأخوال" وهم يتحدّثون للصحافة الأميركية باسم "الصّين الشعبية" رغم "التّغيير" الذي تشهده البلاد!
 
عن "المؤامرات" و"المؤامرات اللبنانية"
 
لا تتورّع الإمبراطوريات عن انتهاج سياسات ميكيافيلية هدّامة تجاه المجتمعات الأخرى، لكنها في نطاقها القومي لا ترتكب ذلك! ولم تساهمْ سورية في إعادة إنتاج الطّائفية السياسية في لبنان بعد انتهاء الحرب الأهليّة عن سوء نيّة، ولم يكن ذلك بمنطق "الدول الإمبرياليّة" ولا بمنطق الدّول أساساً! بل لأنّ النظام اللبناني المهلهل وقوانينه الانتخابيّة العجيبة كفتها ذلك وكانت الطريق الأقصر لإحكام نمط بدائي من السّيطرة بدلاً عن التّحالف! صحيح أنها راهنت على القوى المناهضة للمشروع الإسرائيلي على الجبهة الأماميّة، لكن علاقتها اليوميّة الطويلة بسياسة لبنان الداخليّة بعد الحرب وخلالها لم تخدم "القضايا القوميّة" بالطريقة نفسها.
 
ولقد كان من شأن تحالف فساد نظام اتّفاق الطائف اللبناني إبان التّسعينيات وأمراء المليشيات والطّوائف مع فساد النظام السوري، أن أثمر سنواتٍ من الغنائم والاستئثار بحكم بلدين ومنظومة علاقاتهما، وبإقصاء بعض أهم الوطنيّين والمقاومين المخضرمين لإسرائيل ممَّن لم يمتلكوا سندًا طائفيًّا في الترتيب الجديد، أو قدرًا كافيًا من الانتهازيّة يؤهّلهم للانخراط في منظومة قائمة على الانحراف و الفوائد والعوائد، ومن "اقتصاد الكسارات" والمصارف والاحتكارات والترانزيت وصولاً إلى العمولات والتّبييض والتهريب. ثم بدأ بعضُ الفاسدين اللبنانيّين ينقلبون على النظام السوري تدريجيًّا حتى عاد قسمٌ منهم إلى قواعده سالمًا غير غانم (سالما من بذاءة النّظام ،أقلها)! وبين هذا وذاك لم يتغيّر النظام السوري وأنماط سلوكه المتخلّفة إلاّ نحو الأسوأ. ولا ضير في التّنويه مرة أخرى، أنّ طبيعة هؤلاء هي أقرب إلى عالم النّظام منها إلى عالمِ طالبِي الكرامة والحريّة في سورية! وهو الأمر الذي تَعِيه شريحةٌ لا يُستهان بها من القيادات الشّعبية برأيي! وحتّى الساعة فإنّ أكثر الأطراف أهليّةً وكفاءةً لإحداث "الفوضى" في البلاد هو النظام نفسه وطريقة سلوكه في المستقبل المنظور، لا هذا الزّعيم اللبناني ولا ذاك الأمير السّعودي حتى لو رغبوا! ولو بحكم تشعّب هذا النظام داخل المجتمع والبلد وتسلّطه أربعين سنة ونوعيّة "أخلاقياته" في التّعاطي مع المجتمع ! بل لعلّ أكبر "المؤامرات" التي قد نشهد إرهاصاتِها في هذا السّياق هي المحاولات الحثيثة للالتفاف والتّواطؤ بشتّى الوسائل على الحراك الشّعبي نفسه!! أمّا على الضفّة الثانية، فإنّ أكثر الجهات أهليّةً واستحقاقًا لمواجهة المنزلقات، إنْ نحو الطائفيّة أو الاختراقات الأخرى ( وإن كانت أقلّ أهمية) هو الشّعب ذاته وقواه التي ستزداد تنظيمًا كلّما استنتج النّظام أنه لم يعد قادرًا على الحكم، بل المواجهة مع الانتفاضة، بالأدوات القديمة. ويبقى الحفاظُ على جذوة النّضال مشتعلةً وخلاّقة، العاملَ الأهمّ في تلك الجدليّة.
 
شيء عن "نوايا النظام"
 
لا تستقيم الرّغبةُ الصادقة في الإصلاح مع نظام تسلّطي يصرّ حتى في هذا أن يحتكر الرئيس صفة "عميد المصلحين"! كما لا تستقيم المكابرة ولا الإصرار الاستحواذي على ما يسمَّى بـ "الطابع المطلبي" للحراك الشّعبي، مهما كانت الدّوافع، إلاّ مع الطبيعة التسلّطية للنظام نفسه وتحويل حقوق الناس في أوطانهم التي ولدوا فيها، بعضهم قبل أن يولد الرّئيس نفسه، إلى هِبة يتعطّف فيها "سيد الوطن" -كما يسمّى- على رعاياه حتى لو "لم يطلبوها". ولا يجدي التّلاعب بالألفاظ هنا نفعًا، فكلّ "عمليّة إصلاحيّة" لا تكفل الحقّ بالاعتراض على وجهة نظر الرّئيس نفسه، لا يمكن إلاّ أن تجعلها علاقة "مكرمات رئاسيّة" ورعايا.
كلّ "منْح للثقة" لا يُتيح مجالاً لحجْبها هو مبايعة بالإكراه، وكلّ "مسيرة إصلاح" لا يسمح فيها بما هو أكثر من "تأييد إصلاحات الرئيس" كما يراها "صوابا" هي مسيرة التفافيّة وخاوية ومعادية للإصلاح.
 
من شأن أيّ إصلاحات ديمقراطيّة حقيقيّة في سورية أن تفضي خلال مدّة وجيزة إلى تحويل الرّئيس قبل غيره، و تحويل عائلته الصغيرة والموسّعة إلى "مواطنين سوريّين" مكرّمين بالمواطنة كغيرهم ومجرّدين من كافّة امتيازاتهم الخارقة كأسياد على البشر والحجر، وهي الظاهرة التي عكست سابقًا جانبًا من ضعف النفس البشريّة والنزوع للاستمتاع بما لا يحدّه حد! كما من شأن الإصلاح أن يحوّل المواطنين الذين يعاملون الآن كحشود مهمّتها الهتاف والالتفاف حول الزّعيم والوفاء (له) أو تلقّي الرّصاص إلى مواطنين أحرار في وطنهم. ويفترض أن تتحوّل الظّاهرة الشاذّة لشقيق رئيس يحظى بقوّات "خاصّة" وفرقة "جمهورية" إلى ذكرى مدانة من الماضي! وهي الظّاهرة التي نكاد لا نعرف لها شبيهًا في العالم!
 
حول الإعلام والإصلاح
 
إذا كان النّظام السوري يكفل "الحقّ" للمحسوبين عليه بـ"انتقاد" عدم كفاءة الإعلام الرّسمي في "فضح المؤامرة الخارجية" ومواجهة "كذبة" أنّ هناك انتفاضة في البلاد ، مُرجعين ذلك إلى طابعه "المحافظ والرتيب" وكأنّ "الإعلام" ظاهرة قائمة بقوة ذاتها فقط؛ فإنّ لدى النظام كذلك إعلامًا "خاصّا" جديدًا بعيدًا كلَّ البعد عن "الرّتابة" و"المحافظة"، على مستوى الشّكل على الأقلّ، حيث يتفوّق في الإثارة والبذاءة بل و "الماكارثية" على أسوأ صحف التابلويد وشقيقاتها التلفزيونية في العالم إلى درجة استعداده لنشر "فضائح جنسيّة" مزعومة لخصومه حتّى لو كانوا فتيات قاصرات! مع الفارق الذي يفصل هذا "الإعلام الديناميكي" طبعًا عن كلّ مظاهر التسليع والاستعراض المشهدي الذي يميّز الاقتصاديات الرأسماليّة الحديثة، في أنّ "التحديث السوري" يجري تحت وطأة التسلّط الأمني والفساد والنيبوتيزم، "احتكار الفساد" و"احتكار الخصخصة" بلا حسيب ولا رقيب! ولعلّ بعض القنوات التلفزيونية الجديدة هي التّعبير الأصدق والأكثر صخبًا عن طبيعة "الإصلاح" الذي عرفته سورية خلال العقد الماضي 
 
حول "العمق" اللبناني، في الإعلام مثلا
 
إذا لم يكن الإعلام الرّسمي السوري والخاصّ كافييْن لسدّ حاجة النظام لمراوغة الحراك الشعبي فإنه وجد في "النصف اللبناني" المحسوب عليه متنفّسا إضافيًّا يهتف له أو يسدّ ثغراته بل ويلاحق منتقديه! وفي بلد "خاصّ جدا" مثل لبنان، حيث لا تلبث كلّ الانقسامات السّياسية أن تلبس لبوس المعسكراتِ العصبيّة، فإنّ بعض الصحفيّين الوطنيّين اليساريّين الذين حاولوا الاحتفاظ بنوع من النّقد والنقديّة تجاه سلوك النظام السوري قد واجهوا قبل غيرهم وابلاً من التّخوين والتجريح الشّخصي والملاحقة المكارثية! وفي بلدٍ يجعل نظامه عيشة الأفراد الرّاغبين في الحياة تحت سقف قومي أو وطني عيشة شاقّة، فإنّ هذا النّوع من الملاحقة كان الأصعب بالنسبة إلى الوطنيّين النقديّين تحديدًا والمنحازين تاريخيًّا للقضايا القوميّة! وهو ما يفسّر جزئيًّا ارتباك بعضهم أمام "القصف". وقد خلص أحد هؤلاء منذ مطلع الشّهر (مايو) إلى أنّ ما يجري في سورية هو "حرب أهليّة" نافيًا عنه صفة الانتفاضة الشّعبية ومخفّفًا على ذاته عبء الانحياز لها. وكان يبدو في هذا كمن يستبق الأحداث ويطلق نبوءة قد تحقّق ذاتها لا قدّر الله! وهي تطوّرات خطيرة، إن حصلت فلن تكون إلاّ مرتبطة بسلوك النّظام نفسه قبل أيّ جهة! لكن حتّى الساعة لا شيء يشبه الحرب الأهليّة في سورية، لا قوّات نظاميّة وفصيل مسلّح، ولا عدّة فصائل حتى تقتتل، هناك حراكٌ شعبي حقيقي فيه رجالٌ ونساء ومراهقون، منتشر في كلّ محافظات الجمهورية التي لا يجمعها إلاّ وحدة الحال تحت الظلم والوحدة الوطنية، ولا تزال الجموع في حمص وبانياس والحسكة والقامشلي تهتف باسم درعا ولا تزال بلدات حوران تهتف لكل الوطن! عنف السلطة من جهة و شعب أعزل من جهة ثانية! إلى حدّ استحالة التوقيع حتى على بيان ورقي في العاصمة من دون التعرّض للتّرهيب! ويحاول البعض نفْي حدوث ظاهرة شعبيّة أصيلة في سورية عن طريق ما يشبه "الاستقراء الملفّق (وهو ليس حتى استقراءً) بأنّ الشعوب لا تخرج ضدّ ظلم الحكّام في الأنظمة الممانعة!! هكذا بكلّ بساطة!
تصغر أمام حراك الشّعب السوري كلّ المظاهر المسلّحة وردود الفعل الطائفيّة الحقيقيّة أو الملفّقة! والمفارقة هي أنّ تلك المظاهر لو كانت مصدرا للتهديد الفِعْلي لنظام عقليّته كعقليّة النظام السوري لأحاطها بالتكتّم والتّعتيم والإنكار والتقليل من خطورتها، بالضّبط كما يحدث كلّ يوم مع انتفاضة الجماهير، لكن العكس هو الصّحيح!
 
عن إيران و المقاومة والتكيف
 
تبدو المقاومة اللبنانيّة في هذا الظّرف كطرف بلغ "ذروة الإتقان" في "التكيّف التخصّصي الضيّق"، لو جازت الاستعارات من حقل البيولوجيا التطوّرية (على سبيل المجاز فقط)، أو "التكيّف المفرط"، مع بيئة إقليميّة محدّدة ومحور ساكن بعينه إلى درجة الهيستيريا حيال أيّ تغيير قد يطرأ. على الأقلّ هذا هو الانطباع الذي يولّده الظّاهر من سلوك المقاومة اللبنانية عندما طرق الامتحان أبوابها، وكأنّ شرط استمراريّة حزب مثل حزب الله مثلا، هو بقاء المنظومة العربية على حالها، والتّصارع مع نخب والتحالف مع نخب وبقاء الحزب ظاهرة استثنائيّة وسط واقع بائس! لا بل إنه يبدو مرتبطًا حتى بتيار محدّد داخل الساحة الإيرانية نفسها، مع غياب الضّمانة ألاّ تحمل الأيّام تغييرا في سياسات إيران الخارجيّة وهي دولة حقيقيّة ذات مجتمع غنيّ وحيّ! أثبت الحزب في الماضي ديناميكية في مخاطبة الرّأي العام العربي، و نتيجة لعامل اللّغة وعوامل أخرى فإنّ هذا الجمهور بقي جمهوره الأقرب حتّى عند مقارنته بالرّأي العام الإيراني نفسه.
لكن ردّ حزب الله على الحراك السوري عاد فلفت الانتباه إلى سلّم أولويّاته وعلاقاته التي ربطها بنخب حاكمة قبل أيّ شيء! ورغم ضرورة ألاّ تخطئ النّداءات الشعبيّة السورية هدفَها الوطني الديمقراطي المحلّي في هذه الأثناء وعدم إقحام أيّ جهة في السّجال مع النظام، لا إيران ولا حزب الله، فإنّ المقاومة اللبنانية تجازف في هذا السّياق بالظهور بمظهر القوّة المعادية للتطوّر الديمقراطي والمتحالفة مع الاستبداد والفساد، وهو ما قد تكون له إسقاطات في المستقبل المنظور ويصعِّب إنتاج ثقافة ديمقراطيّة وطنية حتّى في سورية، وحتّى لو كان الحزب ربّما يحاول إقناع النّظام السوري بالاستجابة لمطالب الناس وراء الكواليس! إذا كان من شأن الثّورات أن تحدث تغييرًا في المنظومة الإقليمية، فسيكون أحد أهمّها تشكّل "محور" عربي عريض متناقض مع الصّهيونية ومتصدّر للمواجهة معها كما كان يصحّ دوما، ومتحالف ككتلة مع بقيّة الدول الإقليمية التي تشترك مع العرب في الكثير، كإيران وتركيا، لكن من دون علاقة انفراديّة ومستقلّة بين نظام حاكم بعينه وبين دولة كإيران! وقد شهد القوميّون العرب بأسىً حال العراق وهو يتمزّق بين تخاذل "محور الاعتدال العربي" وانسحاقه أمام كلّ الإدارات الأميركية، وعجز نظام حكم كالنّظام السوري عن التأثير في السّياسات التفتيتية التي طبقتها إيران، ربما لأنها الدولة الوحيدة التي تحمل التّسمية عن استحقاق في محور دمشق طهران. لن نعدم من بين العرب، خصوصًا المقيمين في إيران، من هلّل للضّربة التي تلقّتها الاستراتيجية الخارجية الأميركية لحظة سقوط مبارك، وما لبثوا أن عادوا فأكّدوا أنّ كلّ الثورات لم تكن إلاّ "أنشودة أميركية" تمّ الترتيب لها مسبقًا! وهذا النّمط من الكلام خطير على عدّة مستويات، مثلا لأنه انتهازي وينشر ثقافة غيبيّة، ولا يعوّل إلاّ على النّخب المعادية للديمقراطية لتلقفه، وكذا على تعزيز غرائز الخوف ونشر الإحباط عند الناس. و يشعّ بعض المتكلّمين مرارة وهم يرسمون تصوّرهم "الجيوستراتيجي" لمنظومة إقليميّة مستقبلية قد يجري "تفويتها" لو تغيّر النّظام السّوري. وتلْقي هذه النوعيّات من "الجيوستراتيجيّين" نظرة على الخارطة من فوق ويرون "فرصًا"، ولا يروْن بشرًا، ولا يأملون في مصر الجديدة إلاّ احتمال تغيير سياستها الخارجيّة، وأن تصبح حلقة من حلقات مشروع موجود في رأسهم، أو شبكة تحالفات ممكنة فحسب، قل "شبكة إنجازات" (في مخيّلتهم على الأقلّ) تشمل سورية وتركيا و"عراق المالكي" باعتباره "إنجازا" هو الآخر، وتشمل "الجمهورية الإسلامية في إيران" بطبيعة الحال (وهي بالمناسبة تسمّي نفسها رسميًّا "جمهورية إيران الإسلاميّة")! وإلاّ فبئس الثّورات والثوّار وبئس إرادات الشّعوب! أمّا "الجمهوريّة الإسلاميّة"، ولأنها دولة وطنيّة فعلا، فستظهر قدرًا أعظم من البراغماتية من كلّ هؤلاء واستعدادًا لتغيير خطابها، حتّى حيال ما يجري في سورية، كلّما شعرت أنّ هذا ما تطلبه مصلحتها.