نكبة... نكسة... فنهضة!../ زهير أندراوس

نكبة... نكسة... فنهضة!../ زهير أندراوس

من نافل القول إنّ دولة الاحتلال تحاول، منذ أنْ تمّ زرعها في منطقة الشرق الأوسط من قبل الاستعمار البريطانيّ، تزوير التاريخ، لا بل إعادة كتابته معتمدةً على نفي الآخر (أرض بدون شعب لشعب بدون أرض) في تسويق روايتها الكاذبة للمجتمعات الغربيّة تحديدًا، ولكن في الفترة الأخيرة، بات صنّاع القرار في تل أبيب، يُقّرون في جلسات مغلقة، بأنّ ما يُطلق عليه اسم المجتمع الدوليّ، بدأ يُشكك كثيرًا في مصداقية إسرائيل، ولا يكاد يمر يومًا دون أنْ يُحذر الإعلام العبريّ من الزلزال السياسيّ الذي سيعصف بالدولة العبريّة مع اقتراب شهر أيلول (سبتمبر) القادم، وهو الموعد المتوقع لإعلان الدولة الفلسطينيّة في الأمم المتحدّة، ومع أننّا نرفض هذا التوجه، إعلان الدولة، لأنّه يخدم في نهاية المطاف المصالح الإستراتيجيّة لتل أبيب وواشنطن، باعتباره القضيّة الفلسطينيّة وليدة نكسة العام 1967، وليس نكبة العام 1948، إلاّ أننّا نرى لزامًا على أنفسنا توضيح بعض النقاط، دون الولوج في ترهات تقسيم المقسّم، وتجزئة المجزأ وتدوير المربّع.
 
***
 
كفلسطينيين، نعيش في موطننا وليس في دولتنا، يمكننا الجزم بأنّه على الرغم من عدم وجود إستراتيجيّة فلسطينيّة واحدة وموحدّة، تجمع كل الأطياف والألوان في المجتمع، إلاّ أننّا لا يمكننا التغاضي عن أنّ قضيّة حقّ العودة عادت وبقوةٍ لتتصدّر الأجندة العالميّة، كما أنّ أحداث هذا الأسبوع أكدّت بشكلٍ حازمٍ وقاطعٍ على أنّ قلّة قليلة من أبناء شعبنا في سوريّة، تمكنوا بصدورهم العارية، وعزائمهم القويّة، وإيمانهم بعدالة قضيتهم، من تعليم الإسرائيليين درسًا ممتازًا في التاريخ، فجأة وبدون سابق إنذار بدأ "الشعب الساكن في صهيون" يعرف تعبير النكسة، ويحفظ عن ظهر قلب مصطلح النكبة، ناهيك عن أنّ الإعلام الغربيّ نقل بالصوت وبالصورة المواجهات بين الجيش الأكثر "أخلاقيّة" في العالم وبين مئات المتظاهرين العزّل، نقل أيضًا كيف قام هذا الجيش، وهو أعتى جيش في الشرق الأوسط، بقتل أكثر من ثلاثين لاجئًا، لا لسبب إلاّ لأنّهم اقتربوا من ما يُسمى صهيونيًا: الحدود السوريّة الإسرائيليّة.
 
 لا نعرف عن هذه الحدود إلاّ من خلال رزمة الأكاذيب التي تُخرجها الحركة الصهيونيّة وتُنفذها صنيعتها الدولة العبريّة، فإذا كان الإسرائيليّ يعتقد أنّ هؤلاء اللاجئين قدموا إلى الحدود فهو على خطأ، فهذه الحدود هي مصطنعة، وتمّ رسمها بعد عدوان الخامس من حزيران (يونيو) من العام 1967، لقد احتلتها إسرائيل، وسنّت قانونًا في الكنيست بضمّها إليها، ولكن بالمقابل، نسى هذا الصهيونيّ أوْ ذاك الاستعماريّ، أنّ هذا القانون لا يُساوي الحبر المكتوب عليه، فحتى الولايات المتحدّة الأمريكيّة، الحليف الإستراتيجيّ لإسرائيل، لا تعترف بقانون ضمّ الجولان، بناءً على ذلك، نقولها وبصوتٍ عالٍ: إنّ إسرائيل بقتلها المتظاهرين السلميين في هضبة الجولان السوريّة المحتلّة، إنمّا ترتكب مخالفتين قانونيتين: فهي بادي ذي بدء، تتواجد في منطقةٍ لا تملكها، والثانيّة، أنّها تقوم بقتل مدنيين عزّل بدمٍ باردٍ.
 
 ونحن إذ ننحني إجلالاً وإكبارًا لهؤلاء الشهداء الذين عطّر دمهم الزكي تراب الوطن الغالي، نتوقع من المجتمع الدوليّ أنْ يستيقظ عاجلاً أمْ أجلاً ويشجب ويدين إسرائيل على جرائمها المتكررة ضدّ المدنيين، وهذا السيناريو أصبح قريبًا، ذلك أنّ العدوان البربريّ على غزة، والذي زعمت فيه إسرائيل أنّها تدافع من خلاله عن مواطنيها من صواريخ المقاومة الفلسطينيّة أفرز تقرير غولدستون، الذي أحرج وأربك قادة تل أبيب. أمّا على الجزء المحرر من الهضبة السوريّة فلا توجد في حقائب إسرائيل أمتعة وحجج واهية لتسويقها: منذ العام 1973 لم تُطلق رصاصة واحدة من الجولان، والمظاهرات التي تُنظم هناك هي سلميّة مائة بالمائة، وبالتالي فإنّ إسرائيل، ربّما، تُحضّر لنفسها مباراة غير متكافئة بدأتها بعدة أهداف ذاتيّة، ولن يشفع لها شيئًا، لأنّ المجتمع الدوليّ، ونقصد هنا الشعوب الغربيّة، وليس الأنظمة الحاكمة، على الرغم من نفاقه، لن يتحمّل بعد اليوم قتل مدنيين من قبل احتلال غير شرعيّ، لأنّه فقد صبره من إسرائيل المارقة، التي باتت عبئًا إستراتيجيًا على أمريكا، بعد أنْ كانت ذخرًا، كما قال رئيس الموساد السابق، مئير دغان، ولا نورد هذا التصريح لنجزم قائلين من فمك أُدينك.
 
***
 
وما ينسحب على الجولان المحتل يُطبق تمامًا على مدينة القدس التي احتلتها إسرائيل في السابع من حزيران (يونيو) من العام 1967، وفي هذا السياق أيضًا تجنّد الكنيست الإسرائيليّ وأقرّ قانونًا بتوحيد القدس الغربيّة مع القدس الشرقيّة المحتلّة، وما زال رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، يؤمن بأنّ هذه الكذبة البدعة ما زالت تنطلي على العالم، للتاريخ نُسجّل أنّ ما يُطلق عليها القدس الموحدّة غير معترف بها من أيّ دولة في العالم، حتى سفارة واشنطن مستقرّة في تل أبيب، لأنّ الولايات المتحدّة الأمريكيّة، لا تعترف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، وعليه، فإنّ محاولة الإعلام العبريّ تصوير الفلسطينيين، الذين يحاولون بوسائل سلميّة اجتياز حاجز قلنديا العسكريّ، بأنّهم ثلة من المخلّين بالأمن والنظام العام، ما هو إلا ذر للرماد في العيون: فالقدس الشرقيّة، هي أرض محتلة، ومن حق، لا بل من واجب كلّ عربيّ فلسطينيّ الدخول إليها.
 
***
 
الصليبيون والإسرائيليون هم الوحيدون الذين منعوا المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك، فهنيئًا لكم يا حكّام إسرائيل بأنّكم من أمثال الصليبيين، وأيضًا في هذه القضيّة، مهما أقنعتم أنفسكم ومهما كذبتم وصدّقتم كذبكم، الصورة تساوي ألف كلمة: لا يوجد إنسان على وجه هذه البسيطة، يفهم أوْ يتفهم كيف يقوم الجيش المدجج بالأسلحة بقمع المدنيين وقتلهم، مَنْ منحكم الحق في أنْ تهاجموا النظام السوريّ لأنّه يرتكب المجازر بحق شعبه؟ كيف جنّدتم هذه الوقاحة؟ ومن أين استقيتم هذه الصلافة؟ وأنتم الذين ارتكبتم المجازر منذ دير ياسين وقبية وصبرا وشاتيلا وقانا وحتى اليوم؟ أجساد العرب والفلسطينيين ما زالت تنزف دمًا، ورفات الشهداء الذين ارتقوا هما أكبر دليل على مجازركم الوحشيّة، وفوق كلّ ذلك، تتغنون بالديمقراطيّة وتتشدّقون بالحريّة، ودينكم، الذي نحترمه كباقي الديانات السماويّة، أكدّ على أنّ الأمّة لا يمكنها أنْ تكون حرّة، إذا كانت مسيطرة على أمّة أخرى؟
 
***
 
الدولة العبريّة برفضها السلام وتبنيها خيار الحرب والعدوان على العرب ماضية من حيث تدري أوْ لا تدري إلى العزلة الدوليّة، وعندما يقول وزير الأمن، إيهود باراك، إننّا نتوقع تسونامي سياسيّ مع اقتراب شهر أيلول، نميل إلى تصديقه، ولو مرّة واحدة، سبتمبر سيكون يا سيّد باراك، أسود من الأسود، إذ أنّه لا يُعقل أنّ يكون العالم برمته على خطأ وأنتم، فقط أنتم على صواب!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018