حول سوريا والواجب الاخلاقي../ نمر سلطاني

حول سوريا والواجب الاخلاقي../ نمر سلطاني

' كاتب فلسطيني ومرشح للدكتوراه في كلية الحقوق في هارفارد

لا يملك المرء إلا أن يشعر بالفخر الشديد ببسالة المتظاهرين السوريين وهم يتحدون المزيد من القمع بالمزيد من الإصرار والتضحية وبازدياد رقعة المظاهرات لتشمل الكثير من أنحاء الوطن السوري من درعا إلى حلب إلى حماة إلى حمص إلى اللاذقية إلى بعض أحياء دمشق إلى دير الزور وغيرها. هذه الانتفاضة التي وصفتها "لجان التنسيق المحلية" في بيانها الصادر في 23 حزيران بمناسبة مرور مئة يوم على انطلاقتها بـ"ثورتنا من أجل الحرية والكرامة والمواطنة". ومع تواصل التحدي الشعبي لنظام الاستبداد يزداد الامل بأن هذا النظام سيزول آجلا أم عاجلا وأن ما سيحلّ مكانه سيكون أفضل منه.
 
لكن لماذا نجد هذا الانقسام في الآراء تجاه ما يحدث في سوريا بشكل لم نعهده إبّان الانتفاضة المصرية ومن قبلها التونسية؟ خاصة وأن النظام السوري لم يشذ كثيرا عن الوسائل والأساليب التي استعملها النظامان التونسي والمصري قبله في مواجهة الازمة التي تعصف به وارتكب من الصلف والغرور ما ارتكباه. فقد قال، مثلما قالوا، إن المعارضين قلة. وقال، مثلما قالوا، إنهم مندسون ومتآمرون. واختار، مثلما اختاروا، الحل الأمني بدل الحوار والإصلاح (وإن توفرت له العوامل التي لم تتوفر لهما كتركيبة المجتمع والجيش المختلفة مما سهل تنفيذ الحل الأمني).
 
طبعا لا أعني هنا انقسام الشارع السوري نفسه. فمن الطبيعي أن يكون للنظام داعموه من المقربين والمستفيدين والمنافقين. ومن الطبيعي أن يكون هناك بعض الخائفين أو اللامبالين، ولو إلى حين. لقد شاهدنا ذلك كله في تونس ومصر. فقد دعم الكثيرون منا الانتفاضتين رغم معرفتنا اليقينة أن المنتفضين قلة، ورغم أنهم زادوا مع الأيام عندما بان ضعف الديكتاتوريين إلا إنهم كانوا في محصلة الأمر بعض الشعب لا كله. كما كان للنظام مناصروه حتى لحظة السقوط المدوي. ولم يغيّر ذلك من دعمنا للانتفاضات ولا أملنا بنجاحها. ذلك أن عدد المتظاهرين ومناطق انطلاقهم لم يكن في أية لحظة سببا لدعمها، وبالتأكيد ليس سببا مركزيا، على الأقل بالنسبة لي وللكثيرين. وبالتالي فإن إشارة النظام السوري ومناصريه إلى هذا العامل، حتى لو افترضنا صحة ما يقولون، هو غير ذي صلة ولا علاقة له بالموضوع. ومن سخرية الأقدار وتناقضاتها الصارخة أن يشير المستبد إلى رغبة الشعب ببقائه بعد أن نفى هذه الإرادة وكبتها لمدة عقود وأنتج أجيالا من الخانعين واللامسيّسين.
 
إن سبب دعم المتظاهرين هو أخلاقي بالدرجة الاولى ولا علاقة له بموازين القوة أو بالحسابات العددية. سبب دعمنا لهم هو عدالة قضيتهم وإنسانية مطالبهم إذ يطلبون التحرر من نير الطغيان وقد سئموا الحجج الباهتة والمجترة لتبرير عبوديتهم، فقد تغيّرت المسميات والعبودية واحدة.
 
قد يكون السبب في الانقسام في الآراء هو درجة الانغلاق الأعلى في سوريا (ففي مصر كانت هناك درجة أعلى من الحرية الصحفية وبعض التعددية الحزبية، ولو الواهية، وتواجد أكبر لوسائل الإعلام الخارجية) وبالتالي القدرة على التعتيم، وبالتالي المساحة الأكبر للتضليل. وقد يكون السبب هو أن التفرقة بين الأنظمة في وعي الكثيرين من العرب تكون بناءً على مواقفها وسياساتها الخارجية لا سياساتها الداخلية (وبالتالي مدى ديمقراطيتها) خاصة أن هذا الوعي لم يجرّب الديمقراطية كثيرا، وبدا أن مطالبة الأنظمة بالديمقراطية أمر تعجيزي وخارق للمألوف، على الأقل حتى جاءت انتفاضة الشعوب العربية الأخيرة.
 
بالإضافة إلى هذه الأسباب، سأدّعي فيما يلي أن بالامكان قراءة بعض ردود الفعل المؤيدة للنظام السوري على أنها مجموعة تمثيلات خطابية مترابطة ومتكاملة يمكن تقسيمها بشكل تحليلي إلى ثلاثة أنواع سأسميها مجازا: العقل التبسيطي والعقل الاتكالي والعقل التبريري.
 
العقل التبسيطي:
 
العقل التبسيطي (أو التسطيحي)، وربما بشكل مفاجئ، يعيد صياغة المقولات التي نشرها جورج بوش الابن وكوندوليسا رايس والإسرائيليون. فقد قسّم هؤلاء الشرق الاوسط إلى متطرفين ومعتدلين. وإذا كان مصدر هذا التبسيط للعالم يرى في خانة "المتطرفين" سبّة فإن بعض معارضي السياسة الأمريكية-الإسرائيلية يقّدمون صورة مرآة لهذه النظرة. وبالتالي فهم يعيدون إنتاج هذه النظرة التسطيحية، ولكن مع تغيير طفيف للمسميات: "ممانعة". ومثلما حظي بالدعم والود الأمريكي الذين "فازوا" بلقب الاعتدال، يطالبنا الآن مؤيدو النظام السوري في أزمته بأن نختار بين دعم النظام الممانع، على سيئاته التي قد يعترفون ببعضها، وبين محور "الشر".
 
طبعا أنا لا أنفي الحاجة في الكثير من الأحيان للتبسيط لأن العالم شديد التشابك والتركيب. لكن مثل هذه التسطيحات لا تتوافق تماما مع الواقع وأحيانا في أمور جوهرية لا يمكن التغاضي عنها عند اتخاذ موقف أخلاقي. فعلى سبيل المثال، كان النظام الممانع جزءا من الحرب الأولى على العراق وبعث الجنود السوريين ليحاربوا الشق الآخر من حزب البعث جنبا إلى جنب مع الجنود المصريين (وهم من محور الاعتدال غير الممانع) ومع الجنود الأمريكيين (وهم الذين، فرضيا، يمانع ضدهم النظام الممانع). كما أن النظام الممانع تعاون مخابراتيا مع الحرب الأمريكية ضد الإرهاب بعد أيلول 2001. كما أن الفرق بين الممانع السوري والمعتدل المصري لم يكن كبيرا عندما كان الأمر يتعلق بأمن الحدود الإسرائيلية في الجولان وسيناء. ويبدو أن سماح النظام السوري للمتظاهرين في 15 أيار بالوصول إلى الحدود إشارة واضحة من النظام السوري لإسرائيل بأن عدم الاستقرار السوري سيفضي إلى عواقب وخيمة حتى لإسرائيل. وكان رامي مخلوف قد ذكر ذلك صراحة في مقابلته مع أنتوني شديد في النيويورك تايمز بتاريخ 10 أيار. مما يذّكرنا بتصريحات مشابهة للقذافي.
 
خذ مثالا آخر نظاما ممانعا آخر يدعم النظام السوري هو النظام الايراني. ففي كتابه "التحالف المخادع" يوثق الباحث الأمريكي من أصل إيراني تريتا بارسي العلاقة بين إيران وإسرائيل بعد الثورة الخمينية. فرغم التصريحات الصحفية والخطابات النارية المتبادلة دأب نظام الخميني وإسرائيل على حدّ سواء على المحافظة على علاقات استخبارية وعسكرية متواصلة حتى التسعينيات. فعلى وجه الخصوص خرقت إسرائيل بالسر والعلن الحظر الأمريكي على تزويد إيران بالسلاح إبان الحرب العراقية-الإيرانية. ورغم أن هذه الصورة قد تغيّرت بعض الأمر، على حدّ ما نعلم، لأسباب جيو-سياسية متعددة، فإن ذلك يشير إلى أن الايديولوجية المعلنة التي يتبناها نظام ما، إن كان إسرائيل أو ايران أو غيرهما، لا تفسر تماما أو دائما تصرفاته على أرض الواقع. فإذا ارتأت الدول أن مصالحها تتوافق مع أعدائها الأيديولوجيين المفترضين فإن ذلك لا يمنع بالضرورة التعاون بينها، على الأقل في الخفاء.
 
العقل الاتكالي:
 
يبدو أن الكثيرين يتعاملون مع الموقف الأخلاقي على أنه موضع تفويض وتوكيل لا أمر يحتاج إلى تفكير نقديّ وخيار ذاتيّ مبنيّ على أسس أخلاقية متينة (فمثلا إذا خطب السيد حسن نصرالله مؤيدا النظام السوري كانت تلك نهاية عملية التفكير، وإذا قالت وسيلة إعلامية ما نحبها شيئا فلا شك أن تلك هي الحقيقة المطلقة). وبذلك فإنهم يتعاملون مع الأخلاق بمنطق الرعية الدينية التي تنتظر السلطة الدينية لكي ترشدها وتقرّر لها موقفها لا من أمور الدين فحسب بل من أمور الدنيا أيضًا.
 
في حين يتعامل كثيرون أخر مع الموضوع على أنه معادلة نفي بسيطة كأنما كانت مجرد معادلة حسابية بسيطة وكفى الله المؤمنين شر التفكير (فإذا قالت أمريكا إنها تميل إلى جانب ما أو ظننا أنها تميل إلى ذلك الجانب قررنا أننا لا بد أن نقف في الموقف المعاكس، وإذا وطدّ عزمي بشارة علاقته بسوريا انتقد كارهوه سوريا (في حين أحبها محبوه)، وإذا انتقد بشارة سوريا دافعوا عنها).
 
لكن البوصلة الأخلاقية في نهاية المطاف ليست خارجية لعقل وضمير كل فرد بحيث يتمّ إسقاطها على أطراف خارجية تقوم وظيفيا بدور المقاول في الأخلاق.
 
وعلينا هنا توضيح نقطة بالغة الأهمية: بالإمكان اتخاذ موقف صحيح لدوافع خاطئة (كأن تمتنع عن السرقة والكذب بسبب خوف الفضيحة وإمكانية الإمساك بك متلبسا لا لأن الأمانة والصدق هما الموقف الصحيح). فحتى لو اتفقنا أن للجزيرة دوافعها في تغطيتها للأحداث، وأن هذه الدوافع سيئة (لأنها مثلا غير متناسقة مع تغطيتها ودوافعها في حالات أخرى كالبحرين) فإن هذا لا يعني أن دعمها للانتفاضة السورية خاطئ لأن المحصلة هي دعم المتظاهرين ضد الاستبداد.
 
ومن الجهة الأخرى، العكس صحيح أيضا: بالإمكان اتخاذ موقف خاطئ لدوافع صحيحة. حتى لو كانت دوافع حزب الله في دعم النظام السوري صحيحة (حماية المقاومة) فهذا لا ينفي أن الموقف قد يكون خاطئا لأنه في نهاية المطاف دعم للاستبداد أو لأنه تغليب للعامل التكتيكي واللوجستي على الأمد القصير (ما يستفيده الحزب الآن من النظام) بدلا من العامل الاستراتيجي على الأمد البعيد (كيف من الممكن أن تتغير الصورة الجيو-سياسية في المنطقة لو كانت الدول العربية ديمقراطية).
 
العقل التبريري:
 
ما يتبع العقل التبسيطي والاتكالي هو المطالبة بخيارات واضحة والحسم رغم تعقيدات الواقع وتناقضات الخطاب ووهنه. والحسم المطلوب هنا، في رأيهم، هو دعم النظام السوري في أزمته. طبعا لا مشكلة على المستوى المجرد من الحاجة للحسم في السياسة والأخلاق خاصة أن السياسة والأخلاق تتطلب أحيانا القيام باتخاذ قرارات في ظروف من الضبابية وضيق الوقت ونقص الصورة الكاملة. وليس من الضرورة أن يكون هذا الخيار عقليا، أي أن العقل قد لا يكون مرشدا عند وجود قيم متناقضة. هذا موقف له خلفية فلسفية مرموقة تمتد من كيركغراد ونيتشة وماكس فيبر وكارل شميت وجان بول سارتر إلى غيرهم. ولكن المشكلة في هذه الحالة العينية هي، أولا، أنّ الخيار المزعوم مبنيّ كما أسلفت على افتراضات خاطئة. وثانيا، أن الخيار المزعوم هو تبرير لاستمرار الأمر الواقع لا لتغييره إلى الأفضل. وثالثا، أنه مبني على دوافع معاكسة لهذا التراث الفلسفي الذي دعا إلى تحمل المسؤولية عن لايقينية ما سيأتي بعد الخيار.
 
بالعكس من ذلك، داعمو الخيار لصالح النظام السوري يهربون من اللايقين إلى يقين الاستبداد. إن الخوف من المجهول (ماذا سيغيّر النظام الحالي وهل سيكون أفضل أم أسوأ) هو أحد عوامل استقرار الأنظمة الديكتاتورية، وهو نفس الزعم الذي استعمله المستبدون في مصر وتونس وغيرها. أضف إلى ذلك أن داعمي النظام السوري، من غير السوريين، لا يتحملون فعلا مسؤولية خيارهم الصعب لأنهم لا يحيون تحت نعل هذا النظام مثل السوريين أنفسهم (مثلما، والشيء بالشيء يذكر، دعم الشيوعيون العرب الأنظمة الاشتراكية دون قيد أو شرط حتى أطاحت بهذه الأنظمة شعوبها التواقة للحرية، وبان على الملأ هول ما قامت به هذه النظم وحجم الظلم الذي حاق بشعوبها). وبالتالي فإن هذا الخيار هو في نهاية الأمر وصُلبه خيار غير ديمقراطي.
 
 كما أن هذا الخيار غير مبرر بالادعاءات التي يسوقها أصحابه. فلو جاء نظام ديمقراطي مكان النظام السوري الحالي لا يوجد ما يشير إلى أنه سيتحول بالضرورة إلى بيدق أمريكي وسيتوقف عن دعم حركات المقاومة. هي مجرد تكهنات واهية المصدر لتبرير استمرار الدولة القمعية التي حوّلت العالم العربي إلى سجن كبير (والتي أجاد المرحوم عبد الرحمن منيف وصفها في روايته "الآن.. هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى").
 
*****
 
تنضم هذه التمثيلات الخطابية الثلاثة إلى جملة العوامل التي سمحت باستمرار الاستبداد في العالم العربي حتى حالتنا الراهنة. وبدون تجاوزها لن يكون بإمكاننا تجاوز العجز العربي والتأخر العربي القائم. هذه الأنظمة المدعومة بهذه العقلية تنتج شعوبا مفتتة ومتهالكة لا تسمح بإنتاج السياسات التي تتعدى الإنتاج الخطابي إلى الممارسة التي بإمكانها أن تسيّر ركب العرب نحو مستقبل أفضل باستغلال الموارد الطبيعية والانسانية وتوزيعها بشكل عادل. ومن دواعي المفاجأة السارة أن هذه المجتمعات المفتتة والمتهالكة ما زالت تملك من القوة والإرادة ما يكفي للإطاحة بهذه الأنظمة الفاشلة والفاسدة. ولكن إذا تخلصنا من هذه العقلية فقد تتحول عندها الانتفاضات إلى ثورة فتطيح لا بالنخب الحاكمة فحسب بل بالبنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تسمح بإنتاج هذه النخب.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص