السجود للقوة../ حنين زعبي

السجود للقوة../ حنين زعبي

 
أقرت الكنيست هذا الأسبوع قانون المقاطعة والذي يعتبر الدعوة لمقاطعة البضائع الإسرائيلية مخالفة جنائية، وبالتالي يعرض كل من يدعو للمقاطعة لعقوبات مالية.
 
القانون يسري على المواطنين في إسرائيل، حيث يفرض عقوبات مالية على كل مواطن أو منظمة إسرائيلية تدعو للمقاطعة، دون الحاجة لإثبات الضرر الاقتصادي الناجم عن المقاطعة، لكنه أيضا يسري على شركات عالمية وعلى جهات دولية، بحيث بمنعها من التقدم لعطاءات حكومية أو الشراكة في أي علاقات تجارية أو اقتصادية مع إسرائيل.
 
وقد برر المبادرون للقانون منطقه، معتمدين على أنه لا يمكن التمييز بين مواطني الدولة بناء على مكان سكناهم. معتبرا الاحتلال قضية مكان سكنى!
 
ومع أن العقوبات في القانون هي عقوبات مالية، لكن القانون هو قانون سياسي خطير، فهو يتدخل في مساحة العمل السياسي مباشرة، حيث المقاطعة –الاقتصادية والثقافية والأكاديمية- هي عمل سياسي من الدرجة الأولى، مفهي احتجاج وتعبير عن موقف سياسي ضد عملية انتهاك مستمرة للإنسان ولحقوقه. لكن نتيجته الأبعد هي إخراج قضية الاحتلال برمتها من ساحة الجدال السياسي في إسرائيل، حيث أن حملات المقاطعة الإسرائيلية –التي يبادر لها أفراد ومنظمات من اليسار الإسرائيلي- موجهة ضد الإحتلال تحديدا، وليس ضد النظام العنصري في إسرائيل، كما هو الحال دوليا.
 
ليس كل من عارض القانون عارضه من منطلق دعم المقاطعة ومناهضة الاحتلال، فأعضاء كاديما الذين صوتوا ضد القانون، صوتوا له من منطلق حرية التعبير والعمل السياسي، فهم ليسوا أقل دعما للاحتلال وسياساته من الليكود، أكثر من ذلك 3 أعضاء من كاديما –بينهم داليا ايتسيك رئيسة كتلة كاديما - كانوا من المبادرين للقانون ومن الذين ساهموا في إعطائه شرعية كاملة، لكنهم تراجعوا عنه لاحقا.
 
القانون هو محطة مهمة من محطات تحول الثقافة السياسية في إسرائيل -وملامح نظامها- إلى ثقافة فاشية، حيث الاستعلاء القومي، العسكراتية، الطاعة، الدولة –وليس المواطن- والسجود للقوة هي قيم محركة في السياسات والثقافة السياسية. صحيح أن النظام في إسرائيل ليس نظاما شموليا (وهي أحدى أهم سمات النظام الفاشي)، صحيح أنها ليست نظام الحزب الواحد، لكن يتم استبدال منظومة الحزب الواحد بمنظومة الإجماع الواسع، القاطع للأحزاب، والذي يلغي عمليا وظيفة ودور الأحزاب السياسية. إذا النظام في إسرائيل يتحول إلى نظام شبيه بنظام الحزب الواحد ليس عن طريق منع الأحزاب، بل عن طريق منع المواقف السياسية المكونة للتعددية السياسية، وتجريمها قانونيا.
 
ومن الجدير أن يعرف الإسرائيليون أن قمع الإحتلال يصل الآن لبيتهم تماما، وأن القانون يستهدف المواطن الإسرائيلي قبل الفلسطيني وقبل الجهات المتضامنة دوليا والتي لن يردعها مثل هذا القانون.
 
وقد أثار تداعيات في أوساط دولية، فقد عبرت الإدارة الأمريكية - والاتحاد الأوروبي بشكل أقل حسما- عن قلقها من القانون الجديد. وستكون تداعيات القانون أكثر نجاعة في الكشف عن آليات القمع الإسرائيلية التي لا تتعلق فقط بسياسات الاحتلال، فمن لم يسمع بحملات المقاطعة، سيسمع الآن بقانون المقاطعة، ومن لا يهمه قمع الشعب الفلسطيني، سيهمه ربما قمع الإسرائليين المناهضين للاحتلال أو لسياسات النظام في إسرائيل، ومن يعتقد أن "إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، سيكتشف أنه لا يستطيع تبني هذه المقولة بمثل سهولة تبني الأساطير.   
 
مقاطعة الأفراد والجهات لبضائع ما أو حتى لدول برمتها، كما كان الحال مع جنوب أفريقيا من قبل، والآن مع إسرائيل، هو تعبير سياسي شرعي عن مواقف ضد احتلال وضد العنصرية الإسرائيلية، والمقاطعة هي إحدى أدوات النضال الرئيسية عندما تستفحل العنصرية والعدائية، وعندما تتحول هذه العنصرية ( أو تكون) إلى سمة من سمات الدولة وليس فقط سياساتها.
 
السكوت عن العنصرية الإسرائيلية على جانبي "الخط الأخضر" هو ليس إمكانية واردة، وإذا قام القانون في إسرائيل بسلب أدوات العمل السياسي تلك من المواطنين، فإن على مؤسسات الدولة أن تعرف أنها تدفع المواطنين لمسارات نضالية أخرى سيكون من الصعب منعها قانونيا.  

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018