فلسطين في الأمم المتحدة.. عبر من الماضي../ رنا بشارة

حراك دبلوماسي فلسطيني حثيث تشهده الساحة العربية والدولية تحضيرا لانتزاع اعتراف بعضوية كاملة لفلسطين داخل أروقة الأمم المتحدة في نيويورك يوم العشرين من أيلول الجاري.

إصرار فلسطيني يقابله تهويل إسرائيلي يميني من عواقب النجاح، وفزع يساري من أن يقود فشل محتمل للرئيس الفلسطيني في مبادرته إلى عدم تخلص الاسرائيليين من عبء "الجار" الفلسطيني العربي واحتمال تسليم القيادة الفلسطينية مفاتيح السلطة للمجتمع الدولي كي يتحمل مسؤولياته السياسية والمالية تجاه أكثر من مليوني فلسطيني يقبعون تحت "سلطة" ترزح وإياهم تحت الاحتلال.

لمن يخشى هذا السيناريو من الإسرائيليين، تبقى الدعوة للعودة إلى المفاوضات طوق نجاة، خاصة أن الخطوة تجيء في ظل بدء موسم قطف ثمار ما درج على تسميته بربيع الثورات العربية، وانهيار أنظمة تسلطية اعتمدت اسرائيل عليها لعقود في قمع شعوبها.

أما بالنسبة لليمين الإسرائيلي، فالخطوة بمثابة فرصة أخرى للتلويح بمزيد من القمع وتكثيف الاستيطان والتهويد تمهيدا للإعلان عن ضم عدد من المستوطنات للدولة العبرية، سواء نجحت الخطوة أو أحبطت. فالتوجه للأمم المتحدة بحد ذاته، بغض النظر عن سلبية أو إيجابية النتائج على الجانب الفلسطيني، هو خطوة خطيرة بنظر اليمين الإسرائيلي.
 
أما التهديد بفرض عقوبات اقتصادية على السلطة الفلسطينية لطرقها أبواب المجتمع الدولي من جديد بعد أن أغلقت نافذة المفاوضات الثنائية المباشرة في وجهها فمن اختصاص الإدارة الأمريكية، التي سارعت بعد توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993 إلى ضخ أموال طائلة للسلطة الفلسطينية مكافأة وتشجيعا لها، ودعما لبناء مؤسسات رسمية وهمية السيادة وتشكيل أجهزة أمنية متعددة الأسماء من مهامها الرئيسية حفظ أمن الإسرائيليين.
 
ومن خلال أذرع الإدارة الأمريكية السياسية الممتدة خارجيا تحت مسميات تنموية مختلفة كالوكالة الأمريكية للتنمية (يو. إس. إيد.) التابعة للخارجية الأمريكية، انشغلت الأولى في عملية غزو تمويلي لمؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني تحت شعارات الإصلاح والحكم السليم والبناء الديمقراطي ومهننة عمل المؤسسات المجتمعية وتعزيز مبادىء الشفافية والمساءلة والمحاسبة فيها. وخاضت عملية ترويض لرؤى تلك المؤسسات سياسيا وتنمويا وأيديولوجيا وثقافيا، بما يتلاءم والسياسات الأمريكية المبرمجة للمنطقة، وحيدّت العديد من قيادات وكوادر الأحزاب السياسية عن دورها الوطني الذي قامت به على مدار سنين سبقت "أوسلو"، من خلال حثها وتشجيعها تمويليا على الانخراط في مؤسسات العمل الأهلي المدني، ليتحول بعضها من مناضلين إلى رواد ونشطاء مجتمع مدني، منهم من فسد فكريا وإداريا وماليا وأفسد آخرين، أيضا.

لا يزال موضوع التمويل الخارجي، ولا سيما الأميركي منه، مثار جدل على الساحة الفلسطينية. وحتى إن غاب عن الواجهة أحيانا، فإنه يعود ليطفو على السطح عند كل تطور سياسي.

ويحتدم اليوم في مصر نقاش مماثل حول الغزو الأمريكي الجاري لتشجيع شباب الثورة على إقامة منظمات مجتمع مدني باسم الديمقراطية ومن خلال تمويل سخي يقدم لمؤسسات أهلية قائمة أيضا.

فقد تناقلت تقارير عدة أن 600 منظمة مصرية أهلية استجابت لهجمة ضخ الأموال هذه، من خلال تقديم طلبات للحصول على منح مالية أمريكية، وبأن الولايات المتحدة خصصت ما يقدر ب 40 مليون دولار خلال خمسة شهور فقط لتعزيز الديمقراطية. وهو ما أثار حفيظة مجلس الوزراء وجعله يشكل لجنة تقصي حقائق حول الموضوع. كما ثبت من قيام النيابة العامة بإجراء تحقيقات مع بعض الجمعيات والأحزاب التي تم تأسيسها بعد 25 يناير بالدليل القاطع تلقيها أموالا من الخارج.

فالمشهد الذي ساد الأراضي الفلسطينية خلال العقدين الأخيرين تقريبا يتكرر في مصر الثورة اليوم، وإن اختلف السياقان تاريخيا وسياسيا. ولا تقتصر الهرولة الأمريكية باتجاه ضخ الأموال ذات الطابع السياسي عليهما فقط...
فكم المؤسسات التي أنشئت وتدار بتمويل أمريكي تحت غطاء الإغاثة والديمقراطية في العراق منذ احتلاله لا تعد ولا تحصى. كما أن محاولات إغراق تونس بالدعم المالي الخارجي بعد الإطاحة بنظام زين العابدين لا يمكن إغفالها، وطرق أبواب ليبيا لا بد أنه قادم، إن لم يكن قد بدأ.

وما لا نغفله، أن التمويل السياسي الخارجي لمؤسسات المجتمع المدني العربي، سواء قبل اندلاع الثورات العربية أو بعدها، لا يسعى إلى إسقاط شعوب المنطقة في شباك السياسة والثقافة الغربية فقط، فحسب، بل قد استهدفت المساعدات الأمريكية الأنظمة ذاتها، قبل شعوبها، من أجل الحفاظ على ديمومتها وتمكينها من الاستمرار في قمع الرأي العام الشعبي العربي وتكريس تبعيته لأنظمة موالية للولايات المتحدة. واستخدمت الأخيرة التمويل سيفا تلوح به كلما شعرت بأن المصالح الاستراتيجية الأمريكية وأمن إسرائيل يتهددهما الخطر. وهو ما نراه جاريا حاليا مع الفلسطينيين، رغم تأكيدات أوباما المتكررة، التي عول العديد من العرب عليها، بحق الفلسطينيين في إقامة "دولة فلسطينية"، وإن كانت في وعوده رمادية الشكل والحدود.

إن كانت اللغة والهوية والثقافة والدين تشكل روابط أساسية تجمع بين أبناء الأمة الواحدة، إلا أن ردود الأفعال الأمريكية والإسرائيلية إزاء توجه الفلسطينيين لنيل اعتراف الأمم المتحدة يثبت مرة أخرى بأن وحدة الصوت العربي في وجه القمع والاضطهاد، والتأسيس لبنية اقتصادية عربية على قاعدة الاعتماد الذاتي، أولا وأخيرا، دون انتظار مساعدات خارجية خاضعة لحسابات جهات التمويل الأجنبية السياسية، يشكلان العمود الفقري الذي يمكن الأمة من الوقوف بحزم في وجه الظلم والدفاع عن قضاياها العادلة.

على الرغم من سخونة الجدل الدائر فلسطينيا حول جدوى التوجه للأمم المتحدة من عدمه، والنقاش الجاري حول النتائج السلبية التي قد تترتب على ذلك سياسيا وقانونيا، إلا أن الخطوة، دون أدنى شك، تشكل منذ شهور مصدر قلق وإزعاج للإسرائيليين. وقد انعكس ذلك في الحالة الهستيرية الإعلامية الإسرائيلية وفي إعلان بعض المسؤولين الرسميين جهرا عن "هزيمة دبلوماسية قد لحقت بإسرائيل".

إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على رعب من أن تمس المبادرة الفلسطينية بهيمنة الإسرائيليين على الساحة الدولية، التي احتكروها منذ بدأت سلسلة المفاوضات الثنائية مع العرب. وما يضيف إلى الفزع الإسرائيلي، أيضا، أنها تتزامن وانهيار أنظمة قمعت شعوبها عاما تلو عام، وتزامنا مع بداية تشكل خارطة جديدة للمنطقة، مما سيؤدي حتما بدوره إلى إحداث تغيرات جوهرية في إعادة هيكلة وبناء وبلورة هوية الجامعة العربية مستقبلا، الإطار التنسيقي العربي المفترض أن يمثل مصالح الأمة الاستراتيجية... وهذه المرة ليس بإيعاز من الخارج لإحكام السيطرة على العرب ككتلة واحدة من الدمى المتحركة بأصابع الغرب، بل من منطلقات قومية عربية داخلية، حصريا، لتضم في عضويتها قيادات عربية ثورية شابة تنتخبها شعوبها بشكل ديمقراطي حقيقي.

فبعد سنين من حالة ضعف وشرذمة واهتراء مرت بها الجامعة العربية ويتحمل مسؤوليتها إلى حد كبير قادة أنظمة مستبدون أدى هوس الحفاظ على السلطة عندهم إلى أولوية العلاقة مع الولايات المتحدة على شكل تبعية سياسية وأمنية وصلت حد العبث بالورقة الفلسطينية، تتطلع الشعوب لمن ينصفها ويصون كرامتها وإلى دور عربي أكثر فاعلية على الساحة الدولية. ولا شك أن هذا يلتقي مع تطلعات الشعب الفلسطيني.
"القدس"

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص