مخطط برافر: حتى لا يؤدي النضال القانوني إلى تنفيس التصدي الشعبي / علاء محاجنة

مخطط برافر: حتى لا يؤدي النضال القانوني إلى تنفيس التصدي الشعبي / علاء محاجنة

عــ48ــرب

نقف كأقلية عربية في الداخل الفلسطيني أمام مواجهة تاريخية مع الدولة اليهودية، وهي مواجهة تندرج ضمن مواجهة عامة ما بين الشعب الفلسطيني ودولة إسرائيل.

للمواجهة الخاصة بالأقلية الفلسطينية في الداخل طابعها الخاص، كوننا نشكل العقبة المركزية أمام مشروع الدولة اليهودية، وذلك بطبيعة بقائنا هنا، على أرضنا.

وبهدف إشغالنا عن التفكير والإعداد للمواجهة المتعلقة بالقضايا المصيرية، تفرض علينا الدولة أجندة عمل يومي لا نهائية، وعليه, فمن المهم أن نسال أنفسنا كأقلية من حين إلى آخر حول وجهتنا المستقبلية، والتفكير ببناء أجندتنا السياسية بهدف خلق نوع من التوازن بين العمل اليومي المستديم، وبين والتصور الرؤيوي بعيد المدى.

ليكون المطلب الأساس عدم اقتصار عملنا السياسي على كونه ردة فعل على مشاريع ومخططات هدفها تقويض صمودنا وكسر شوكة مقاومتنا، بل يجب أن يخرج لحيز المبادرة وفرض أجندة بديلة، كما تطلب منا المرحلة الراهنة إعادة التفكير بأساليب وآليات المواجهة المتاحة أمامنا، وبالأخص تحديد ما هو أساسي وما هو رديف، وإيجاد المعادلة الصحيحة بينهما.    

تتصدر قضية النقب أولويات أجندة العمل السياسي في الآونة الأخيرة، على ضوء السياسات الاسرائيلية الهادفة لمصادرة ما تبقى من أراضيه، لا سيما مع إقرار مخطط برافر الذي يهدف إلى هدم عشرات القرى العربية الفلسطينية في النقب، والموجودة قبل قيام إسرائيل، وتهجير آلاف الفلسطينيين منها، وعليه فالسؤال المطروح يتمركز حول سبل المواجهة وتحديد الآليات لذلك.

استنادا لنمط المواجهة الذي اعتمدته الأقلية العربية في العقدين الأخيرين على وجه الخصوص، يسهل التوقع أن المسار القانوني والتوجه للمحاكم الاسرائيلية سيكون إحدى آليات المواجهة المطروحة وبقوة. يجدر التنويه إلى أن هدف المقال ليس التقليل من أهمية المسار القضائي أو الدعوة للامتناع عنه، بقدر ما هو تحديد مكانته وعلاقته مع الوسائل الأخرى، من خلال إبراز محدوديته، بناء على تجاربنا السابقة، كما يجب توخي المزيد من الحيطة والحذر والتدقيق، كي لا يؤدي النضال القانوني إلى تنفيس النضال الجماهيري السياسي، كما حصل في قضايا كبرى أخرى، كقضية قانون المواطنة (لم الشمل) العنصري على سبيل المثال.

وهنا نقف وجها لوجه أمام سؤال، أو بالأحرى مجموعة من الأسئلة المتعلقة باستعمال الأقلية العربية للقانون والمحاكم الاسرائيلية (بالأساس محكمة العدل العليا)، في مواجهة سياسات وقرارات عنصرية، وفي محاولة نيل حقوق قومية ومدنية، كوسيلة رئيسية، وأحيانا كثيرة كوسيلة وحيدة.

تعيدنا هذه الأسئلة الجوهرية للنقاش العام حول  العلاقة ما بين العمل اليومي (والمتمثل بردة الفعل غالبا)، وما بين التصور المستقبلي، فمما لا شك فيه أن العمل القانوني لا يتجاوز كونه عملا يوميا بالأساس، وهو عادة ما يكون ردة فعل لعمل (أو تقصير)، بالمقارنة مع وضع استراتيجية مواجهة شاملة تعكس تصورا رؤيويا.   

يعتبر مخطط برافر الأكبر، وربما الأخطر  منذ النكبة، من حيث تأثيره وإسقاطاته، إذ يهدف إلى تهجير آلاف العرب من بيوتهم، وسلبهم ما تبقى من أراضٍ ومساحات معيشية، والسؤال الذي يطرح هنا، هل  يجب الاعتماد على النضال القانوني كآلية وحيدة في التصدي لهذا المخطط؟

لم يرتدع الفلسطينيون الذين بقوا على أرضهم وفرضت عليهم المواطنة أن يطرقوا، بشكل فرداني أو جمعي، باب المحاكم الاسرائيلية بمواضيع مختلفة متعلقة بالأرض والمسكن، مثل مصادرة الأراضي، وهدم البيوت، وحتى قضايا التهجير. ولا يخفى على أحد أن الانجازات القانونية المتعلقة بهذا المجال محدودة جدا، وتكاد تكون معدومة من حيث إحداثها تغييرات على سياسات الحكومات المتعاقبة وعلى أرض الواقع؛ وحتى في المرات القليلة  التي تحقق فيها الإنجاز القانوني، بمعنى استجابة المحكمة للتوجهات، كان ذلك النصر محدودا من حيث خطابه الحقوقي، وسياقه التاريخي، ونتائجه، ومدى تأثيره على قضايا مماثلة، وعادة ما وجدت الدولة السبل لإفشاله والامتناع عن تنفيذه، أو سن قوانين جديدة خاصة للالتفاف على قرار المحكمة. 

إن محدودية الانجازات القضائية ليس سببها الاستعمال الخاطئ للقانون، أو لقلة كفاءة وعدم تمكن ممارسويه، بل على العكس تماما، فقد أفرزت تجربة عقود من التداول القانوني أمام المحاكم الاسرائيلية مؤسسات ومحامين يشهد لهم على المستوى المحلي والعالمي، ومن الجدير هنا الإشادة بالدور الرائد الذي يقوم به الزملاء في مركز "عدالة" في هذا الصدد، والإنجازات الهامة التي يحققونها في مجالات مختلفة.

المشكلة الحقيقة تكمن بالإطار القانوني نفسه، فهو محدود بشكل بنيوي بسبب تعريف الدولة  لنفسها كيهودية.

نتيجة ذلك، فإن هامش المناورة القانونية المتاح لنا كأفراد وكمجموعة، موجود بالجانب الآخر، خارج نطاق تعريف الدولة كيهودية، وبهذا الخصوص لا يمكن تجاهل دور المحكمة العليا برفع منسوب مفهوم الدولة اليهودية وتوسيعه، كما تجلى ذلك من خلال العديد من القضايا، وخاصة تلك التي استجابت فيها المحكمة لتوجهاتنا.

من هنا، تبرز أهمية تحديد تلك القضايا التي يمكن أن نحدث فيها تغييرا من خلال التوجهات القانونية، وهي محدودة أصلا، من منطلق أن المساواة الكاملة بالحقوق غير واردة بتاتا.. التوجهات القانونية بمواضيع موجودة أساسا بمحور الصراع، وارتباطها الوثيق بتعريف الدولة كيهودية، مثل قضايا الأرض والمسكن، لا تحقق النتائج المرجوة غالبا، لأن نظام الدولة لن يسمح بالمس بيهوديتها من خلال العمل القانوني، وتبقى أهمية العمل القانوني هنا بإثارة هذه القضايا وطرحها على جدول الأعمال، ولفت الانتباه إليها، الأمر الذي يحتم علينا نقل هذه القضايا من الحيز القانوني والتحول لخطاب وفعل سياسي تماما، كما كان في يوم الأرض عام  1976، أيضا بما يتعلق بنضالنا للحفاظ على أراضي الروحة عام 2000. وللتوضيح، ليست الدعوة هنا للكف أو التنازل عن العمل القانوني حتى بمثل هذه المواضيع، لأننا ببساطة لسنا بموقع نسمح فيه لأنفسنا التنازل عن أي إنجاز بسيط، أو أي وسيلة، حتى إن كانت محدودة أصلا، وإنما إدراك محدودية هذا المسلك كإحدى الآليات المطروحة لمواجهة مخطط برافار، وأخذ ذلك بعين الاعتبار عند وضع استراتيجية شاملة للمواجهة.

يجب أن يدعم العمل القانوني في هذه الحالة النضال السياسي والجماهيري، وأن ينضوي تحته ويكون جزءً منه، وليس العكس.

هذا الواقع يقتضي عدم المبالغة بالاعتماد على التوجه للمحاكم كآلية مواجهة، وإدراك محدوديتها بإحداث تغيير حقيقي مسبقا، هو المطلوب.

هذا الإدراك هو أمر أساسي من أجل عدم إهمال وسائل المواجهة الأخرى، في محاولتنا للتصدي لمخطط برافار الخطير.

يجب عدم السماح لأنفسنا بتكرار تجارب سابقة عديدة تلخص نضالنا فيها بالتوجه القانوني فقط، على حساب المواجهة الجماهيرية والشعبية طويلة الأمد، والمدعومة بحراك سياسي ممنهج وواضح.

الإضراب العام والمظاهرة القطرية التي أعلنت عنهما لجنة المتابعة كانا خطوة هامة في الاتجاه الصحيح، بجب أن تكون هذه الخطوة هي الخطوة الأولى في سبيل خلق حراك جماهيري يتوج بإلغاء مخطط برافار، والاعتراف بجميع القرى العربية في النقب.