عرب ال48 بين أزمة الوجود.. واستحالة الاندماج مع القوانين العنصرية../ نزار السهلي

عرب ال48 بين أزمة الوجود.. واستحالة الاندماج مع القوانين العنصرية../ نزار السهلي

* كاتب فلسطيني مقيم في مخيم اليرموك

قضية "عرب الداخل" التي تتفاعل يوما بعد يوم أمام صناع القرار في الدوائر الصهيونية، تكشف عن آلية العقل الصهيوني الذي يتعاطى مع سكان البلاد الأصليين وفق سياسة الشطب والإلغاء المستندة لخرافات وأساطير تلمودية والمعبرة عن الواقع الاستعماري للصهيونية اتجاه الشعب الفلسطيني.
 
الظاهرة العنصرية الفاشية لدولة الاحتلال تفضح الانحراف الجارف للمؤسسة الصهيونية نحو مزيد من سياسة الإلغاء والتقنع خلف المؤسسات "القضائية " لتبرير سياسة قومية عنصرية وإحلال الحل المستمد من البرنامج الاستعماري للدولة "اليهودية" القائم على طرد الفلسطينيين من أرضهم والزج بأساطير وخرافات تستجيب لمنطق وطروحات اليمين الفاشي للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي أعلنت حربها على اللغة والأرض والتاريخ والإنسان الفلسطيني.
 
فمنذ مدريد وإلى يومنا الراهن تستهدف المخططات الصهيونية لاقتلاع قضية فلسطينيي الداخل وطمسها في برنامج الاحتواء والتهميش الصهيوني لقضية الشعب الفلسطيني ككل في دائرة الاستهداف، في حين يرى أصحاب السلطة الناشئة بعد أوسلو إن قضية عرب ال48 مسألة تخص الجانب الإسرائيلي الذي ينظر إلى الخطر المهدد "لدولته اليهودية" على أنه ينبع من السلة الفلسطينية المكونة لكل الشعب الفلسطيني فوق أرضه بإبقاء سيف التهم موجه لكل فلسطيني عبر استنفار "النزعة المعادية لليهود" أمام القضاء الاستعماري.
 
في مرحلة ما بعد أوسلو، التي أنتجت سلطة فلسطينية تعتبر سكان الضفة والقطاع مكونا رئيسيا لدولة فلسطينية قادمة، أصبحت المخاطر متعاظمة على الوجود الفلسطيني داخل الخط الأخضر وأكثر صعوبة لخصوصية الوجود الذي لازمهم فوق أرضهم، وجعلت منهم الموقع الأكثر استهدافا من قبل المشروع الصهيوني، وهي خصوصية نابعة أصلا من كونهم يتعرضون لمختلف أشكال الاستلاب السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وهي ألوان مركبة من العدوان تمتزج فيها حالة العدوان مع أزمة الوجود واستحالة الاندماج مع قوانين طاردة ونافية في "دولة اليهود" التي تحاول الدفع قدما إلى فصل قضية "عرب الداخل" وعزلها عن قضية الشعب الفلسطيني.
 
لا حاجة للقول في كل مناسبة ما أثبته أصحاب الأرض الأصليون على مدى سنوات النكبة الطويلة، والتي رسخت عمق الانتماء والتمسك بالهوية الوطنية على الرغم من كل عمليات القمع الممارس ضدهم ومحاولات طمس الهوية والتهميش والإذابة، إذ تثبت بديهيات السياسة الصهيونية موجبات التحدي والمقاومة التي أظهرها عرب ال48 للسياسة الفاشية والعنصرية التي لم تدفع سوى لاتجاه متناقض لبديهيات الأهداف الصهيونية.
 
تلك الموجبات بقيت سمات عامة لنضال فلسطينيي الداخل تنشد نحو القضية الأم باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وبالتالي كونوا الجزء الأهم من الصراع مع المشروع الصهيوني الذي حاول حصر وسقف نضالهم بقضايا مطلبية يومية وعند حدودها المرسومة، إلا أن ما أدركه أصحاب الأرض مع انكشاف أنياب التغول الصهيوني، عمل على إنهاض المجتمع الفلسطيني وترسيخ هويته وانتمائه الوطني والقومي وبلور طاقاته كافة في معركة الصراع.
 
جملة القوانين العنصرية، مع تصوير مشهد الاستهداف "لقضايا فردية" مثل قضية عزمي بشارة وجمال زحالقة زحالقة وحنين زعبي وعمر سعيد وأمير مخول ومفتي القدس تدل على سخافة التعاطي مع ملف أصحاب الأرض وكلها تصب في تحييد وإخراج عرب ال48 من دائرة الصراع.
 
التقاء الأهداف
 
قيل في أكثر من مناسبة لعرب ال48 "أنتم إسرائيليون ولا نريد منكم أكثر من تضامن". وهذا القول والسلوك المستمران في أوراق التفاوض جرى فيه التقاء الأهداف الفلسطينية الإسرائيلية حول هذه النقطة بالذات في الشطب المستمر والإسقاط والإبعاد عن دائرة الحل السياسي الرسمي، أي أن الدفع نحو الأسرلة هي سياسة رسمية في بداية التفاوض وفي منتصفها وتماهت السلطة الفلسطينية مع الطروحات الإسرائيلية القاضية بتبادل أراض هنا وهناك. ولعل المرارة والسخرية هنا تتجلى في النظرة الاستخدامية لقضية عرب ال48 من قبل السلطة التي تحاول اللعب في مصيرهم ومستقبلهم، فبدلا من العمل على توفير الشروط الملائمة لمواصلة نضالهم وتمتين ارتباطهم بقضيتهم الأم يجري العمل على الدفع بهم للرضوخ للأهداف الصهيونية، ناهيك عن المخاطر الجسيمة التي ترتبت على هذه النظرة وتناقضها الجذري مع المشروع الوطني الفلسطيني الذي تخلت عنه السلطة الفلسطينية وذراعها المفاوض.
 
ليس سرا بعد عشرين عاما من المفاوضات من سخر نفسه ليلعب دور الوسيط لجعل فلسطينيي ال48 جسر عبور نحو السلام في المنطقة، ومن يحاول تقريب وجهات النظر الفلسطينية الإسرائيلية من خلال بعض القنوات التي يجري تغافلها لكن الأمور لا تُأخذ بظواهرها، فالأغلبية الساحقة من عرب48 بقيت متمسكة بهويتها وانتمائها القومي وظلت تعتبر نفسها جزءا من المشروع الوطني الفلسطيني، وكان بالإمكان الارتقاء بدورها لو توفرت سياسة صائبة ورؤى بعيدة إضافة للأدوات الملائمة، هذا إلى جانب الوقائع العديدة التي تشير إلى عدم القدرة على المنافسة من خلال عدم وجود أي بنى اقتصادية او رأسمالية متبلورة بفعل السياسة التدميرية للاحتلال، التي لم تفسح المجال لإقامة مصنع واحد يخص الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ومن هنا يتضح أن الدور الطبيعي لأصحاب الأرض الأصليين وسكان البلاد مع خيارهم الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا ضمن المشروع الوطني الفلسطيني على قاعدة التكامل مع قطاعات الشعب الأخرى.
 
والمسألة هنا ليست رغبة أو طموح بقدر ما هي ممكنات وحقائق تمليها الظروف الموضوعية والذاتية لتطور الصراع، وهذا يعطي إجابة لسؤال الدمج والمساواة التي تروج شعاره المؤسسة الصهيونية وبعض أطرافها الفلسطينية، هذا الطرح يكفي لإزالة الكثير من الغموض والغشاوة عن أصحاب هذه الطروحات المراهنين على النوايا الصهيونية القائمة على فرضيتين يعبر عنهم في كل مناسبة مشرعو القوانين العنصرية الفاشية.
 
مستقبل عرب ال48 واستحالة الاسرلة والاندماج
 
وما يلفت الانتباه هنا هو موقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي كانت تتظاهر بالرفض إزاء ما يطلق عليه "الأقلية العربية" داخل الخط الأخضر بالنسبة لقضية "المساواة" لكنها في الواقع كانت تشجع التيارات الداعية له في إطار مخطط الاحتواء وإقامة الأحزاب السياسية التي ترفع الشعارات المطلبية التي تتبع الأحزاب الصهيونية، فمشرعو القوانين العنصرية وفرضيتيهم قائمة على الاحتواء أو الطرد، وبفشل الفرضية الأولى أسرلة واحتواء تكمن مشكلة الفرضية الثانية للطرد الشمولي الذي تجلى بقانون برافر الأخير للطرد الشمولي لعرب النقب وقانون منع لمّ الشمل لاقتلاع شوكة عرب الداخل، بات هذا الطرح مع انطلاق "عملية السلام" أكثر وضوحا وشمولية نحو الأسرلة مشفوعا بالعديد من القوانين العنصرية والفاشية لمواجهة اليقظة القومية لأصحاب الأرض وسكان البلاد الأصليين.
 
يتفاخر ليبرمان وبرافر وقبلهما شارون وبيغن، وهما معبران صريحان عن مكنونات الفكر الصهيوني، في الإسهام بمحاصرة الفكر الوطني الفلسطيني الرافض للأسرلة وتهميش الهوية الوطنية للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وتقديمهم لقمة سائغة نحو الاندماج المشوه والهامشية، لكن هذه الاندفاعة لم تكن ذراعا إسرائيلية فقط بل وازتها سياسة رسمية فلسطينية وعربية ودولية تحولت إلى مادة دعائية لتسويق "المفاوضات والسلام" وتبدلات اجتماعية واقتصادية طرأت على المجتمع الفلسطيني، وظهور طبقة وسطى تطالب بالتأقلم والاندماج مع الإسرائيلي انطلاقا من مصلحتها. هذه العوامل ساهمت في تقديم التيار الوطني الديمقراطي مع الأحزاب الأخرى المنفلتة من عقال الأسرلة لطروحات تميزت بالشجاعة حاول عبرها بصورة جدية رفع سقف النضال الوطني بالانتقال من طرح القضايا المطلبية إلى محاولة تحقيق الذات من خلال نضاله لانتزاع اعتراف بالجماهير الفلسطينية داخل الخط الأخضر كأقلية قومية في مواجهة الأسرلة.
 
خلاصة القول إننا أثرنا العديد من النقاط المتعلقة بقضية فلسطينيي ال48 والمخاطر المحيطة بقضيتهم، وهي لا تقل خطورة عن ما يتهدد باقي المسائل المتعلقة بالقدس والحدود واللاجئين، وهو ما يفسر الهجمة الشرسة للمؤسسة الصهيونية التي تمطر عشرات القوانين ضد عرب الداخل أفرادا ومؤسسات. وفي تلك الإثارة استنتاج أبعد من قضية ملاحقة د. عزمي بشارة "بتهم أمنية" ومحاصرة حنين زعبي" بقضية مرمرة" وتهديد جمال زحالقة واعتقال عمر سعيد وصولا لفرض مفهوم جديد قديم للصراع من خلال الاستهداف الجمعي للذاكرة والتاريخ والتراث وللحاضر والمستقبل الفلسطيني، وكلها مؤشرات بحاجة لقراءة أكثر دقة وعمقا لظروف فلسطينيي ال48 وصولا لوضع الصيغ المناسبة والعملية التي تأخذ بعين الاعتبار خصوصيتهم الاستثنائية كحراس أمناء على القضية الفلسطينية ككل، والدور الذي يمكن أن يلعبوه في معركة الصراع الفلسطيني الصهيوني والتحرر من شعارات الإشادة بهم والعمل على دمج قضيتهم مع قضية الشعب الفلسطيني بدعم صمودهم بسياسات وطنية، قبل حلول نكبة يندب عليها أصحاب الشعارات السياسية قبل أوسلو وبعد البحث عن "دولة فلسطينية" قادمة بكارثة على أصحاب الأرض الأصليين وهم يقرعون جدران الخزان يوميا. فهل من مستمع؟