في مقاله من يوم 6.4.2012 في صحيفة كل العرب تحت عنوان " بوصلة الخيار الوطني في الِشأن السوري" ينتقد د. أسعد غانم هؤلاء الذين رفعوا شعارات مؤيدة للنظام السوري في مظاهرات يوم الأرض في الجليل. وهذا موضوع مهم وجدير بالاهتمام لأن هنالك حاجة لمراجعة مواقف وسلوكيات أحزابنا ونخبنا من الثورة السورية. وفي الفقرة التالية يعزو د. غانم مواقف بعض مؤيدي النظام السوري بأنه نكاية بمواقف د. عزمي بشارة من الثورة السورية. وهذا الأمر أيضاً جدير بالتحليل من أجل فهم سلوكنا السياسي، وأسسه، وأخلاقياته. لكن المقال هو ليس عن أحد هذين الموضوعين. أنه في الواقع مكرّس لكيل الاتهامات للدكتور عزمي بشارة وموقفه من الثورة السورية ومن ثم لشخصه وفكره. ويعتمد  الدكتور غانم خطاب الطعن والتشهير بدل الخطاب الاكاديمي او الفكري ويكثر من الاتهامات مثل "المصلحة الشخصية"، "الانانية"، "الانتهازية"، "التقلبات"، "استلاف الافكار" و"القرصنة الفكرية". ثم يعتمد أسلوب الغمز واللمز حول مكان الاقامة الحالي أو العمل في مؤسسة أكاديمية مثل فان لير. هذا بعض مما هنالك.

 
من المؤسف أن يستعمل أحد محاضرينا الجامعيين هذا الاسلوب ضد أياً كان، ولكن خاصة ضد من يعتبره كثير من الاكاديميين العرب والعالميين الذين أعرفهم شخصياً وكثير من الثوار العرب وأحرار العالم عملاقاً فكرياً ومنظراً ثورياً لعب دوراً في بناء الحركة الوطنية في البلاد وفي تحدي الصهيونية ودولة اسرائيل ومن ثم بعد غيابه القسري عن البلاد في التنظير للثورات العربية ولحركة قومية عربية ديمقراطية. يحق لأسعد غانم ولغيره مناقشة أفكار عزمي بشارة وانتقادها وتحليلها وتفكيكها. لكن هذا  يتطلب مواجهة في الساحة الفكرية والأكاديمية وهي مفتوحة امامه إن أراد. إلا ان د. غانم يختار ساحة غير تلك – وجدير بنا أن نسأل لماذا لا يختار الساحة الفكرية.
 
وبسبب اختيار د. غانم لساحة الاتهامات الشخصية ترددت قبل ان أرد على مقاله لثلاثة أسباب: اولاً لأني اعتقد أن مساهمات عزمي بشارة الفكرية تستحق من المثقف الفلسطيني دراسة وعناية وعرض ونقد في المنصّات الأكاديمية والفكرية وليس ساحات الاتهام والتشهير. وثانياً لأني رأيت ان لغة المقال توشي بأن قد لا تكون هنالك فائدة من النقاش الرصين حول المضامين الفكرية للدكتور بشارة. وثالثاً، لأني خشيت أن يجرّنا النقاش رغماً عنا الى منزلقات لا نقبلها على أنفسنا. ولذلك قررت أن أردّ فقط على نقطة واحدة من الثلاث نقاط التي تلامس المضمون وإن كانت الملامسة بطريقة الاتهام والتشهير. 
 
وتدعي النقاط الثلاث ان د. بشارة "استلف" أفكار غيره: الاوتونوميا من زميل له؛ وفكرة دولة المواطنين من اخرين سبقوه اليها ومن بينهم كاتب هذه السطور، وفكرة الجمع بين القومية العربية والديمقراطية من الاستاذ الجامعي الاسرائيلي سامي سموحة الذي طوّر فكرة "الديمقراطية الاثنية" التي تعرض اسرائيل كدولة يهودية صهيونية ديمقراطية في آن معاً. وأنا أترك مسألة الاوتونوميا للزميل الذي ذكر أسمه في مقال د. غانم ولن أتفاجأ – بسبب معرفتي برزانته – ان اختار ألّا يردّ. اما بخصوص الجمع بين القومية العربية والديمقراطية فإنه من المحزن أن نقارن هذا المشروع التنويري مع مشروع "الدولة اليهودية الديمقراطية"، المشروع البائس الذي يستميت ويفشل في جسر الهوة بين متناقضات. وهذه المقارنة تستحق مقالاً منفرداً.
 
أما بخصوص دولة المواطنين فأنا أشكر د. غانم على ذكره تداول الفكرة في كتاباتي وكتابات الآخرين. وهي بمفهوم ما – فكرة ديمقراطية اساسية يجدر بنا أن نسأل لماذا لم نتداولها قبل التسعينات؟ ولكن يجب أن نميّز بين أن يذكر أكاديمي ما دولة المواطنين في مقال اكاديمي أو كتاب (أو ان يذكر حزبٌ ما كلمة "دولة المواطنين" في ادبياته) وبين القوة الخلاقة والمجددة التي أطلقها عزمي بشارة وزميلاته وزملاؤه في هذا المضمار. عزمي بشارة لم يكتشف دولة المواطنين ولم يدّع يوماً أنه أكتشف أساساً من أسس النظرية الديمقراطية. لكنه استوظفها  لوضع مشروع فكري ديمقراطي سياسي وتنظيمي مقاوم أعطى دولة المواطنين العمق النظري والبعد السياسي الانساني والتحدي الديمقراطي للدولة اليهودية، والاطار التنظيمي الذي من خلاله تلاحمت أجزاء كثيرة من الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل. ولذلك ارتبطت الفكرة وبحق به. وجعلت أجزاء من الحركة الوطنية بقيادة عزمي بشارة من هذا المشروع أساساً لمقارعة المشروع الكولونيالي وأصبح المشروع مقبولاً بالاجماع من الجماهير العربية ولغتها السياسية والفكرية المتداولة. وهذا هو السبب الذي جعل مؤسسات الدولة الإسرائيلية تتجند لمقارعة مشروعه الفكري والديمقراطي والسياسي ولملاحقته شخصياً وملاحقة زميلاته وزملائه ممن ساهموا في بناء هذا المشروع. ومن هنا تجند الاكاديميا الاسرائيلية والإعلام الاسرائيلي وأجهزة الامن وبعض القيادات الحزبية (في الاحزاب الصهيونية) لمحاربة هذا المشروع بالذات. ان مشروعاً فكرياً وديمقراطياً بهذا الحجم يجب أن يتميز بعمق نظري، وأصول فكرية، وأبعاد سياسية وقدرة تنظيمية والتزام أخلاقي. وفي واقع الأمر ان ما يدهش زملاء عزمي بشارة من المفكرين والاكاديميين العرب الذين يشرفني معرفة البعض منهم هو جمعه بين هذه الصفات. ولذلك المسألة لا تقتصر على  من ذكر الفكرة أولاً وفي أي مقال أكاديمي.
 
وفي الفترة التي عمل فيها بشارة في فان لير أستحوذت مساهماته الاكاديمية على النخب الاكاديمية الاسرائيلية بين مؤيد ومعارض وناقد ورافض – وهذه مكانة لم يقترب منها أي من أكاديمينا وذلك ليس فقط بسبب البعد النظري والعمق الفكري لما قدّمه بل أيضاً بسبب الشجاعة السياسية والفكرية التي تحلى بها رغم وجوده في فان لير. ولذلك فأن الغمز على عزمي بشارة أنه عمل في مؤسسة فان لير "الاسرائيلية، الليبرالية، اليهودية والصهيونية" هو أمر مستهجن إذ ان معظم الاساتذة الجامعيين في فلسطين 48 يعملون في الجامعات والمؤسسات الاكاديمية الاسرائيلية بما فيها فان لير وبما فيهم د. غانم. انا لا أقول ذلك كتهمة بل للاعتراف بالواقع المعقد الذي يعيشه فلسطينيو ال 48. ليس السؤال من يعمل في المؤسسات الاكاديمية الاسرائيلية اذ ان العشرات من الفلسطينيين يدرّسون اليوم في الجامعات والكليات الاسرائيلية لا بل يصبو الكثير من اكاديمينا الى ذلك. لذلك من المستغرب أن نعتبر نفس العمل الذي نعمله نحن تهمة عندما يقوم به شخص آخر. وبدل الغمز والهمز حريّ بنا تحويل النقاش الى أسئلة تحليلية حول هذا الواقع المركب كأن نسأل مثلاً كيف يساهم كل من المحاضرين في بناء المشروع الوطني أو المشروع المعرفي الفلسطيني! لماذا يعمل البعض بإرادة ووعي على كسر المقاطعة على الجامعات الاسرائيلية بتنظيم مؤتمرات دولية في جامعات اسرائيلية أو بالخدمة طوعاً في مؤسسات تهدف الى كون اسرائيل دولة يهودية وديمقراطية؟ ولماذا يتحدث بعض مثقفينا وكثير من أكاديمينا "لغات" و"لهجات" مختلفة حسب السياق الفلسطيني، العربي او الاسرائيلي؟
 
ان احدى الصفات التي ميزت عزمي بشارة أنه نفسه لا يتشوّه أمام الاسرائيلي والفلسطيني. أنه يتحدث نفس الخطاب في رام الله والقاهرة وبيروت والدوحة وحيفا وتل أبيب. أنه الفلسطيني الذي لم يطأطأ رأسه قيد أنملة لا في فان لير ولا في الجامعة ولا في الكنيست. انا لا استطيع ان اقول ذلك بضمير مرتاح عن كثير من اصدقائي داخل 48.
 
هناك كثير من الاسئلة ذات الابعاد السياسية والسوسيولوجية التي يجدر بنا الخوض فيها عند الحديث عن دور عزمي بشارة وعن علاقتنا به. سأذكر منها ثلاث فقط:
 
أولاً كيف ولماذا استحوذ فكر وشخص عزمي بشارة على الخطاب الاكاديمي والثقافي والسياسي في الحيّز الخاص؟ ولماذا أخذ بعض الاكاديميين على انفسهم ملاحقته واتهامه من منطلقات شخصية؟ 
 
ثانياً كيف ولماذا يمكن أن تصبح النكاية الشخصية بمواقف عزمي بشارة بوصلة للمواقف السياسية لدى البعض في أهم القضايا مثل الموقف من الثورة السورية؟
 
ثالثاً كيف تعاملنا كمجتمع سياسي وكنخب مع عملية نفي عزمي بشارة؟ كيف نفصل "القبلي" "الحزبي" عن الوطني وما هو مفهوم الوطني لدينا؟
 
ليس لي أن أحدد الاجندة في الحديث عن عزمي بشارة او عن أي علم بارز من اعلامنا، لكن لي أن اشير الى حاجتنا خاصةً الاكاديميين والمحاضرين فينا – الى اللياقة في النقاش الذي يهدف ان يكون نقاشاً أكاديمياً.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ