مصر بعد جولة الانتخابات الأولى: حقائق تتبين ومسارات ترسم../ أحمد. م. جابر

مصر بعد جولة الانتخابات الأولى: حقائق تتبين ومسارات ترسم../ أحمد. م. جابر

انجلى الضباب، وبان الخيط الأبيض من الأسود في انتخابات رئاسة مصر، واتضح -مع كثير من الشك والقلق والشكوى والتكذيب- من حيث الشكل على الأقل أن مرشح (الاخوان المسلمين) الدكتور محمد مرسي، قد حل أولاً وأن المحسوب على النظام السابق، الفريق أحمد شفيق، قد حل ثانياً، وبالتالي سيخوضان معا معركة الاعادة.

ولكن وإن كان هذا "تحصيل حاصل"، علم وخبر، فإن نتائج الانتخابات من حيث الجوهر تظهر حقائق مثيرة للاهتمام، على الصعيد الداخلي المصري والخارجي الإقليمي المرتبط بمصر بل بما يتعداه.

داخلياً:

1- اتضح من حيث النتائج والوقائع، أن الاخوان المسلمين قد خسروا أكثر من نصف كتلتهم التصويتية المفترضة بناء على نتائج انتخابات مجلسي النواب والشورى، ولعل هذا يعود إلى أسباب أربعة؛ أولها حنثهم بعهدهم الشهير بعدم التقدم بمرشح رئاسي، ثم مبادرتهم لتقديم خيرت الشاطر مما شكل صدمة غير ايجابية للقوى الثورية والشارع المصري عموماً، وأظهر للرأي العام رغبتهم الاستئثار بالسلطة في كافة أركانها، وثاني الأسباب ممارساتهم في مجلس الشعب وسلوكهم الاستئثاري سواء في اللجان أو في طريقة طرح القوانين وبالذات حكاية الجمعية التأسيسية، ومحاولة الانفراد بصياغة الدستور الجديد، وكأنهم افترضوا للحظة طويلة أن الثورة ثورتهم هم بالذات وليست ثورة جموع الشعب المصري. وأكثر من ذلك سلسلة الاتهامات التي كيلت للجماعة بالتواطؤ مع المجلس العسكري وخصوصا تمرير الاعلان الدستوري وبالذات المادة 28 منه المثيرة لجدل ما زال محتدماً، وهي اتهامات لم تتوصل قط الى دحضها وإثبات بطلانها مما وفر مادة خام كبيرة جدا لصياغة نقد جوهري وجدي وموضوعي للجماعة وسياساتها ما ظهر منها وما بطن. يضاف إلى ذلك شخصية محمد مرسي المفتقرة للجاذبية التي حملها الشاطر، وكونه بقي يشار له بأنه المرشح الاحتياط، السبب الرابع يعود إلى انتباه الشارع المصري لإمكانية حيازة الاخوان على كل تلك السلطات من مجلس الشعب بغرفتيه، إلى رئاسة الحكومة ثم رئاسة مصر، وبالتالي جاء التصويت كنوع من سعي الشارع ككتلة واعية، لإعادة نوع من التوازن للحالة السياسية السلطوية، وقد سمح بذلك بروز مرشحين آخرين قادرين على تمثيل الثورة ويحوزون مشروعيتها مما منع الاخوان من التفرد بهذا التمثيل كما هو حال المرشح الرئاسي حمدين صباحي.


2- النقطة الثانية أو الحقيقة الثانية على الصعيد الداخلي، أن معسكر الثورة انتصر في التصويت كما انتصر في الميدان، فحتى بدون اعتبار الاخوان المسلمين وكتلتهم التصويتية، فإن حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح والآخرون من المحسوبين على الثورة، حازوا أغلبية من الأصوات وبإضافة (الاخوان المسلمون) الذين هم في النهاية جزء من الثورة فقد حصدت الثورة أغلبية ساحقة في الصناديق ولكن تشتت معسكر الثورة هو ما منح أحمد شفيق وغيره من ممثلي النظام السابق، هذه الفرصة لحيازة نسب معتبرة من الأصوات، وان كانت طبيعية في اطار التحليل التاريخي للثورات ومستوى الرضى الجماهيري عنها.


3- الحقيقة الثالثة أن النتائج التي حصل عليها حمدين صباحي بالذات تفيد بوجود طريق ثالث حقيقي، وممكن وقوي، ويُؤمل به، غير طريق الاخوان والعسكر أو الاخوان والفلول بلغة أخرى، وفي الحقيقة جاءت نتائج حمدين صباحي، مفاجئة للكثيرين من مؤيدي ما يمثله الرجل قيميا وتاريخياً، بل الذين قرروا منذ البداية مساندته لهذه الأسباب دون مراهنة على النتائج، ولكن النتائج عكست إلى المكانة القيمية للأفكار والارث التاريخي الناصري الذي يحمله الرجل على كتفيه، النتائج عكست أيضاً كاريزما الرجل وقدرته على التواصل مع الناس كواحد منهم –كما هو شعار حملته- وكشخص يصلح لأن يكون رئيسا بذات الوقت، فالرجل يملك كاريزما سحرية ساهمت بإقناع الناس أنه مرشح واقعي وفعلي وممكن، لحمل أحلامهم والنفاذ بالثورة إلى مآلاتها، ومن المؤسف حقاً تشتت أصوات كثيرة عنه حرمته من الوصول إلى جولة الاعادة، بدءا من الحديث عن احتمالات التزوير، وهو ما قالت لجنة الانتخابات رأيها في جانبه المادي، مروراً بالتزوير الآخر المعنوي والسياسي المرتكز على فساد مالي أو سياسي، يبدو أنه ما يزال يعيث في مصر فساداً. هذه الكتلة الثالثة، هذا التيار، أثبت أن ثنائية الاسلام السياسي أو الديكتاتورية الفاسدة ليست قدرا لا يرد على مصر، وأن مصر قادرة بأهلها الذين صنعوا ثورتها على المضي في طريق الثورة حتى ولو في ظل حكم الاسلام السياسي الساعي إلى مصادرة الثورة وتقليصها على مقاسه، أو حكم القوى المضادة والفلول الساعية إلى الانقضاض على الثورة والتنكيل بصانعيها.

خارجياً


1- كشفت إسرائيل عن عدائها المستحكم للثورة عبر غزلها بمرشحي النظام السابق، وهي بهذا الموقف تقول من حيث لا تدري للشعب المصري إن النظام السابق لا يؤسف عليه وكان حسنٌ التخلص منه حتى لو لإغاظة تل أبيب، ولكن من جهة أخرى ثمة قلق يستبد بالدوائر السياسية الاسرائيلية والأمريكية كذلك من شخصية القادم لرئاسة مصر، وكل التحليلات التي تلقي بالقلق أو الأمل على شخص الرئيس تبدو قاصرة وتثبت أن الاسرائيليين ومن خلفهم الأمريكان ما يزالون خائفين من مواجهة الحقيقة: حقيقة أن مصر تغيرت ولم يعد ممكنا لهم امتطاؤها كما في السابق بتسهيل من حاكم فاسد وعصابة مارقة حكمتها ردحا من زمن.


2- السعودية بدورها، وعبر تصريحات مواربة أو مقالات تحليلية لكتاب ينطقون باسم سلطاتها أو حسب اعلامها بشكل عام، من الواضح أنها لا تريد لحكم مصر لا ثوريا ولا اخوانيا، رغم كل الغزل الذي أبداه الإخوان تجاه الجارة عبر البحر الأحمر، السعودية تريد رئيسا يكون استمرارا لمبارك، بحيث يستمر إذلال مصر من دول النفط ويًمنع عن مصر العودة إلى مكانتها الطبيعية. ولعل ما ستكشفه الأيام عن دور الرياض في حماية مبارك وعصابته بل ودعم شفيق أيضا سيكون كثيرا جدا، وسيتاح عندها لمصر أن تحاسب، بعد تكون قد استعادت عافيتها كل من تآمر عليها أو حاول العبث بها.

إلى ذلك، سيذهب المصريون إلى جولة ثانية من الانتخابات بين محمد مرسي وأحمد شفيق، ولكن هذا، مرة أخرى، من باب العلم والخبر، ولكن ما يزال هناك لغم ينتظر الجميع ولا أحد يعرف متى سينفجر، وهو قرار المحكمة الدستورية بخصوص قانون العزل، هل ستقر المحكمة باختصاصها بالنظر في هذا القانون أم ستقوم برده، وإذا أقرت هل ستوافق عليه أم تلغيه؟

في الحالة الأولى اذا أقرت المحكمة بالاختصاص سيكون عليها اتخاذ قرار فإذا رفضت قانون العزل سيفتح الباب أمام من تم عزله بموجب هذا القانون وفي المقدمة عمر سليمان للطعن في كل العملية الانتخابية، أما اذا أقرت الدستورية القانون، فهذا يعني لا مشروعية خوض أحمد شفيق للانتخابات ومن المرجح أن تعاد الانتخابات بمجملها وليس مجرد استثناء شفيق أنه من غير الصحيح حذف ملايين الأصوات التي صوتت له بهذه البساطة لذلك يشير بعض علماء القانون الدستوري إلى أن الانتخابات ستعاد بين ال 12 مرشحا من جديد.

أما إذا قضت المحكمة بعد اختصاصها فهذا يعني أيضا أن القانون نافذ وبالتالي الأمر نفسه لشفيق وإعادة الانتخابات حسب رأي خبراء دستوريون في مصر.

ولكن هذا كله سيكون عملا سياسيا على الأرجح، يحدد مساره اللاعبون الأساسيون في السياسة المصرية الحالية وفي المقدمة المجلس العسكري، الذي ما يزال ممسكا بخيوط اللعبة يوجهها حيث يريد، والأرجح أن يتم تأجيل قرار الدستورية إلى ما بعد الانتخابات في جولتها الثانية، كنوع من وضع الشعب تحت الأمر الواقع، فستأخذ الطعون مسارات قضائية تأخذ وقتا طويلا جدا.

وفي جميع الحالات في مصر طريق تفتحت معالمه وبانت علاماته، والثورة مستمرة كما يعلن صناعها الأصليون، ولن يكون هناك عودة إلى الوراء حتى شفيق نفسه لا يجرؤ على القول بذلك وهو أعلن جهارا نهارا تبرؤه من النظام السابق، حتى لو كانت تصريحاته بنت لحظتها، فإن ثوار الميدان بالمرصاد، فأين المفر؟