السعوديّة.. من المؤامرة العربيّة حتى القنبلة النوويّة!/ زهير اندراوس

السعوديّة.. من المؤامرة العربيّة حتى القنبلة النوويّة!/ زهير اندراوس


 

"السعودية من يوم العدوان لغاية دلوقتى بتهاجمنا، بتهاجمنا فى جرائدها وبتهاجمنا في إذاعتها، لكن لو بدينا إحنا بكره نهاجم السعودية كل الدنيا حتقول إن عبد الناصر ابتدأ المهاترات وبيهاجم الملك فيصل، وباقول دلوقت بقى لنا شهر ونص من يوم المعركة، الجرائد السعودية بتهاجمنا، الإذاعة السعودية بتهاجمنا وتظهر الشماتة فينا، وبرغم كده، بقول إن إحنا قمنا بالواجب والرجال دائماً يقوموا بالواجب، ما هربناش من المعركة، كوننا خسرنا المعركة مش عيب، لكن لو كنا هربنا من المعركة كان دا اللى يكون عيب". هذه هي كلمات الرئيس الخالد، القائد والمعلم، جمال عبد الناصر، في خطابه يوم 23 تموز (يوليو) 1967 تعليقًا على حملة الهجوم والشماتة التي شنها النظام السعوديّ بقيادة الملك فيصل بن عبد العزيز على هزيمة مصر في حرب 5 يونيو 1967، أيْ ما يُعرف بالنكسة التي حلّت بأمتنا العربيّة من محيطها إلى خليجها، ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه بقوةٍ: هل تغيّر النظام السعوديّ "الشقيق"؟ أمْ أنّه بات صهيونيًا أكثر من هرتسل، وتفوّق على قداسة البابا في كاثوليكيته؟
***
ولكن هل أقتصر الأمر على الشماتة السعوديّة فقط في هزيمة مصر؟ أمْ أنّ الأمر أعقد وأعمق من ذلك؟ وقبل محاولة سبر أغوار السياسة السعوديّة في المنطقة العربيّة، لا بدّ من التنويه إلى نقطة هامّة للغاية: العاهل السعوديّ، عبد الله بن عبد العزيز، ولأسباب نجهلها، قام باستدعاء الصحافيّ الأمريكيّ-اليهوديّ، توماس فريدمان، الذي يعمل في صحيفة (نيويورك تايمز)، والمعروف بتأييده غير المحدود للدولة العبريّة، وكشف أمامه النقاب عن مبادرة السلام السعوديّة، التي تحوّلت بقدرة قادرٍ إلى مبادرة استسلام عربيّة، نميل إلى الترجيح بأنّ "الكشف" عن المبادرة بواسطة صحافيّ أمريكيّ، نابعٌ في ما هو نابعٌ من فائض الشعور بالنقص، الذي تُعاني منه سلالة آل سعود، ذلك أنّ الزعماء العرب يتبنون خطابًا يحمل مفردات عجيبة غريبة عندما يتحدثون للصحافة الأجنبيّة، تمامًا كما يفعل الرئيس غير الرئيس، محمود عبّاس، عندما يُخاطب الإعلام العبريّ في دولة الاحتلال: نفاق، رياء، مهاترات، مداهنات، وما إلى ذلك من مصطلحات يعج بها مُعجم الزعماء العرب.
***
من نوافل القول في هذا السياق التشديد على أننّا لا نكره أيّ إنسان على وجه هذه البسيطة، ولا نهتم بقوميته أوْ دولته، أوْ أيّ شيء من هذا القبيل، ذلك أننّا جميعًا كأسنان المشط، مع ذلك، أو بالأحرى، على الرغم من ذلك، لاحظنا أنّ الشعور بالنقص بات مرضًا استعصى عليه كبار الاختصاصيين في علم النفس، وللتدليل على ذلك، أطّل علينا مطلع الأسبوع الجاري، السيّد دنيس روس، وهو بالمناسبة أوْ بعدمها، أيضًا من اليهود الأمريكيين، وكشف النقاب عن أنّ الملك السعوديّ هدد أمريكا، الرجاء الانتباه، الملك السعوديّ هدد الإدارة في واشنطن، أرغى وأزبد، خلال اجتماع سريّ مع روس، مستشار أوباما السابق لشؤون الشرق الأدنى، وذلك في شهر نيسان (أبريل) من العام 2009، والكلام لروس، كما أوردته صحيفة (هآرتس) العبريّة، في عددها الصادر يوم الاثنين، هدد الملك رأس حربة الإمبرياليّة في العالم بأنّه في حال حصول إيران على السلاح النوويّ، فإنّ بلاده ستعمل على تطوير برنامج نوويّ، وأضاف روس، بازدراء واحتقار لجميع الناطقين بالضاد قائلاً: ألقيت أمام الملك محاضرة عن مخاطر النوويّ، لمدة نصف ساعة، ولكنّه تعنت، وعاد وأكد على أنّه لن يتراجع عن تهديده، ربًما، والكلام ليس لروس، لأنّه لا يوجد حدا أحسن من حدا، كما يقول مثلنا العاميّ.
***
والآن، ولكي نتجنب الرقابة العسكريّة الإسرائيليّة، وهي على فكرة، الوحيدة الموجودة في دولةٍ ديمقراطيّةٍ، مع أنّ الدولة العبريّة، تبعد عن الديمقراطيّة ألف سنة ضوئية، ونتجنب عقابها، نُشدد على أنّ ما نسوقه في هذه العجالة يعتمد على مصادر أجنبيّة مائة بالمائة، وهذه المصادر عينها تقول إنّ الفرن الذريّ الإسرائيليّ في ديمونا، أُقيم في الخمسينيات من القرن الماضي، بمساعدة من فرنسا الاستعماريّة، التي قتلت أكثر من مليون ونصف مليون عربيّ جزائريّ، لأنّهم ثاروا ضدّ استباحة بلادهم من قبل غزاة القرن الـ20، أيْ ما نُريد قوله إنّ إسرائيل أصبحت قوة نوويّة، قبل عشرات الأعوام من بدء إيران بتطوير برنامجها النوويّ، وعليه فإنّ التساؤل هو كالتالي: لماذا لم تُهدد مملكة آل سعود الولايات المتحدّة الأمريكيّة بأنّه في حال حصول "الكيان الصهيونيّ" على الأسلحة غير التقليديّة، فإنّها ستعمل على اقتناء الأسلحة النوويّة؟ لماذا يحق لإسرائيل، حسب المصادر الأجنبيّة، نسأل قادة الرياض وخادم الحرمين الشريفين تحديدًا، لماذا يحّق لها امتلاك هذه الأسلحة الفتّاكة، بينما تُمنع إيران من تطوير برنامج نوويّ لأغراضٍ سلميّةٍ، كما يؤكد أركانها في طهران؟ هل الأسلحة النوويّة الإسرائيليّة لا تُشكّل خطرًا على دول مجلس التعاون الخليجيّ، بينما تتحوّل الأسلحة الإيرانيّة إلى تهديدٍ وجوديّ على الممالك والسلطنات والإمارات؟
***
القضية أعمق من ذلك بكثير، وهذا بطبيعة الحال، رأينا المتواضع جدًا، فالسعوديّة لا تملك القرار السياسيّ، ذلك أنّ التوجه إلى النوويّ يحتاج إلى قرارٍ إستراتيجيّ من هذه الدولة أوْ تلك، والرياض لا تجرؤ على اتخاذ أيّة خطوة دون الحصول على الضوء الأخضر من إمبراطوريّة الشر في أمريكا. علاوة على ذلك، يحقُ لنا أنْ نسأل، أوْ يجب علينا أنْ نتساءل: ماذا تُصنّع السعوديّة؟ مؤخرًا تمكنّت المملكة من "اختراع" زيت للسيارات أطلقت عليه اسم (أمريكانا)، ونعتته بفخر الصناعة العربيّة، ونعتقد أنّ الانتقال من إنتاج زيت السيارات إلى الأسلحة النوويّة بحاجةٍ إلى عقول وأدمغة غير متوفرّة في السعوديّة، وإذا توفرت فإنّها انضمت إلى هجرة الأدمغة العربيّة إلى الغرب، وتحديدًا أمريكا، من هنا، نقول ونجزم، ونفصل أيضُا أنّ تهديدات العاهل السعوديّ هدفها الوحيد تأليب الأمريكيين على إيران، ودفعهم مع أوْ بدون إسرائيل، لتوجيه الضربة العسكريّة للبرنامج النوويّ "الشيعيّ"، كما يحلو لأركان دولة الأكثريّة اليهوديّة تسميته، تماشيًا مع نظرية تفتيت العالم العربيّ، السعودية غير معنية بحصول إيران على النوويّ لعلمها بأنّ هذه الدولة "الفارسيّة" ستتحوّل بعيد امتلاكها هذا السلاح من قوة إقليميّة إلى دولة عظمى، وهذا الأمر يقض مضاجع حكّام المملكة، ويدفعهم إلى التآمر العلنيّ مع أمريكا وإسرائيل على سوريّة، مثلاً، من أجل منع "الشيعة" من الحصول على النوويّ، لكي تُوجّه الضربة العسكريّة لإيران، ولكن ما لم يأخذه هؤلاء الملوك والأمراء بالحسبان هو أنّ إيران، بحسب المصادر الرسميّة، تمتلك الصواريخ القادرة على إشعال الخليج العربيّ، ويكفي في هذه السياق تذكير منْ نسي أوْ من تناسى بأنّ الشهيد البطل، صدّام حسين، عندما دخل إلى الكويت وأشعل آبار النفط  فيها، ارتفعت الأسعار بصورةٍ خياليّةٍ، فكم بالحري، لا سمح الله، ونحن لسنا دعاة حرب، فكم بالحري إذا تعرضت إيران للضربة وردّت الصاع صاعين؟ هل أمريكا قادرة على المجازفة بأسعار النفط من أجل عيون آل سعود؟     
***
وهذا الزمان، أختي العربيّة وأخي العربيّ، للتذكير بأننّا نسينا النشيد الذي كان أوّل كلامنا ونحن في سنّ الطفولة: بلادُ العُربِ أوطاني منَ الشّـامِ لبغدانِ ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ إلى مِصـرَ فتطوانِ فـلا حـدٌّ يباعدُنا ولا ديـنٌ يفـرّقنا لسان الضَّادِ يجمعُنا بغـسَّانٍ وعـدنانِ، ( بلاد العرب، كلمات: فخري البارودي)، وأصبحنا نغني وننشد أناشيد الأحياء والحارات ونقول حارتنا أجمل الحارات والحب والولاء لحارتنا وهكذا، وأصبحت كلمة الوطن العربيّ والقومية العربيّة نادرة الاستعمال، لا توجد إلا في الكتب القديمة، وظهر بدلاً منها الشرق أوسط والمغرب وشمال أفريقيا والخليج وغيرها من المسميات، حتى جامعة الدول العربية صارت جامعة تسليم الدول العربية للاستعمار الحديث، ولسان العرب أصبح من الألسنة المهددة بالانقراض، وأصبح الدين الواحد يُفرّقُنا بعد أنْ كان يجمعنا، فهذا ينتمي إلى الفئة الدينيّة هذه وذاك لتلك، و قدّم العرب ليبيا على صينية ذهبيّة للاستعمار وحيّدوا مصر وأوقفوا اقتصادها وأصبحوا يريدون الديمقراطيّة، ولكن من يطالبون بها يرفضون الرأي الآخر، يطلبون العدل واحترام القضاء وفي الوقت نفسه يرفضون قراراته وعدالته، يطالبون بشيء وإذا لم يكن على أهوائهم يرفضون، وهاهم بني العرب يحاولون تقديم سوريّة ضحية على مذابح الاستعمار، وبعدها لا نعرف الدور القادم على أيّة دولة عربية، ونتفاخر عامّة بأننّا نمر في ربيعٍ عربيّ، أيُّ ربيع وبلادنا العربيّة أصبحت قواعد للاستعمار ومرتعًا للإمبرياليّة ومصاصي دماء الشعوب وصناّع الجوع والفقر والذلّ والهوان؟
***
ونُنهي بقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) صدق الله العظيم.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص