ثقافة حوار الأحذية والمسدسات../ د. فايز رشيد

ثقافة حوار الأحذية والمسدسات../ د. فايز رشيد

مؤخراً، زاد استعمال الأحذية بين المتحاورين على الفضائيات العربية. أحدهم لم يكتفِ برمي الحذاء على مُحاورِه بل سحب عليه المسدس، ولولا فزعة مقدّم البرنامج لربما أطلق عليه الرصاص وقتله... لماذا؟ لأنه يختلف مع رأيه! ثقافة ما بعدها ثقافة! تصوّر أنك إذا دعيت لحوار على إحدى الفضائيات العربية، فمن الضروري لك ارتداء سترة واقية من الرصاص وخوذة للرأس، وسدادة للأذنين من أجل حماية السمع لديك. تصور أنك بحاجة إلى البحث عن أحذية مستعملة لاستعمالها في الحوار، فربما يقوم محاورك برمي حذائه في وجهك، ومن أجل أن لا تجعله ينتصر (وهذا عيب في حقك) عليك أن ترميه بحذاءين وذلك (حتى ترد الصاع صاعين وما فيش حد أحسن من حدا). 

تصور أنك بحاجة إلى توظيف جهاز استخباراتي سرّي حتى يقوم بتقصي الحقائق عن الأسلحة التي سيحملها ويقوم باستعمالها الشخص الثاني (محاورك)، ومن أجل الرد عليه، عليك أن تحمل كلاشنكوف، وإن جاء هو ببندقية أمريكية (إم 16) فعليك إحضار رشاش 500. يضع المتحاوران أسلحتهما على الطاولة، ومن ثم يبدأ الحوار!

هذا أيضاً ليس كافياً، فعليك إتقان المصارعة والملاكمة والجيدو والتايكواندو، فربما هو يتقن إحدى هذه الوسائل القتالية، ذلك حتى لا تكون مخذولاً أمام المشاهدين وتُسجّل عليك الهزيمة، فعليك بطحه على الأرض وإدماؤه، مما يستلزم وجود سيارة إسعاف بفريق طبي متكامل، على رأسه طبيب يقوم بما يلزم عمّا سيفسر عنه الحوار. أما مقدّم البرنامج فعليه كما عليك أن يكون وتكون من ذوي العضلات المفتولة التي لا تخترقها السكين، وعليه كما عليك أن يقف الصقر على شنبك وشنبه، فبقدر حجم العضلات وطول الشنب يكون مقدار انتصارك  وتكون هزيمة خصمك، والأفضل أن تصرعه بالضربة القاضية من أجل أن يلبسه العار، ويجلّلك النصر. هذا لا نكتبه من وحي الخيال فتطور الحوار في وطننا العربي يمر في مرحلة الأحذية والمسدسات، ولربما سيتطور إلى قذائف ال أر.بي.جي. وقذائف الهاون.... مسخرة ما بعدها مسخرة! وحول ثقافة الحوار نقول:

من الطبيعي أن يختلف البشر ذلك كان منذ بدء الخليفة وهو موجود وسيظل ما بقيت حياة، ومادام هناك ناس يعيشون على وجه البسيطة. غير أن من اللامعقول أن يصل الاختلاف إلى حدِّ الاسفاف في كيل الاتهامات والأخرى المضادة بين شخصين يحملان وجهتي نظر مختلفتين، وأن تجري شخصنة هذا التعارض للهجوم على ذات الآخر، في محاولة تسفيهه وتحطيمه والنيل منه ومن شخصه ومن معلوماته..... إلى غير ذلك من أشكال بعيدة كل البعد عن احترام الرأي والرأي الآخر، ومقولة (الاستعداد لموت الأنا في سبيل الأنت-الآخر-من أجل أن يقول رأيه).... بما يعمل على تحريف ثقافة الاختلاف عن مسارها، ويؤدي الى ضياع المعلومات (هذا إن وجدت)، وبقاء الصراع كظاهرة، والشتم كحقيقة، والصراخ والتشنج كمشهد ميلودرامي مقيت وكريه، بعيد عن العقل والمنطق والحضارة وأصول الاختلاف، بل يقع خارج إطار المنطق والمكان والزمان أيضاً! ما أسهل هذه الأسلحة أمام استعمال الأحذية والمسدسات في الحوار.

تترافق هذه المسائل مع قضية أخرى وهي تقييم الآخر، فإذا كنا نحب إنساناً نراه في صورة نقية ناصعة البياض بعيدة عن أي خلل، وإذا كنا نكرهه لموقف شخصي (على سبيل المثال) نراه أسود تماماً بعيداً عن احتواء أية إيجابيةٍ في ذاته أو في خُلقه، فإما أبيض وإما أسود، بعيداً عن التقييم الصحيح. الذي يُفِّرْ بالإيجابيات والسلبيات وهي الموجودة بالطبع في مطلق إنسان. إن نفي وجود اللون الرمادي هو مسألة بعيدة عن الواقعية. الغريب هو انقلاب الموقف مائة وثمانين درجة بالنسبة لتقييم نفس الشخص نتيجة لحادث خلافٍ صغير معه.... فينقلب من صديقٍ حميم إلى عدوٍ غشيم!

مناسبة القول: ما نراه على الفضائيات من حوارات ساخنة حد الغليان، وما نقرأه في بعض الصحف من لغة حوار شوارعية بذيئة، وما نشاهده في بعض البرامج من طريقة اختلاف ممجوجة ومتبذلة لا يستفيد منها المشاهد شيئاً، بل هي أقرب إلى المصارعة منها إلى لغة الحوار البشري العقلاني، وبخاصة بعد (حقن) طرفيها بعناصر الإثارة واستعداء كل طرف على الأخر!

ندرك أن عامل (الإثارة) هو وحده الذي يتحكم إن في نشر مثل تلك الحورارات، أو في المشاهد المؤلمة لهذه البرامج، والتي إن تعود بفائدة فإنما على مقدميها الذي يعيشون الهاجس الشخصي وحب الإشارة إليهم بالبنان في نرجسية مقيتة، بعيداً عما يدّعونه من أهداف. تلك المقالات وهذه البرامج لن تعود بأية فائدة لا على فضائياتها الأم، ولا على المشاهدين بالطبع... وهي (وإن استطاعت خداع كلِّ الناس بعض الوقت أو بعض الناس كلّ الوقت، فلن تستطيع خداع كل الناس، كل الوقت) والأجدر بالقائمين على تلك الصحف وهذه الفضائيات مراجعة النفس في مدى فائدة استمرار هذا النمط الإسفافي في الحوار، الذي استنفذ أغراضه (الثانوية) منذ زمن طويل وأصبح عبئاً ليس على الفضائيات فحسب، وإنما على المشاهدين أيضاً وعبئاً على المثقفين، فالمتحاوران والحالة هذه يتصرفان مثل ديكين، حيث يتغطى المنطق بالصوت العالي، وتختفي الأدلة المقنعة بطول اللسان وهكذا دواليك. 

الاختلاف هو ثقافة، والإسفاف هو أيضا ثقافة (للأسف)، والأخير هو حجة من لا يملك المعلومات، وهو دليل ضعف أكثر منه عنصر قوة، وإلا لكان الرّداحون هم أكثر من يملك المعلومات! وهذه المسألة مجافية للحقيقة.

المصابون بعقدة النقص هم الأكثر علوّاً في أصواتهم، وهم الأكثر ادعاءً بامتلاك الحكمة والحقيقة المطلقة، والأخيرة بالطبع هي خارج نطاق القدرة الإنسانية، فجلَّ الذي لا يسهو ولا يخطئ . هؤلاء هم المثقفون الدكتاتوريون والذي قال عنهم المفكر العربي: محمد عابد الجابري (يحتوون في أوساطهم من هم أكثر قمعاً إن تولوا المسؤولية من أكثر الدكتاتوريين تطرفاً) ولذلك تراهم يضيقون ذرعاً بالنقد الذي يوجه إليهم.... مع العلم أن واحداً من أعظم رجالات التاريخ العربي-الإسلامي وهو الخليفة العادل (الفاروق): عمر بن الخطاب(رضي الله عنه)، كان وهو خليفة المسلمين يفتح صدره للنقد من أيٍّ كان: من عظماء القوم ومن أبسطهم، وهو لم يصغر بذلك بل ازداد علوّاً وعظمةً. ألم يئن الآوان لبتر عملية الترويج لثقافة الإسفاف في الاختلاف؟ ومهمة من هذه؟ مهمة المثقفين؟ مهمة المجتمع؟ مهمة الذات في ضرورة تربيتها؟ الحصيلة أنها مهمة كل هذه الأطراف مجتمعةً، لكن يبقى الدور الرئيسي للفضائيات التي لا تشترط على المتحاورين أسلوباً إنسانياً وحضارياً في الحوار! ويبقى الدور الرئيسي أيضاً لمقدمي البرامج الحوارية، فبعضهم في داخله يضحك بملء شدقيه كلما ازداد منسوب الاختلاف وارتفع الصوت واستعملت الأدوات القتالية.... أرحمونا من أشكال هذا الحوار الكريه!.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018