مرسي في ذكرى ثورة يوليو../ د. مخلص الصيادي

مرسي في ذكرى ثورة يوليو../ د. مخلص الصيادي

لا أظن أن أحدا توقع أن يقف الرئيس المصري محمد مرسي موقف المؤيد لثورة يوليو في كلمته التي وجهها للشعب في الذكرى الخمسين للثورة، لكن ما كان مطلوبا أن يكون موضوعيا في حديثه عن الثورة، وعن انجازاتها، وعن قيادتها، فثورة يوليو لا تذكر إلا في إطار ذكر القائد المعلم جمال عبد الناصر، أحب البعض ذلك أم كرهه.

من لا يفهم ثورة يوليو لا يفهم ثورة يناير

في هذه المرحلة الخطيرة التي لا تتحمل رؤى ذاتية، أو عواطف شخصية، أو ثارات حزبية، يصبح واجبا على الرئيس المصري الذي يمسك دفة القيادة أن يقدم قراءة موضوعية لتاريخ ثورة يوليو، ولمراحلها.

لقد تحدث مرسي عن أهداف الثورة وما أنجزته وما أخفقت فيه، على مستوى الوضع الداخلي، وعلى مستوى السياسة الخارجية، لكنه امتنع عن تحديد مقياس موضوعي للثورة، لذلك حينما جاء حديثه عن السنوات الثلاثين السابقة أشار إلى أنها "تراجعت خطواتها في إقامة حياة ديموقراطية حقيقية... وفشلت التجربة الديموقراطية في الثلاثين سنة الأخيرة بفعل التزوير والاستبداد الذي انتهج في نهاية المطاف فسادا استنزف الكثير من موارد وإمكانات مصر".

** وللمراقب أن يسأل رئيس الجمهورية ما الذي دفعك لوضع الستين سنة الماضية من عمر الثورة في سلة واحدة؟!.
** لماذا هذا الاصرار على وضع جمال عبد الناصر، وأنور السادات، وحسني مبارك، في سلك واحد هو سلك ثورة يوليو؟!.
** وإذا كان المعيار في ذلك أن ثلاثتهم من أصول عسكرية فهل يجوز لمن يقف في الموقع الأول من قيادة البلد أن يعتبر أن الأساس العسكري للرؤساء الثلاثة السابقين هو المحدد لمعنى وجوهر ثورة يوليو؟!.
السؤال يتصل برؤية المرحلة الماضية، كما يتصل برؤية الوضع الراهن والمستقبل. ويستتبع هذا السؤال سؤالا آخر،
** هل الدعوة التي التف حولها معظم الشعب المصري لرفض الفريق أحمد شفيق أن يكون رئيسا لمصر وضرورة إسقاطه عبر صناديق الاقتراع كان دافعها أنه عسكري!

إن كانت هذه حدود تفكير الرئيس مرسي، فهي حدود بائسة، وعاجزة عن تحقيق لقاء وطني عام تحتاجه المرحلة، وهي رؤية ظالمة تستعدي على الفور قوة رئيسية في المجتمع المصري، يقع عليها مهمة حماية الوطن وحماية خيارات الشعب وهي قوة الجيش،

إن الانتماء للجيش شرف، ومصدر من مصادر العزة، والخلفية العسكرية لم تكن يوما مانعا لتسلم مسؤولية سياسية، بل لعلها تكون مساعدة على القيام بالمسؤوليات السياسية لما للتربية العسكرية من قواعد وضوابط يحتاجها قائد البلاد في اللحظات الحرجة.
وإن لم يكن رفض شفيق سببه أصله العسكري فلماذا رفض؟، لماذا كان هناك حشد شعبي على رفضه؟

الأمر لا يحتاج الى كثير عرض، أو استدعاء للشواهد، الناس رفضوا شفيق لأنه جاء تعبيرا عن النظام السابق، عن سياسات النظام، وخيارات النظام، رغم أنه أعلن بوضوح التزامه السبيل الديموقراطي، بل إن ترشحه في معركة تنافسية تدل على هذا الالتزام، القضية عند عموم الناس لم تكن الشك بالتزام شفيق طريق الديموقراطية، وإنما اليقين أن في نجاحه إعادة انتاج لنظام مبارك، أي لسياسات نظام مبارك، وانحيازاته، وتحالفاته، والقوى الاجتماعية التي يمثلها، وكل ذلك عن طريق صناديق الاقتراع.

هذه هي الحقيقة الجلية التي لا يجوز ولا يحق لرئيس الجمهورية أن لا يراها، أو أن يشيح بوجهه عنها، وهذه الحقيقة في هذا المقام ذات أهمية بالغة، وكان يجب على الرئيس مرسي أن يأخذ بها، وأن يطبقها على رؤيته لثورة يوليو، ولمن يمثل ثورة يوليو، وله بعد ذلك أن ينتقد أو يرفض أو يؤيد ما يريد من تاريخ هذه الثورة وإنجازاتها.

ولو فعل الرئيس ذلك لامتلك الأساس الموضوعي الذي نطالب به، ولأمكن له أن يرى الفارق بين القادة الثلاثة الذين مروا على مصر عبر الستين سنة السابقة، بل لامتلك أساسا موضوعا لوصف الرقم الذي تستحقه ثورة يناير وجمهوريتها في التاريخ المصري المعاصر، هل هي الجمهورية الثانية، أم الثالثة.

إن الفارق الرئيس بين ثورة يوليو وثورة يناير أن الأولى نفذتها طلائع القوات المسلحة بعد أن وصلت الحياة السياسية في مصر الى مرحلة العطالة، وباتت الأحزاب جميعها تتلطى على أبواب القصر الملكي، بينما ثورة يناير نفذتها القوى الشعبية بثورتها وتحركها الشعبي المباشر، وقد مكنها حياد القوات المسلحة ورفضها أن تستخدم من قبل رأس النظام في أن تنجز مهمتها أو بعض أوجه مهمتها بأقل الخسائر.

الأهداف بين ثورة يوليو وثورة يناير تكاد تكون واحدة، والقوى التي جاءت الثورة استجابة لاحتياجاتها تكاد تكون واحدة، لكن الطريق اختلف، وبطبيعة الأمر فإن ملابسات ممارسة السلطة وطرق تجسيدها ستختلف.

ولعله من المفيد هنا وقد وجه الرئيس مرسي نقده لقضية الديموقراطية في عصر يوليو أن نذكره بأن نظام الحكم الذي أقامه جمال عبد الناصر منذ بداية الثورة، وهو النظام القائم على تنظيم سياسي واحد يجمع قوى الأمة، ويحشدها في اتجاه أهداف الثورة وسياساتها، هو نفسه النظام الذي دعا إليه الإمام حسن البنا رحمه الله في رسائله، والذي كان لا يرى الخير في التعدد الحزبي، ولعل شيوخ الاخوان المسلمين يتذكرون، ـ ومن قرأ التاريخ يعلم ـ أن قيادة الاخوان لم تكن معترضة على قانون حلّ الأحزاب، وأنهم استجابوا لطلب جمال عبد الناصر في تغيير النظام الأساسي للجماعة حتى لا يطالهم قرار الحل، هذه الملاحظة أذكرها هنا، وأنا أعلم أننا جميعا بتنا نتبنى منذ حين النظام الديموقراطي التعددي، لكن هذه حقيقة تاريخية ويجب أن نقرأها نقيمها في إطار نسقها التاريخي.

الانقلاب على ثورة يوليو

إن أحدا يملك أقل قدر من الموضوعية والرؤية الصائبة لا يستطيع أن ينكر أن الرئيس المصري الأسبق أنور السادات انقلب على خط ثورة 23 يوليو وعلى سياساتها وعلى رؤيتها لمكانة مصر ودورها في عالمها العربي والإسلامي وفي العالم، ليس مهما هنا أن نوافق عبد الناصر على تلك الرؤى أو نعارضه، لكن أن نتعامى عن انتهاج السادات طريقا آخر فهذه خطيئة لا يمكن فهم دوافعها أو قبولها.

لقد فتح السادات طريقا آخر في العمل السياسي الداخلي غير طريق عبد الناصر، البعض يقول إن عبد الناصر كان يخطط لتعدد حزبي، وهذا القول صحيح، وأنه تمت مناقشة هذه المسألة في اللجنة التنفيذية العليا لقيادة الاتحاد في ظروف بيان 30 مارس 1968، وهذا صحيح أيضا، لكن كل هذه كانت خططا وأفكارا، أما السادات فقد انتج طريق التعدد الحزبي الذي تابع فيه مبارك، ويجب أن نستذكر ونذكر الرئيس محمد مرسي أن السادات وهو يفتح هذا الطريق، وهو ينقض على سياسات عبد الناصر وانحيازاته اتخذ من الأخوان المسلمين حليفا، أخرجهم من السجون، وفتح لهم طريق السيطرة على الجامعات، وفي هذا الاطار التقى مرشدهم العام. كل هذا جزء من التاريخ، لا يمكن تغييره ولا يمكن طمسه.

والتغيير الحقيقي الذي أجراه السادات لم يكن هذا الذي جرى في مجال الممارسة الديموقراطية، كان هذا مجرد برقع، وعملية تزيين للطريق الذي اتخذه.

التغيير الحقيقي الذي قام به السادات باختصار كان الانتقال الى الحلف الأمريكي، بما يعني ذلك التحالف مع اسرائيل، وفتح البلد لكل أنواع النهب والفساد والسرقة، وتفكيك القطاع العام وبيعه هدرا، وإدارة الظهر لفقراء مصر وقوتها الرئيسية، والتحلل من كل التزام وطني أو قومي أو ديني، وحينما جاء مبارك غذ السير سريعا على هذا الطريق. إن مبارك هو السادات نفسه لكن بوتيرة تسارع أكبر، تسارع يتلاءم مع التغييرات التي جرت في أعقاب توحش الليبرالية الأمريكية الجديدة، وفي أعقاب انتهاء فترة القطبية والحرب الباردة.

لقد تسلم السادات ومن بعده مبارك مصر دون ديون خارجية تقريبا، وحينما قتل السادات كانت ديون مصر نحو أربعين مليار دولار، أما حينما خلع مبارك فديون مصر الخارجية والداخلية تكاد تأكل معظم الدخل القومي المصري.

عبر الستين عاما التي مرت على مصر كان هناك نظامين :
** أحدهما التزم فقراء مصر، وأقام خطط التصنيع وبرامج التعليم، والاصلاح الزراعي من أجل ان يغير الموازين الاجتماعية في هذا البلد فيكون لكل فرد فرصة حقيقية في التقدم والتعلم والصحة والمستقبل، وعمل على توفير استقلال الارادة الوطنية على مستوى العالم، وتمثل الحجم الحقيقي لمصر وتصرف على هذا الاساس، فأصبحت مصر في العالم العربي، وفي أفريقيا، وعلى مستوى بلدان العالم الثالث القطب الذي ينظر اليه الجميع، ويجعلونه ميزانا لمواقفهم، وأفكارهم، واخلاقياتهم، وقد استمرهذا النظام منذ انطلاق الثورة وحتى وفاة جمال عبد الناصر، وبعيد ذلك بقليل.
** والآخر التزم سياسات الانفتاح، وسلم مفاتيح الأمر كله إلى واشنطن، ومن ثم إلى تل أبيب، ورضي لهذا البلد العظيم ما ارتضاه له أعداؤه، فكك الاقتصاد، وباعه في صفقات مشبوهة لأزلامه وللطبقة التي قامت تحميه، ليقتل أهم تجربة نهوض في العصر الحديث، زامنت ورافقت النهضة الهندية والكورية الجنوبية، وباع كرامة الوطن برشى أخذها أركانه، وأصبحت مصر مزرعة عائلية في نظام لم تشهد له مثيلا ولا في العصر الملكي، وتخلف عن ذلك فقر لا مثيل له، وتبعية لم تبق هامشا لكرامة شخصية أو وطنية، وثروات منهوبة تكشف أرقامها فظاعة ما كان يجري، كما تكشف عظم ما في هذا الوطن من ثروات وإمكانات.

نظامان مختلفان في كل شيء، في السياسات، في القيم والأخلاقيات، في القوى الاجتماعية التي يستند اليها، في التحالفات.

وإذا كان أول رئيس في جمهورية يناير لم يستطع أن يرى هذا الفرق، ولم يستطع أن يميز بين جمهورية ثورة يوليو، وجمهورية أتباع الولايات المتحدة الذين انقضوا على الثورة وأسقطوها، ولم يستطع أن يرى في نظام مبارك غير الاستبداد والفساد، وعمي بصره عن رؤية التبعية للغرب والارتباط مع الصهيونية، وافقار الشعب وقتله، وإضاعة أمن مصر القومي على الجبهتين العربية والافريقية، فنحن أمام إشكال كبير، لا يوصف بضعف الرؤية، وبالرؤية الحزبية الضيقة، وإنما بأبعد من ذلك بكثير.

يوليو التحدي الكبير أمام مرسي

نحن هنا لا ندافع عن مرحلة جمال عبد الناصر، ولا عن هذا القائد العظيم، فهما لا يحتاجان لمن يدافع عنهما، ولا نريد أن نفت في عضد الرئيس محمد مرسي، ونتمنى له أن يحقق لمصر كل التقدم، لكننا في ظل ما ظهر من محدودية رؤية مرسي نخشى أن يرى نفسه في لحظة قد لا تكون بعيد في المواقع نفسها التي كان يدعو إليها منافسه أحمد شفيق، ولينتج النظام نفسه الذي ثار عليه الشعب المصري في الخامس والعشرين من يناير.

قضية بلد مثل مصر، بحجمها، ومشاكلها، وإرث نظامها البائد، لا تعالج بالنيات الطيبة، وإنما بالسياسات والانحيازات والقوى الاجتماعية ذات المصلحة التي لا بد من الاستناد اليها لتحقيق أي تقدم.

وقضية بلد مثل مصر بعبقرية المكان الذي تحتله، وبثقل تاريخها، وبمسؤوليتها تجاه قضايا الأمة وفي المقدمة منها فلسطين، تتطلب بناء قوة وطنية قادرة على تحقيق الأمن الخارجي والداخلي والاتقاء الى مستوى تحديات ومتطلبات هذه الطبيعة، وهذا لايكون إلا بمعرفة العدو وتحديده بدقة حتى قبل معرفة الصديق.

قضية بلد مثل مصر بكل أبعادها ستضع كل قيادة، وأي قيادة تريد أن تكون صادقة وجادة على طريق عبد الناصر، داخليا وعربيا ودوليا، لا طريق غيره، فالرجل رحمه الله اكتشف عبقرية مصر التي صنعتها الجغرافيا كما صنعها التاريخ، واكتشف القوة الحقيقية في هذا البلد ممثلة بالقوى الشعبية، والتزم هذا الاكتشاف في كل حالاته، فكانت مصر وكان الشعب هو حاكمه وموجهه وميزانه في تقدير كل شيء، وإضافة الى كل هذا قدم هذا القائد نموذجا لطهارة اليد، ونقاء السريرة، وصدق القول والعمل، فأعجز أعداءه وأتعب رفاقه والعاملين معه، وهذا نموذج يتطلع إليه الشعب بحنين عجيب،
طريق عبد الناصر، وخيارات عبد الناصر، والنموذج القيادي الذي مثله عبد الناصر، سيبقى هو التحدي أمام الرئيس محمد مرسي وكل رئيس يأتي الى مصر، وأمام هذا التحدي يكون الاختبار الحقيقي.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018