أثمان استخدام التكفيريين ورعايتهم ومغازلتهم../ علي جرادات

أثمان استخدام التكفيريين ورعايتهم ومغازلتهم../ علي جرادات

العملية المريبة، بل المذبحة المشبوهة، التي وقعت على الحدود المصرية الفلسطينية وراح ضحيتها عشرات من أفراد قوات حرس الحدود المصريين بين شهيد وجريح، وحظيت بالإدانة والشجب والاستنكار والتنديد من الأطراف كافة، سواء المعنية بها بصورة مباشرة  أو غير مباشرة، هي، وبمعزل عما ستؤول إليه الجهود الأمنية والسياسية الرامية إلى كشف ألغاز هذه العملية المعقدة، (هذا إن حصل)، ليست سوى واحدة مما لا يحصى من عمليات مماثلة وقعت، في دول عربية وشرق أوسطية وعالمية عديدة على مدار عقود خلت، ما يحيل إلى سؤال كبير، فحواه: ما دامت كل الدول تتخذ موقفاً ضد هذه التنظيمات الدموية التكفيرية المتطرفة الجاهلة متنوعة الأسماء فيما مضمونها واحد، فلماذا إذاً لم تسفر جهود محاربتها إلا عن حصاد تناميها تنامياً بكتيرياً، تجلى مؤخراً في تحولها إلى مكون أساسي من مكونات المشهد السياسي والأمني في ليبيا وسورية ومالي ونيجيريا والنيجر وسيناء بعد العراق واليمن والصومال والجزائر، وبصورة أقل، قابلة للتكاثر، في لبنان وغزة وتونس، فضلاً عن أفغانستان وباكستان اللتين صارتا مستنقعين لتفريخ هذه التنظيمات وتصديرها ونشرها في العالم، منذ لجوء الولايات المتحدة الأميركية، داعية الديمقراطية وحقوق الإنسان وراعي نشرها والدفاع عنها في العالم إلى ترؤس رعاية تشكيل أولى وأهم هذه المجموعات التكفيرية، (طالبان والقاعدة)، وتمويلها وتسليحها في بداية ثمانينيات القرن الماضي في أفغانستان لمواجهة، والحد من انتشار "إمبراطورية الشر الشيوعي السوفييتي"، وفقاً لتصنيف الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، وبريطانيا تاتشر بالتعاون مع إسرائيل بيغن وباكستان والسعودية ودول وحركات إسلام سياسي عربية أخرى، ما قاد إلى تحويل  سياسة استخدام هذه التنظيمات ورعايتها على يد الدول، ("الديمقراطية جداً")، إلى سياسة سائدة حتى تفكك الاتحاد السوفييتي، و"انقلاب السحر على الساحر" في تفجيرات "غزوتي" نيويورك ومانهاتن في 11 أيلول 2001 التي اتخذها نظام المحافظين الجدد ذريعة لتدمير أفغانستان ثم العراق الذي تحول ببدعة "الفوضى الخلاقة" إلى دولة فاشلة تشكل مرتعاً لهذه التنظيمات التكفيرية وتمددها وانتشارها وتناميها كما يتنامى الفطر في يوم غائم.

إزاء الحقائق أعلاه أليس من المنطقي التفكير في أن مذبحة سيناء المعقدة ليست سوى مؤشر آخر، إنما من عيار أثقل، على مخطط يستهدف مصر الدولة والمؤسسات والمكانة والدور والنسيج الوطني والمجتمعي في مرحلة انتقالية مصيرية، وتخدمه بجهالة أطراف داخلية لا تدري أن تديين السياسة المصرية، بل ومذهبتها أيضاً، هو تماما كما أمركتها خلال عهد النظام السابق، وأنه لن يقود إلا إلى إعاقة تحولها الديمقراطي من جهة واستمرار تبعيتها من جهة أخرى، بحسبان أن مذبحة سيناء لا تطرح التساؤلات على محدودية السيطرة السياسية والأمنية المصرية على سيناء وفقا لاتفاقية كامب ديفيد فقط، بل، أيضاً على عدم إمكان حماية الأمن القومي المصري دون تصويب ما يسود غزة من أوضاع داخلية شاذة فصلتها عملياً، (هموماً ومعالجة)، بانقسام لا عن الضفة الغربية وقلبها القدس وحسب، بل أيضا، عن كامل قضية الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني برمته في الوطن والشتات.

على أية حال، وكما بعد كل عملية من طراز عملية سيناء، وكالعادة سنجد جهة أو جهات تكفيرية متطرفة جاهلة تعلن عن تبنيها لهذه العملية المذبحة، سواء كانت هي من نفذها فعلاً، أو أن طرفاً آخر اخترقها أو استخدمها أو استخدم اسمها غطاءً. ومن المقطوع به أن هذا الطرف سيكون بين أطراف تعلن ليل نهار، وعبر وسائل الإعلام كافة، عن معاداتها لهذه التنظيمات التكفيرية، وعن عزمها القضاء عليها واجتثاثها، لا باعتبارها تنظيمات تهدد استقرار المجتمعات والدول وأمنها وحسب، بل، وبوصفها جهات تضرب قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما الحقيقة المرة تقول:

   إن ممارسة السياسة الديمقراطية، إن لم تغذِّها، وترشدها، وتوجهها، وتحكمها، وتضبطها، رؤى فكرية تلتزم فعلاً لا قولا بقيم المساواة والحرية والعدالة، بوصفها قيماً إنسانية حضارية تتقدم البشرية بدأب واطراد، وإن بمسيرة متعرجة وصيرورة معقدة ومتناقضة، على طريق تطويرها وإعادة إنتاجها، فإنها، (ممارسة السياسة الديمقراطية)، لا محالة تكف عن أن تكون قاطرة تغيير اجتماعي يجسد هذه القيم، وتصبح أداة استعمال انتهازي لارتكاب الفظائع باسمها حدَّ التورط في مقارعة الخصوم باستخدام حركات التزمت والجهل والتطرف التي تعدُّ تنظيمات الإسلام السياسي التكفيرية الدموية الجاهلة، (كما الحركات الفاشية ذات المنشأ الأوروبي)، طبعة من طبعاتها، بينما مذبحة سيناء المريبة والمشبوهة ليست سوى إحدى إفرازات استخدام دول عربية وأجنبية "ديمقراطية جداً" لهذه التنظيمات، فضلاً عن رعاية نظام المذهب الوهابي السعودي وتمويله بثرواته الهائلة لبعضها، وعن رعاية إمارة قطر "الديمقراطية أكثر مما يجب" وتمويلها السخي لشتى تنظيمات الإسلام السياسي، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين التي بلا ريب تشكل أكثر هذه التنظيمات اعتدالاً، لكنها من أسف لم تقطع فكرياً مع هذه التنظيمات الجاهلة بصورة كلية وحاسمة، بل، وتغازلها أحياناً، وإلا ما معنى ألا يجد الرئيس المصري الجديد، مرسي، فاتحة لمعالم سياسته الخارجية، سوى التأكيد على أن "أمن الخليج خط أحمر مصري"، وعلى أن، (وهذا هو الأخطر)، "السعودية هي راعية المذهب الإسلامي السني الوسطي، وأن مصر هي حاميته"، وما معنى تأكيد المرشد العام لـ"إخوان" سورية العلني والصريح على أن لا غضاضة في أن تتدخل تركيا المسلمة عسكرياً في سورية، بما يذكِّر بتصريح علني أطلقه قبل سنوات المرشد العام السابق لجماعة "الإخوان"، مهدي عاكف، قال فيه: "أقبل أن يرأس مصر ماليزي مسلم على أن يرأسها علماني كافر"، وربما بتأثير هذا المناخ الفكري تحمس الأخ إسماعيل هنية أكثر من اللازم بعد فوز مرشح "الإخوان"، مرسي، برئاسة مصر، وتحدث عن انفتاح الباب أمام إعادة عهد "الخلافة"، بينما سبقه وزير داخليته، بإطلاق تصريح علني غريب عجيب، لكنه خطير أيضاً قال فيه: "لا مصالحة مع العلمانيين"؟

   لكن، ولأن كل شيء ينطوي على نقيضه، ولأن "السياسة جبر وليست حسابا"، بحسبان أن الحركة السياسية أعقد أشكال الحركة الاجتماعية التي تعدُّ بدورها أعقد أشكال الحركة بعامة، فإن الاستعمال السياسي لمثل هذه التنظيمات التكفيرية الجاهلة والمتطرفة، كما رعايتها ومغازلتها، إنما ينتج، (عاجلاً أو آجلاً)، نقيض مبتغى أصحابه، مصداقاً لحكمة مقولة "انقلاب السحر على الساحر"، وفي هذا يكمن الدرس السياسي الأساس، والاستخلاص النظري الأهم، اللذان يشيران إلى أثمان استعمال التكفيريين ورعايتهم ومغازلتهم، وهذا ما ينبغي على كل متضررٍ من مذابح التكفيريين، وآخرها مذبحة سيناء، التفكير فيه ومراجعة حساباته السياسية والفكرية على أساسه، أما ما دون ذلك فلا يعدو كونه غطساً في تفاصيل هذا الحدث المريب والمشبوه والمعقد والخطير في آن.   

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018