هل هي بلاهة أم سلوك متعمّد؟../ عوض عبد الفتاح

هل هي بلاهة أم سلوك متعمّد؟../ عوض عبد الفتاح

تتراكم الشواهد التي تؤشر إلى نفاد الحاجة الوطنية إلى السلطة الفلسطينية، بوظيفتها وببنيتها الحالية، ونهجها الحالي. والقول بنفاد الحاجة وصف مُخفف للمأزق الفاضح الذي تعيشه النخب الفلسطينية الممسكة بدفة الإدارة، وللنتائج الكارثيّة المتراكمة الناجمة عن استمرار هذا المولود الذي جاء حصيلة قراءة لميزان قوى ساد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والهجوم الإمبريالي على العراق عام 1991 والخروج باستخلاصات بائسة وسلوك متهافت. وكان وراء هذا السلوك خوف من تغييب النخبة أو الجزء المتنفذ فيها، التي قادت الثورة الفلسطينية منذ انطلاقها أواسط الستينيات.

ليس هذا التوصيف شتائميًا، أو هجومًا شخصيًا على أحد، بل هو مساهمة صغيرة من ضمن المساهمات العديدة، والتي لا تنفك تطلقها أصوات وازنة من بين صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية (بل من داخل الحزب الحاكم – فتح)، بهدف تعميق الوعي وتنبيه العقول والنفوس إلى حجم الكارثة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، على المستوى السياسي وعلى مستوى الحياة اليومية، وبالتالي إلى ضرورة إعمال العقل من بذل الجهد لإسقاط الوهم.

وتتجلى الكارثة في مشهدين؛ المشهد الذي تشكلـّه ماكنة الاحتلال على الأرض الفلسطينية المحتلة والمعاناة الإنسانية الناجمة عن ذلك، (الضفة، بما في ذلك القدس، وحصار غزة). هذا ناهيك عما تقوم به إسرائيل ضد فلسطينيي الـ48. والمشهد الثاني هو غياب الفعل القيادي الحقيقي المستند إلى رؤية شاملة في مواجهة هذا التغوّل الاستعماري في الوطن واستمرار الوهم بأنه بوجود سلطة كتلك القائمة حاليًا يمكن أن تأتي بدولة وإن استمرار التعلق بهذا الوهم ينطوي على مخاطر أخلاقية وفقدان قيمي متواصل. وبالتالي هناك حاجة لمواصلة وتصعيد التصدي لهذه الكذبة الكبيرة واعتماد الوصف الحقيقي لما هو قائم، فهذا واجب أخلاقي ووطني وضرورة إستراتيجية. إن الاعتياد على الوضع القائم، أو نقده بطريقة ملطّفة لا يمهّد العودة أو تجديد الفكر التحرري، فحسب، بل يكرّس الوظيفة الحالية للسلطة الفلسطينية.

نسوق هذا الكلام مجددًا على خلفية توقيع اتفاق اقتصادي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، الأسبوع الماضي،’ في وقت ينتظر المواطن العادي والمتضامن الأجنبي مع نضال الشعب الفلسطيني أن تسعى القيادة إلى التخلص من القيود التي تكبلها وتكبل حركة الشعب الفلسطيني نحو التحرر. ويتساءل المرء هل توقيع هذا الاتفاق تعبير عن بلاهة أم سلوك متعمد؟

كان لافتًا للنظر أن هذا الاتفاق الاقتصادي الذي وقعه رئيس الحكومة الفلسطينية سلام فياض مع وزير المالية الإسرائيلي، يوفال شطاينتس الأسبوع الماضي، لم يجد صداه في الساحة الفلسطينية على مستوى التحليل والنقد، ومرّ وكأنه أمر عادي في حين أن موافقة السلطة على لقاء موفاز ووجه بردّ فِعل سياسي وشعبي قوي. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هل تعب الصوت الناقد أم أنه وصل إلى حدّ اليأس من جدوى الصوت الناقد؟ هل يُنظر إليه كإجراء روتيني في سياق البنية الحالية، أم لأن بنود هذا الاتفاق غير معروفة بعد وما إذا كانت ذات منفعة للسلطة؟

المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية، غسان الخطيب شرح "أن الاتفاق هو خلاصة الاتصالات بين الطرفين على مدار ما يقارب العام بهدف معالجة النواقص في النظام الخاص بعوائد الضرائب التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة بموجب اتفاق باريس الاقتصادي، وبما يؤدي إلى الحدّ من الانسياب الضريبي، الذي يؤدي إلى خسارة استحقاقات مالية كبيرة للسلطة الوطنية الفلسطينية".

وأضاف "أنه اتفق خلال الاجتماع كذلك على تحسين الترتيبات والبنى التحتية الخاصة بنقل بضائع مثل مشتقات النفط إلى مناطق السلطة".

هكذا إذًا يرى أصحاب "البيت" أن هذا الاتفاق هو لصالح السلطة، وأن واقعها الراهن ومتطلبات استمرار وجودها المكبل بالاتفاقات الدولية، يدفعها إلى الإقدام على هذه الخطوة. فالنظر إلى هذا الاتفاق يأتي من داخل إطارها، إطار السلطة والمنظومة الثقافية والمصلحية المتولدة عنها والمرتبطة بأهداف ومصالح الدول الغربية. ما معناه أن هذا هو أقصى ما يمكن أن تفعله من أجل ما تعتبره خدمة للشعب الفلسطيني في حين أن الهدف هو توفير الوقود للحفاظ على البقاء، بقاء هذا المولود المشوّه المدعوم من مراكز الاقتصاد الرأسمالي الغربي والتي ليست معنية بالسلام بل "بالعملية". وبضمان الدور المتمثل في الحفاظ على أمن إسرائيل.

لقد أدت اتقافيات أوسلو ومراكز الاقتصاد الرأسمالي الغربي إلى حصر التفكير السياسي لأقطاب السلطة في داخلها، في حين أن الاحتلال المدعوم من القوى الغربية الحليفة له ولأنه يملك اليد الطولى والسيطرة المطلقة على الأرض والاقتصاد والموارد يتمتع بمطلق الحرية في ممارسة نشاطه الاستعماري. فهو يفعل ويتوسع وينهب، ويحاصر، ويسدّ الأفق بالكامل، سياسيًا وفعليًا، أمام الشعب الفلسطيني، وينتظر من السلطة أن تحمي هذا الفعل الاحتلالي. بل يهددها الاحتلال بالعقاب (تارة بحجب الضرائب عنها) تارة وعبر حليفها الأمريكي بالتهديد السياسي والمالي، إذا ما تجرأت بالشكوى، أو على القيام بخطوات ولو متواضعة لمواجهتها سياسيًا ودبلوماسيًا على المستوى العالمي.

تأتي هذه الشكوى أو المبادرات المتواضعة (كالتوجه إلى الأمم المتحدة، وتعليق المفاوضات) من داخل الإطار الأوسلوي وليس تمردًا عليه ومن إطاره التقسيمي (تقسيم فلسطين). وهي لا تشبه مبادرة الشهيد ياسر عرفات بإشعال الانتفاضة الثانية التي كانت بمثابة مراجعة لنهج أوسلو وتمردًا عليه وإن كانت مراجعة اتسمت بالفوضى وغياب الإستراتيجية الواضحة، مما جعل نتائج التضحيات الجسام التي قدمها شعبنا الفلسطيني البطل في مواجهة آلة العدوان الإسرائيلي الوحشي، هزيلة بل يمكن القول عكسية. وفي هذا السياق، فإن حركة حماس، رغم التضحيات الكبيرة التي قدمتها فإن لها حصة في المسؤولية عن هذه الفوضى والإخفاقات. هكذا دائمًا تقريبًا، تنتهي كل مرحلة ثورية لشعبنا بنتائج دون المطلوب، بسبب قصور القيادة الكارثي. طبعًا الرصيد الأهم من هذه المحطات الثورية هو أن هذا الشعب لا ينكسر أمام الضربات الخارجية والقصورات الداخلية وأنه قادر على أن يبقي قضيته حيّة.

لا توجد استراتيجية لدى السلطة في رام الله للخروج من المأزق الراهن (ولا حتى في غزة). ولا يوجد القرار ولا الإرادة ولا الرغبة في خوض نضال شعبي حقيقي ضمن خطة إستراتيجية تقود إلى إحداث تعديل على ميزان القوى الراهن حيث الاحتلال هو اللاعب الوحيد في الميدان، ولا يوجد حتى إرادة في خوض معركة دبلوماسية حقيقية منهجية جريئة عالميًا. يستند موقف السلطة السياسي إلى منطق الانتظار، والتقدم بخطوات خجولة نحو الساحة الدولية، لتعزيز مكانة القضية الفلسطينية في حين أن المطلوب هو المباشرة والتحلي بالجرأة للخروج من أسر هذا المنطق وقيوده.  أقطاب السلطة يتذرعون بانشغال العرب في ثوراتهم، ولأن المجتمع الدولي أزاح عن جدول أعماله القضية الفلسطينية حاليًا. ولكن هذا لا يمنع القيام بمراجعة حقيقية والعمل على تحصين الوضع الداخلي.

لكن الاحتلال لا ينتظر، بل يستبيح الضفة الغربية والقدس العربية يوميًا. هو يوسع الاستيطان، ويطهّر القدس من العرب ويكرس الاعتراف بجامعة "أريئيل"، ويشدد القيود على حرية التنقل، وينفذ الهدم ويواصل حصار قطاع غزة.

هذا يدل على أن دولة الاحتلال لا ترى الطرف الفلسطيني. بالنسبة لها هو غير موجود. هو يحتاج إلى وجود السلطة، وإلى بقائها على قيد الحياة لا أكثر، كوكيل يحافظ على ديمومة الوضع القائم ويقف سدًّا منيعًا في وجه أي انفجار شعبي عارم. مع أن الائتلاف اليميني الحاكم أصبح يضيق برئيس السلطة، أبو مازن، رغم مرونته الكبيرة، فقط لأنه لا يريد أن يستأنف المفاوضات في ظل استمرار الاستيطان وينوي استئناف التوجه إلى الأمم المتحدة بطلب عضوية فلسطين، أو عضو مراقب. بل هناك مؤشرات ومعلومات عن محاولات خارجية للدفع من أجل استبدال أبو مازن بسلام فياض.

وهنا يسأل السؤال، في هذا الوضع القائم، هل من مبرّر أخلاقي لعقد اتفاق اقتصادي مع دولة الاحتلال؟ ألا يعزز هذا الاتفاق واقع الاحتلال، ويكرس حالة التطبيع معه؟ كيف يمكن أن يستقيم ذلك مع حملة التوجه إلى الأمم المتحدة، أو مع المحاولات، حتى الخجولة، لمواجهة إسرائيل في بعض المحافل الدولية؟

يشكل هذا الاتفاق تكريسًا لاتفاق باريس الاقتصادي الذي وقع قبل وقت قصير من اتفاق أوسلو والذي ضمن السيطرة المستمرة على الاقتصاد الفلسطيني. وبالتالي يساهم في النهاية في جعل الاحتلال أكثر نجاعة.

من الواضح أن لا استراتيجية لدى السلطة الفلسطينية. ولا حتى برنامج عمل وازن، مما يوسع دائرة المتسائلين حول ما إذا كانت هذه النخبة الممسكة بدفة القيادة ذات شأن بالنسبة للشعب الفلسطيني.

لا يمكن مقاربة بنية القرار الفلسطيني الرسمي، بدون النظر في خلفية نشوء السلطة، دينامية بقائها وعلاقاتها المتشابكة اقتصاديًا وأمنيًا مع إسرائيل وبما يسمى الدول المانحة. لقد صدرت دراسات جدية عديدة حتى الآن، تجاوزت سطح السياسة  إلى البعد الأعمق – ألا وهو شبكة المصالح الاقتصادية التي ولدتها عملية أوسلو على مدار عشرين عامًا. هذه المقاربة وحدها مؤهلة لتفكيك بنية القرار الفلسطيني، وتفسير غياب الإرادة وغياب الرغبة، وغياب الخيارات البديلة الجريئة.

إن الدعم الاقتصادي الذي يُقدم من الدول المانحة، منذ توقيع اتفاقية أوسلو، لم يكن، وليس هدفه إقامة اقتصاد منتج، وتنمية حقيقية. فهدف الدعم هو سياسي، أي دعم عملية أوسلو، وعلى أساس الاقتصاد النيولبرالي الذي أدى إلى كوارث في العالم الثالث، بل الذي كان وراء الانفجارات الاجتماعية التي اجتاحت بلدان العالم الثالث والتي تجتاح الآن المنطقة العربية.

وكما هو الحال في العديد من دول العالم الثالث، فقد نشأت طبقة في السلطة الفلسطينية من البيروقراطيين والسياسيين والمثقفين، ترتبط بهذا النموذج وتعجز عن رؤية عواقب التبعية الاقتصادية والأمنية كعائق أمام التحرر، وأمام التفكير بحرية باستراتيجيات بديلة.
والمستهجن هو أن النقد الصارم الجاري لبنية السلطة لا يصدر إلا عن دائرة ضيقة من المثقفين الراديكاليين (فلسطينيين وأجانب)، أما ما تبقى من يسار على الساحة الفلسطينية فإنه في غالبية وجوهه، مسترخٍ وقاصر حتى عن القيام بهذا الدور. وهو دور ضروري لفتح أذهان الأجيال الجديدة وتركيم المعرفة والنظرة النقدية للواقع القائم، وتحفيزها على بناء الأداة التنظيمية والجماهيرية والعمل على دحر الارتهان لنهج التسوّل.

ولذلك ليس من المتوقع أن يأتي التغيير من داخل السلطة بل من خارجها، والسؤال متى؟.. هذا ما ستجيب عنه الأيام. والأيام هي كلمة مجازية، فالذي سيجيب عليه هو الشعب والشرائح المثقّفة المعبرة عنه. بمن فيهم مناضلون من داخل الحزب الحاكم – حركة فتح، التي كانت أول المستهدفين من المخطط الأمريكي-الإسرائيلي منذ أوسلو.

من الواضح أن الارتباط بجدول أعمال سياسي واقتصادي من الخارج، يقيّد الخيارات السياسية. إن الوعود التي قدمها موظف البنك الدولي السابق، ورئيس حكومة السلطة الفلسطينية، سلام فياض، حول النمو والنجاعة الاقتصادية، وإمكانية بناء مؤسسات دولة تؤدي إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة تناثرت، وتبيّن مدى هشاشة الفرضيّات الاقتصاديّة والسياسيّة والفكريّة التي يقوم عليها نموذجه.

لقد حلّ همّ تحصيل الرّواتب لعشرات آلاف الموظفين العاملين في السّلطة محل الطموح لدولة فلسطينيّة. ما يجري هو ليس فقط ربط الجهاز البيروقراطي للسلطة بالدول الخارجية، بل أيضًا تحويل الناس إلى مدينين للبنوك وإغراقهم بالدّيون وتكريس استعبادهم للمؤسّسات الماليّة الدوليّة العملاقة المسؤولة عن السّياسات الاقتصاديّة وعواقبها الاجتماعيّة الكارثيّة، مما سيطيل الوضع القائم ويفاقم معاناة الناس، هذه المعاناة التي مهما طال زمنها فإنها ستجد تعبيرًا لها على المستوى الشعبي، كما نشاهده في مختلف دول العالم المتقدم والدول النامية.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018