سقط القناع عن القناع: تكالبت قوى الشر على شام العروبة../ مصطفى طه

سقط القناع عن القناع: تكالبت قوى الشر على شام العروبة../ مصطفى طه

مرحلة فاصلة تشهدها سوريا العروبة، هي لحظة تاريخية لا يقبل فيها الحياد وقد بانت جلية أطراف الصراع الحقيقية، هو صراع بين محورين اصطفت فيه القوى الاقليمية والدولية الى جانب كل منهما، وازاء هذا الاصطفاف لا يمكن الا ان أكون في المحور المضاد للذي التقت فيه امريكا واسرائيل وتركيا وبريطانيا والسعودية وقطر والقاعدة والسلفيين معا، إذ لا يمكن لهذا الاصطفاف ان يحمل خيرا وأطرافه كانت تعادي تاريخيا كل من يحاول كسر عصا الطاعة للمشروع الامريكي الصهيوني على الدوام  ولا زالت، مقابل محور التقت فيه سوريا وايران وحزب الله وروسيا والصين والكثير من احرار العالم الذين كوتهم نار هذا المعسكر الذي قادته قوى الشر التي امتصت خيرات الشعوب ودماءها على الدوام.

هدم العراق بحجة دعمه لتنظيم القاعدة، وبحجة نشر الديمقراطية من خلال الدبابة الامريكية، وها هي الولايات المتحدة تلتقي مع القاعدة اليوم لهدم آخر موقع عروبي ممانع، ولا تتكالب هذه القوى الرجعية جميعا عليها إلا لأنها تشكل رحى المشروع المقاوم الذي صمد بامتياز أمام مؤامرة تصفيته نهائيا في تموز 2006، وبنفس أطراف الاصطفاف.

نريد تحولا ديمقراطيا حقيقيا في سوريا نعم، ونريد إصلاحات جذرية تقضي على الفساد وتبني المؤسسات الحقيقية بعيدا عن قبضة الأجهزة الأمنية وتعيد الاعتبار لكرامة الإنسان الفرد الذي لا تكتمل كرامة الوطن بدونه، وتؤسس لسيادة الوطن الذي تشكل فيه سيادة المواطن جهاز المناعة الأساس فيه، ونريد سورية ديمقراطية نعم، ولكن ممانعة في آن، ونريدها ديمقراطية بصنع أيادي ابناؤها لا بمعاول ديمقراطيات تحول الوطن إلى ركام، وتعيد عجلة  التاريخ فيه قرونا إلى الوراء، وتستنسخ مخلوقات هجينة لتلقي بها من على دبابة أمريكية لتستعمر ما تبقى من ركام  الوطن باسم مستعار.

بندر بن سلطان عين رئيسا للمخابرات السعودية وسيضع الملف السوري في أول سلم أولوياته كما صرح، وبندر هذا صناعة أمريكية ومؤتمر بأمرها، هو هو من سيضع كامل إمكانيات بلاده المادية والمخابراتية لنشر الديمقراطية في سوريا، وبمشاركة بلاده مع قطر وتركيا أقيمت قاعدة "للثوار" على الحدود التركية لمدها بالمال والسلاح لإسقاط النظام في دمشق، واستكمال المشروع الديمقراطي الذي يشغل بال أنظمة الخليج منذ عهدناه، فالديمقراطية عندهم نموذج يحتذى، وكرامة المواطن تشهد عليها علامات عصي رجالات "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" التي تنهال عليهم في الشارع العام لمجرد مخالفة سير، فليتصورن أحد ما هو الحال لو طالب بانتخابات ديمقراطية لتغيير الأسرة الحاكمة مثلا.

الحراك الشعبي السوري كان حتميا في ظل الربيع العربي، ومطالبه شرعية بلا أدنى شك، وأخطأ النظام خطأ قاتلا في شكل تعاطيه مع هذا الحراك مع بدايته عندما كان الشعب ينادي بالإصلاحات، ولم يرفع بعد شعار إسقاط النظام، ولكن المطالب الشرعية هذه وضعت شرعيتها موضع شك عندما ارتهنت لأجندات خارجية بانت جلية للعيان اليوم، أجندات تشابكت فيها كل القوى التي كانت تتربص للمشروع المقاوم على الدوام، وتتحين الفرص للانقضاض عليه، أجندات تهدف "لصوملة" الشام التي كانت فيها النزعات الطائفية من المحرمات، أجندات ركبت موجة المطالب المحقة للكثيرين لتجعل منها وقودا يحرق ما تبقى من عروبة سوريا التي دفعت ثمن وقوفها مع المشروع المقاوم في أحلك اللحظات حين تخلى العرب جميعا عنه، ثمن احتضانها لفصائل الثورة الفلسطينية حين تنصل منها كل الأشقّاء، ثمن وقوفها مع غزة بالغذاء والدواء والسلاح حين وقف العرب متفرجين جبنا في انتظار القضاء على المقاومة الإسلامية التي تنكرت هي الأخرى بمواقف انتهازية. كما هو حال بعض الحركات الإسلامية بما فيه إخوان مصر.

نريد تحولا ديمقراطيا في سوريا مع الحفاظ على موقعها الممانع، ولكن أيمكن لسوريا بقيادة القوى التي تطرح نفسها بديلا أن تبقى ممانعة فعلا والظهر الذي يقف وراءها على شاكلة السعودية وقطر والقاعدة والسلفيين إضافة لمحور الشر الذي تقوده أمريكا؟ وفي هذه النقطة بالذات بانت الخلافات بين أطراف المعارضة نفسها ممن لم يفقدوا البوصلة بعد، مع مثل هؤلاء يجب فتح الحوار والخروج بحل سياسي لإنقاذ سوريا الوطن والشعب وبُعدها الحضاري والتاريخي كونها حجر الأساس في عروبة العرب.

لا مجال لمن يحاول تغطية الشمس بعباءة أو غربال، ولا مجال للوقوف على الحياد في صراع بين محورين، ونحن أبناء الحركة الوطنية كنا ولا زلنا أحد أطراف محور تتهدده المخاطر الحقيقية، والذي يشكل فيه النظام السوري حجر الأساس، وبانهياره، لا سمح الله، سيتهدد المشروع المقاوم بمجمله بدا في لبنان ومرورا في فلسطين وانتهاء في العراق.

تكالبت قوى الشر على عرين الأسد في شام العروبة التي لولاها لما تحطمت أساطير وأحلام الغزاة على أعتاب مارون الراس وبنت جبيل وعيتا الشعب حينها... ويا ليت أحلامهم تتحطم من جديد على أعتابك يا شام العروبة، فخيارات الأمة واضحة حتى الآن: إما مرتهن بالكامل باسم الاعتدال، وإما سلفي حقود على كل ما هو عروبي .. أما أنت يا شام فالحصن الأخير، فاصمدي بحق السماء. 
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018