نحو إستراتيجية فلسطينية جديدة/ علي حيدر

نحو إستراتيجية فلسطينية جديدة/ علي حيدر

عــ48ـرب

إن المتابع للممارسات والتطورات والقرارات الإسرائيلية، مؤخراً، يستطيع أن يخلص إلى نتيجة مفادها(وإن كنا قد أشرنا إلى ذلك في فرص سابقة) بأن حلّ الدولتين غير ممكن، ولا يمكن التعويل عليه، فقد سقط هذا الخيار كما تتساقط أوراق الخريف المتعبة، أو بكلمات أخرى استنفذ قوّته بحسب قانون القصور الذاتي. ولبرهنة وإثبات ما ندّعيه، يمكن الإشارة إلى عدة خطوات عملية وحديثة اتخذتها عناصر مختلفة ومسؤولة في السياسة الإسرائيلية:

لقد أصدر قاضي المحكمة العليا المتقاعد، إدموند ليفي، تقرير اللجنة التي رئسها، حول المكانة القانونية للنقاط الإستيطانية العشوائية. وبحسب التقرير فإن إسرائيل لا تعتبر قوة محتلة في الضفة الغربية والقدس، وذلك لكونها لم تحتلها من دول أخرى لها سيادة على هذه الأراضي، ولم تكن في ذلك الحين دولة فلسطينية. كما يوصي التقرير بترتيب الاستيطان، ويمنحه شرعية ومشروعية. ويعتبر هذا التقرير، تقريراً خطيراً، بامتياز، ينتهك الأسس والأعراف والمواثيق الدولية، منافٍ للحقيقة التاريخية، وللحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، كما أنه يناقض بعض التقارير والقرارات الإسرائيلية السابقة، مثل تقرير المحامية تاليا ساسون، من النيابة العامة، عام 2005، وبعض قرارات المحكمة العليا السابقة في هذا الصدد. ولذلك تعتبر توصيات لجنة ليفي ليس مجرد تصعيد فحسب ولكن تغييراً جوهريّاً لكيفية تعاطي الحكومة الإسرائيلية مع الصراع الصهيوني- الفلسطيني.
إن الخطوة الثانية، والتي تعتبر تصعيداً جدياً، هي الاعتراف بكلية أريئيل في الأراضي المحتلة كجامعة بحثية جديدة والتزام الوزراء بتوفير الميزانيات لها.

أما الخطوة الثالثة، ففي الوقت الذي قررت به الحكومة الإسرائيلية، مؤخراً، توجيه ضربات اقتصادية ضد المواطنين وتقليص ميزانيات الوزارات الاجتماعية ورفع نسبة الضريبة وارتفاع غلاء المعيشة، فقد زادت الحكومة الميزانيات المخصصة للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة بنسبة 38% مقارنة بالسنة السابقة، وبحسب معطيات دائرة الإحصاء المركزية فإن استثمار الحكومة بالمستوطنين أكبر بـ 80% مما ينبغي أن يحصلوا عليه وفق نسبتهم من المواطنين. بالإضافة إلى ذلك، فقد أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن نيتها تخصيص ميزانيات كبيرة من أجل إقامة فنادق للسياحة في المستوطنات وتشجيع السياحة هناك.

هذه الخطوات، كل واحدة منها على حدة، وجميعها متكاملة، مدعومة من قبل الحكومة الإسرائيلية ورئيسها، بل أكثر من ذلك، أصبحت التوجه الرسمي والفعلي للحكومة التي تحتوي على قوى اليمين الإسرائيلي الطامع في الإستيلاء على كل فلسطين التاريخية، وخصوصاً على ضوء انحسار وضعف دور اليسار الصهيوني الذي يؤمن بفكرة الإنفصال.

إن السياسة الإسرائيلية ما زالت تحاصر قطاع غزة، ضاربة بعرض الحائط قرارات المؤسسات الدولية، كما أنها تزيد من عمليات الاستيطان في القدس والضفة الغربية، وتمارس سياسة هدم قرى وطرد سكانها، واحتلال عكسري ظالم، وتبني جدران الفصل العنصرية، وتمارس قوات الجيش العنف المنظم ضد الشعب الأعزل. وتحرم الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من حرية الحركة، والعبادة والحياة الحرة الكريمة، كما يقوم المستوطنون بالاعتداء يومياً، في جميع الأماكن، على المواطنين الفلسطينيين ومواشيهم وأراضيهم ومزروعاتهم بدعم من الجيش الإسرائيلي. كما أن اللاجئين الفلسطينيين في الشتات ما زالوا يدفعون ثمناً باهظاً جداً نتيجة لعمليات الطرد والتهجير، والفلسطينيين في إسرائيل الضلع الثالث في مثلث تركيبة الشعب الفلسطيني يعانون من سياسة التمييز العنصري المنهجية المستمرة.

من الواضح أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة خطيرة جداً، وذلك نتيجة لتجاهل دولي، وللتحولات الإقليمية والثورات العربية، وبالرغم من سوء وقساوة المشهد السياسي والهمجية السياسية الإسرائيلية لا يمكن أن نعفي أنفسنا، نحن كفلسطينيين، وخصوصاً قياداتنا، من سوء الوضع الذي أوصلتنا إليه وخصوصاً منذ اتفاقية أوسلو حتى اليوم، من انقسام وتشرذم، وعدم أخذ مسألة المصالحة بجدية، عدم وجود قيادة موحدة وجامعة للشعب الفلسطيني بكامل أطيافه، عدم وجود مؤسسات جامعة ومنظمة وعدم الاتفاق حول المرجعيات والرؤى.

المطلوب حالياً، وعلى ضوء ما يحدث، ونتيجة لاستنفاذ السلطة الفلسطينية دورها، الأخذ بزمام المبادرة، وإعادة صياغة الخطاب الفلسطيني، ووضع إستراتيجية جديدة تتجاوز الحلول المطروحة بين السلطة والحكومة الإسرائيلية، يكون أساسها البعد الأخلاقي، الحق التاريخي، وحدة الشعب والأرض وحق تقرير المصير للشعبين، وذلك ممكن أن يتحقق كما قال المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد عام 2001، من خلال "شعبان في أرض واحدة، أو المساواة للجميع، أو شخص واحد صوت واحد أو إنسانية مشتركة مؤكدة في دولة ثنائية القومية".

باعتقادي، خيار الفصل لن ينجح وذلك، نتيجة للسياسات الإسرائيلية المتعنتة، والتي تمارس القوة وتعارض حق العودة، ولا تريد الانسحاب والتنازل عن السيطرة في القدس الشرقية، وعدم رغبتها في أن يكون لها حدود ثابتة وواضحة، والأكثر من ذلك تكريسها لسياسات الاستيطان وعدم قدرتها مستقبلاً على إخلاء المستوطنين، وعدم رغبتها في أي حال من الأحوال أن يكون كيان فلسطيني حي وقوي، ومطالبتها واشتراطها الاعتراف بها كدولة يهودية (وبذلك التنازل عن حق اللاجئين في العودة، وحق الفلسطينيين في إسرائيل في المساواة التامة). وتأكيداً لما نقول، نورد ما كتبه الصحفي نحاميا شترسلر في جريدة "هآرتس" 3.08.2012: "إن حكومة نتنياهو تدير على مدار ثلاث سنوات ونصف سياسة رفض تجاه الفلسطينيين، مع ثلاث لاءات: لا للمفاوضات، لا للتنازلات ولا للاتفاقيات". . إذاً، وبناءً على كل ما ذكر سابقاً يمكن القول بأنه لا يمكن لخيار الفصل أن ينجح وخصوصاًُ في أرض صغيرة.

وأخيراً يترتب على الجانب الفلسطيني أخذ زمام المبادرة ووضع إستراتيجية جديدة تدعو لرفض خيار الفصل، وتأكيد خيار الدولة الواحدة، ثنائية القومية، لما يضمنه هذا الحل (رغم صعوبة تنفيذه في الفترة القريبة، والتحديات والمعيقات التي تعترضه) من أبعاد إنسانية، وأخلاقية وسياسية للأمد البعيد لأبناء الشعبين، والعمل على شرح وتفسير وتسويق هذه المبادرة للعالم بصورة بليغة وواضحة لما فيها من أساس أخلاقي متين، ورؤية متماسكة وفرصة لحل الصراع وإنهاء النزاع.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018