حوادث الثورة السورية بين الإنكار والتزوير../ ماجد كيالي

حوادث الثورة السورية بين الإنكار والتزوير../ ماجد كيالي

يتّسم موقف البعض من الثورة السورية بقدر كبير من اللامعقولية، واللامنطقية،َ لاسيما أنه موقف يبطن القبول بشرعية سلطة مستبدّة، صادرت الدولة وهيمنت على المجتمع، بحيث بات البلد في ظلها، ولأزيد من أربعة عقود، بمثابة مزرعة خاصة لعائلة؛ يتوارثها الأبناء من الآباء! لكن هذه اللامعقولية تبدو غاية في الفجاجة والركاكة والابتذال، لاسيما في مظهرين اثنين، ومتناقضين، أولاهما، ويتمثل بإنكار الواقع، واعتبار أن ما يجري مجرّد تمثيليات تلفزيونية، بمجّسمات وديكورات وكومبارس وماكياجات، لكأن 21 ألفا من الضحايا، الموثّقة أسماؤهم وأماكن قتلهم، مجرّد حالات آتية من عالم افتراضي، أو مجرد أرقام لا معنى لها! وثانيهما، ويتمثل بتزوير الواقع، وتخيّل واقع آخر، يفيد بوجود مؤامرة دولية (يقولون كونية أيضاً!)، قوامها التدخل العسكري الخارجي، على الأقل من قبل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا وتركيا، وبعض دول عربية، في مجريات الأحوال في سوريا، لإسقاط نظام "الممانعة والمقاومة"، النبيل والمسكين!

المشكلة أن حال الإنكار والتزوير هاتين بات لهما من العمر 17 شهراً، بأيامها ولياليها، من دون أن يدخل عليهما أي تغيير أو تعديل، ولو حتى على سبيل مجاراة الوقائع. هكذا، مثلاً، فقد استمرت حالة الإنكار على ذات المنوال، على الرغم من كل هذا النزيف في الدماء، والدمار لأحياء كاملة في عديد من مدن سوريا، وتشريد مئات الألوف من السكان من منازلهم وممتلكاتهم، واعتقال عشرات الألوف والتنكيل بهم.

بالمثل، فقد ظلت، أيضاً، عملية تزوير الوقائع والحقائق تجري رغم انتفائها، إذ لم يحصل أي تدخّل عسكري أجنبي، ولا على أي مستوى، ولو حتى على شكل فرض مناطق آمنة، أو حظر طيران عسكري، أو تحديد مناطق حظر جوي، خلال 17 شهراً. فالتدخل العسكري، كما هو معروف، لايمكن تحديده بمجرد تقديم العون للناشطين أو للجيش الحر، بوسائل اتصال حديثة وكاميرات فيديو ومعلومات استخبارية وتصريحات سياسية، ولا حتى بالموافقة على تسليح "الجيش الحر" بشحنات محددة مقتصرة على الأسلحة الفردية.

فكما هو معلوم فإن التدخل العسكري، هو تدخل عسكري، وهذا يعني بالضبط المساهمة في العمليات الحربية، ضد طرف معين، وهذه عرفت عبر طريقتين، إما مباشرة وعلى الطريقة العراقية (1991 و2003) أو بالطريقة غير المباشرة كما حصل في ليبيا (2011)؛ وهاتان الطريقتان لم تحصلا في سوريا ولا بأي شكل، رغم هول ما يجري؛ وها نحن نشهد بأن الجيش الحر في كل عملياته لم يقم بعمليات قصف صاروخي، ولم يظهر أبداً أن بحوزته مضادات للطائرات. ربما ثمة بين البعيدين ما يزال يعتقد بأن بعض الفضائيات تبالغ في عرض مايحصل في سوريا، لكن الأمر على العكس تماما، إذ أن الأخبار المصورة عن ما يجري على الأرض جد نادرة، ذلك أن تصوير أي شيء، مما يجري، هو بمثابة عملية انتحارية؛ ما يفسر ندرة الصورة، والأفلام المصورة.

والمعنى من ذلك أن الشباب الذين اخذوا على عاتقهم هكذا عمل هم أبطال حقا، وشجعان حقا، فهؤلاء هم الأبطال المجهولون في الثورة السورية، وقد تعرض كثير منهم للسجن، والتعذيب، وثمة عديد منهم قتلوا، من دون رحمة وبطريقة بشعة. وفي هذا الإطار يمكننا أن نرى، أيضاً، الجهد الاحترافي الذي يتمثل بوجود هيئات أخذت على عاتقها القيام بمهمة كبيرة وضرورية وشاقة، وهي التوثيق اليومي لمجريات الثورة السورية، ولاسيما ما يتعلق منها بتنظيم سجل بكل شهدائها، وفق معايير قانونية ودولية.

لذا فمن المهم لكل من لا يعرف، ويريد أن يعرف، أن يطّلع على ماتقوم به هذه المراكز من جهد دؤوب، وهو ما يمكن تبينه في الإحصاءات التي يشتغل عليها كل من"
"مركز توثيق الانتهاكات في سوريا" (http://www.vdc-sy.org/)
"قاعدة بيانات شهداء الثورة السورية" (http://syrianshuhada.com/)
"الشبكة السورية لحقوق الإنسان" (http://www.syrianhr.org/Attach/July_2012.pdf)

طبعا ليست المشكلة في البعيدين، من الذين لا يعرفون حقيقة ما يحدث في سوريا، فهؤلاء ربما لديهم بعض الحق في عدم تصديق ما يجري، لأنه لايصدّق حقا، ويفوق الخيال، وإنما المشلكة تكمن في هؤلاء الذين يعيشون في سوريا، أو في جوارها، من الذين يجري كل شيء تحت ناظرهم، ولكنهم يفضلون إنكاره، والأنكى تزويره، لأغراض هوياتية أو أيديولوجية أو مصلحية.

وفي الحقيقة فأنت لا تحتاج في سوريا إلى محاكمات عقلية لمعرفة كنه العلاقة بين الاستبداد والفساد، وكل هذه الاستباحة اللامعقولة للبلاد والعباد. كذلك فإن معرفة ما جرى في حمص والقصير وتلبيسة ودرعا وفي دوما والزبداني والرستن وبانياس وإدلب وحماه، وفي القابون والحجر الأسود والتضامن وبرزه في دمشق، وصلاح الدين وبستان القصر في حلب، لايحتاج إلى كثير تفكير بقدر ما تحتاج إلى صحوة ضمير.

أيضا، فإن محدودية تسلّح "الجيش الحر"، لا تحتاج إلى كثير تفكير، ولا إلى حضور ضمير، فقط تحتاج إلى الإحساس، والرؤية بالعين المجردة، حيث لم يشاهد أحد ما قصفاً صاروخياً من الجيش الحر، على هدف معين، ولم يسمع احد عن إسقاط هذا الجيش لطائرة حربية، أو حتى حوامة، بمضادات الطائرات، التي يجري الحديث عنها. ولو كان هناك تسليح أميركي فهل يكون على هذا المستوى المتدني؟ وإذا كان هناك تدخل عسكري حقا بهذه الدرجة أو تلك، فهل كان حصل كل هذا القتل والدمار والتشريد على امتداد المدن السورية؟

على أي حال، فمع الإصرار على حالتي الإنكار والتزوير هاتين وصل عدد الشهداء السوريين في شهر تموز(يوليو) الماضي إلى 3634 شهيداً وهو أعلى معدل لعدد الشهداء في شهر واحد منذ بداية الحراك السوري، وهذا أكبر دليل على مدى التهتك الأخلاقي والقيمي والعقلي الذي بلغه أصحاب هاتين الحالتين.

اللافت أن ثمة بالمقابل حالة صحو موازية، إذ كشفت الثورة السورية نظام «المقاومة والممانعة» وبينته على حقيقته، كنظام معاد للشعب وللحرية، وعن ذلك كتب الصديق جمال يانس ( Jamal YaneS): "قصفوا شارع فلسطين ومدرسة القنيطرة... قصفوا مخيم اليرموك وحي صلاح الدين... قصفوا حي التضامن.. وشارع الصمود... وساحة العروبة... قصفوا كل بضائعهم التي باعونا إياها لخمسين عاما".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018