عتاب إعلامي بعد حادث مأساوي/ خلود مصالحة

عتاب إعلامي بعد حادث مأساوي/ خلود مصالحة

عن الفرق بين تغطية الإعلام الإسرائيلي، والإعلام الفلسطيني للحوادث

في تاريخ 18 تموز الحالي دخلت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى حالة "هستيريا"... عملية تفجيرية في بورغاس (بلغاريا) أصيب بها عدة إسرائيليين. مع إعلان الحدث، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية على جمع المواد. لمساعدتهم في هذه المهمة، وبالتالي التواصل مع الجمهور الإسرائيلي، تجنّدت "نجمة الداوود الحمراء"؛ الشرطة والجبهة الداخلية للجيش الإسرائيلي (ولا عتب عليّ إن لم أذكر الاحتلال).

وصلت المعلومات إلى وسائل الإعلام بصورة مرتبة جدًا، كما وصلت حتلنات حول وضع المصابين كل 5 دقائق. التنسيق بين الأطراف الثلاث كان عال ومهني جدًا لدرجة أنه وفي وسائل الإعلام لم تكن تخبطات حول عدد ووضع الضحايا، بصورة واضحة وشفافة تم إيصال المعلومات للقارىء.

بعد ساعات اتضحت صورة الوضع نهائيًا، وانتقل الإعلام الإسرائيلي من مرحلة تغطية الحدث إلى مرحلة "أنسنة" الحدث، لنجد أنفسنا نبكي مع "حانا" التي نجت بأعجوبة، ونتعاطف مع "موشيه" الذي للمرة الثانية نجا من موت محتمل...على مدار ايام وبعد الدفن، تعرفنا إلى القتلى، احدهم احب "بورغاس" والآخر كان جزءًا من فريق وصل لمباراة. ليأت بعد كل ذلك، التحقيق في أسباب العملية، والمتواصل حتى اليوم، حيث تحاول إسرائيل جاهدة على الربط بين العملية وبين حزب الله أو ايران ليجد لنفسه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ذريعة أخرى لمهاجمة إيران.

قد يقول البعض، ما العلاقة؟! لماذا كل هذه المقدمة الطويلة؟! إليكم الجواب.

أمس، وبعد أن قررت أن "لا آخذ على قلبي" إنتظارًا لحرب إقليمية، وجدت نفسي أغرق مرة أخرى في حزن مبرر، بعد ان تعرض 7؛ 10؛ أو 11 عامل فلسطيني إلى حادث طرق لاقوا حتفهم فيه! وصلني خبر وفاتهم في وردية عملي، خبر يتيم لا يتعدى الـ 8 أسطر! في البداية كان العنوان مصرع 7 فلسطينيين، وفي موقع آخر 8 وآخر 10! تزامن هذا الخبر مع وقت الإفطار للأسف، وكل محاولاتي أن أعرف عن طريق الشرطة الفلسطينية عدد القتلى باءت بالفشل، بات موضوع تغطية الخبر تخمينًا وارتجالا "وحط بالذمة"، حاولت جاهدة أن أنصفهم، أن أعرف أسماءهم على الأقل... لكن كل المحاولات باءت بالفشل.

صدفة او الهام، لا أعرف! انتبهت أن هنالك مشفى إسمه "ثابت ثابت" نُقل المصابين والجثامين إليه، وبعد عدة اتصالات وصلت إلى "المشفى" والذي بدا على الهاتف على أنه مسلخ من حيث الصراخ، لكن كان الرد جاء "أن الوقت غير ملائم"، فهذا وقت الإفطار!

مكرهًا أخاك لا بطل، عزفت عن رأيي في إنصاف القتلى، ماذا سأكتب وانا لا اعرف شيئا، حواجز مؤسساتنا الفلسطينية طغت على حواجز الإحتلال، بات من الصعب جدًا الوصول إلى مكان الحادث لإغلاق حاجز جنين ومن الصعب التعامل معه، لأنه مجتمعنا صائم!

بعد الإفطار، انتظرت تغطية المواقع للحدث، قلت بداخلي، لا بد أن تذكر أسم الضحايا، من هم؟ من أي بلدة؟ كم طفل يُتم؟ كم زوجة ستقضى العيد باكية حسرتها؟ لكن للأسف، ظهر أحد المواقع أخيرًا مقتصرًا التغطية على أسماء الضحايا وأنهم عمال عادوا للتو من عملهم داخل مناطق الـ 48.
فيما عجت المواقع ببيانات نعي وتعزية من الحزب "الفلاني" والجهة "العلنتاني"، غابت التغطية الإعلامية لهذه المأساة الإنسانية.

لا أخفي عليكم حجم مفاجئتي، وإن كان بعضكم سيقول "شو الجديد"؟! هذا هو شعبنا وهذه هي مؤسساتنا وهذا هو آدائنا الإعلامي، لكن الجديد أننا سلمنا بالـ "امر الواقع"، ذلك الواقع الذي خلقناه بأنفسنا، راقنا دور "الضحية" وأصبح من الصعب التخلص منها، كل محاولاتنا للخروج من هذه النفسية هي "وهم" والإحتلال هو المسؤول الأول والمباشر!.

في كل مجتمعات العالم هنالك أدوار نمطية للإعلام، وعادة تلك الأدوار تشكل قاعدة للعمل الصحافي على مستوى العالم، فلا يوجد صحفي غير مقتنع أن من دور الإعلام ووظائفة "تغطية الأحداث وإعلام الجمهور"، ولا يوجد صحفي غير مقتنع أن من وظائف الإعلام "تجنيد الرأي العام" حول الحدث المُراد به، وعند الحديث عن المجتمعات في طور البناء وإعلام الأقليات نتطرق إلى "المسؤولية الإعلامية" على نقل الإحداث بموضوعية ودقة ودون المس بمشاعر الآخرين، ونتحدث أيضًا إلى "الجانب التوعوي للإعلام" حتى تتحرر تلك المجتمعات من نير الإحتلال...وإذا كنا كصحافيين نعي جيدًا تلك الأدوار والحقائق للإعلام والمتفق عليها في كل الادبيات....لماذا أسقطناها أمس، هل لأن الدينا رمضان والهانا التكاثر...؟!

(ملاحظة: ربما سيتم اليوم التطرق إلى حادث أمس، لكن هذا لا يلغي حجم مأساة في مجتمعنا الفلسطيني بمؤسساته الرسمية والإعلامية).

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018