الجيش المصري: من عبد الناصر إلى مرسي../ علي جرادات

الجيش المصري: من عبد الناصر إلى مرسي../ علي جرادات

ألغى الرئيس المصري الإعلان الدستوري المكمل وأجرى تغييرات في قيادة الجيش والأجهزة الأمنية شملت فيما شملت إحالة وزير الدفاع، (طنطاوي)، ورئيس هيئة الأركان، (عنان)، ووزير المخابرات العامة، (موافي)، على التقاعد، وتعيين آخرين لتولي مناصبهم.

هنالك من رأى أن هذه الخطوة تعكس تصميم الرئيس المصري بوصفه رئيساً لكل المصريين وممثلا للانتفاضة الشعبية على إطاحة مكون أساسي من مكونات النظام القديم لتسهيل طريق تلبية مطالب انتفاضة شعبية أطاحت رأس النظام في شباط 2011. هكذا يرى"الإخوان" ومَن يواليهم، (كلياً أو جزئياً)، هذه الخطوة. وبالمقابل هنالك من رآها في إطار محاولة "الإخوان" إحكام قبضتهم على الجيش والأجهزة الأمنية بوصفها أهم مفاتيح وأدوات السيطرة على السلطة والجهاز الإداري البيروقراطي للدولة المصرية. هنا يثور سؤال المعيار الموضوعي للحكم على هذه الخطوة النوعية والخلافية وذات الانعكاسات البعيدة المدى في آن.

بعيداً عن التفاصيل والإشادات أو الانتقادات المتعجلة والمسبقة، (أي الأيديولوجية)، التي أعقبت هذه الخطوة، حري التذكير بأن الأجهزة المتنوعة للدول والأحزاب والكيانات السياسية عموما هي في التحليل الأخير وسائل أو أشكال لتنفيذ أهداف أو مضامين سياسية من المفترض أن تتحدد وفقاً لمقتضيات واقع سياسي اجتماعي محدد وملموس، وليس وفقاً لأمزجة ورؤى وحسابات مسؤولي هذه الأجهزة وقادتها، بمعزل عن أسمائهم، ما يجعل تبديل شخوصهم مجرد تغيير شكلي اللهم إلا إذا جاء لتنفيذ سياسة جديدة. وبقدر ما يتعلق الأمر بمصر التي ترزح تحت وطأة إرث نظام استبدادي فاسد وتابع فإن أي تغيير باسم الثورة في قيادات أجهزة الدولة المصرية عموماً، والعسكرية والأمنية والقضائية والإدارية خصوصاً، يكون حقاً بلا مضمون، ومجرد تغيير شكلي، إن هو لم يرتبط فعلاً لا قولاً بإرادة تسعى إلى تنفيذ مضامين سياسية جديدة وطنياً وديمقراطياً، ذلك بحسبان أن الثورة لا تريد إعادة بناء أجهزة مع مواصلة سياسة قديمة ترضي هذه الأجهزة بعد إجراء تغيير شكلي يأتي بقادة على وئام مع نظام يواصل السياسة القديمة ذاتها ويسمي نفسه جديداً.

لذلك، ولأن خطوة الرئيس المصري أحدثت تغييراً طال قادة الأجهزة العسكرية والأمنية بالذات، فإن الحكم عليها يجب أن ينطلق أساساً وجوهراً من ما إذا كان سيتلوها أو لا يتلوها تغيير في سياسة النظام المصري الجديد قياساً بسياسة النظام السابق على مستويين:

*الأول داخلي ويتمثل في:

1: إجراء تغيير نوعي يؤكد على أن هذه الأجهزة مؤسسة وطنية لدولة عريقة وراسخة وثقيلة قياساً بغيرها من الدول العربية، وعلى عدم تبدل هويتها مع كل تبدل في لون من يتولى السلطة، ذلك أن الانتفاضة الشعبية قد فتحت باب التبادل السلمي للسلطة بعد أن أغلقه النظام السابق وصادره واحتكره لعقود.


2: إجراء تغيير نوعي ينهي السياسة القمعية للأجهزة الأمنية التي شكلت أحد أهم أسباب اندلاع انتفاضة الشعب المصري الذي دفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائه لإحراز مثل هذا التغيير.

* والثاني خارجي ويتمثل في:

1: إجراء تغيير نوعي في معادلة علاقة المؤسسة العسكرية، (الجيش)، بالأجهزة الأمنية بعد عقود من تهميش وإضعاف الأولى لمصلحة تقوية وتسيُّدِ الثانية بعد دمجها عضويا بالجهاز الإداري البيروقراطي لسلطة النظام السابق بهدف حماية استبداده وفساده وتبعيته وخضوعه سياسياً واقتصادياً وأمنياً للسياسة الأمريكية الإسرائيلية.


2: إجراء تغيير نوعي في تنويع مصادر تسليح الجيش المصري وتدريبه وتمويله، بما يعيد الاعتبار لعقيدته الوطنية والقومية التحررية كما صاغها عهد الرئيس المصري عبد الناصر الذي تم الارتداد عنه في عهدي نظام السادات  ومبارك.
 
وسيكون إقدام الرئيس المصري الجديد على إجراء  هذين التغييرين هو القول الفصل في الحكم على الهدف السياسي خلف التغييرات التي أجراها في قيادة الأجهزة العسكرية والأمنية، بينما يستدعي التعجيل في إجراء هذين التغييرين السياسيين، والتجرؤ على إجراء الثاني منهما بالذت، وقوع عملية رفح التي بمعزل عن الجهة التكفيرية الجاهلة التي نفذتها، فإنها بتوقيتها السياسي وإخراجها الأمني وجنسية ضحاياها واقتصار تداعياتها السياسية المباشرة على مصر، تحمل ألغازاً معقدة تشي بأن ثمة أهدافاً وأطرافاً سياسية تقف خلف أداة تنفيذها. ويشي بذلك أيضاً تعامل إسرائيل، بدعم أمريكي، مع السؤال الأساس الذي فتحته هذه العملية، أي سؤال قضية سيناء والفوضى السائدة فيها، حيث ركز القادة الإسرائيليون بألوانهم على الشق الأمني لهذا السؤال، وتجاهلوا شقه السياسي تماماً، بل، وعملوا على توظيف الغضب الرسمي والشعبي المصري الذي خلقته عملية رفح، للمطالبة بتشديد العمل الأمني المصري داخل سيناء وعلى حدود مصر مع غزة، وبرفع مستوى التنسيق العسكري والأمني المصري الإسرائيلي بمساعدة أمريكية، وكأن الفوضى السائدة في سيناء  ناجمة عن تقصير وقلة تنسيق أمني، وليس عن تكبيل يد مصر بالشروط الأمنية لاتفاقية كامب ديفيد التي جاءت مذبحة رفح لتؤكد ضرورة تعديلها بالمعنى السياسي السيادي، بحسبان أن التصدي للفوضى في سيناء عبر سماح إسرائيل بإدخال قوات مصرية إضافية ولمدة مؤقتة تتيح ملاحقة تنظيمات مجرمة تستهدف المس بأمن مصر واستقرارها وهيبة جيشها وسلامة حدودها، هو تصدٍ،(على أهميته)، لا يحل قضية سيناء باعتبارها قضية سياسية وتشكل أخطر تهديد إستراتيجي للأمن القومي المصري، بينما لم تكف إسرائيل، بدعم أمريكي، ولن تكف، عن اللعب على وتر هذه القضية التي يشي تحريكها بعملية رفح المشبوهة، بأن ثمة محاولة إسرائيلية، تدعمها أميركا، لطرح قضية سيناء على مصر في ظل مرحلة انتقالية زاخرة بأعباء ثقيلة، بما يعني تدخلاً إسرائيلياً أمريكياً في التحولات الجارية في مصر، ومحاولة حصرها في نطاق تغييرات ديمقراطية سياسية ليبرالية مع استبقاء النظام السياسي الجديد، بمعزل عن لونه، ضعيفاً وتابعاً وخاضعاً ومسيطراً عليه، وهذا ما لا يمكن التصدي له بتغيير في قيادة الجيش لا يحمل تغييراً في السياسة على غرار ما فعلته قيادة ثورة 23 يوليو 1952 حين عاجلتها إسرائيل بالاعتداء على غزة مباشرة بعد نجاح هذه الثورة في إطاحة النظام الملكي الإقطاعي التابع والفاسد في مصر، حيث تجرأت بقيادة عبد الناصر على تسريع تحديث الجيش وتقويته وتغيير مصادر تسليحه وتعبئته بعقيدة وطنية قومية تحررية بعد تغيير قياداته.

فهل تندرج التغييرات التي أجراها الرئيس المصري الجديد على قيادات الأجهزة العسكرية والأمنية بعد عملية رفح في إطار انتهاج سياسة شبيهة بسياسة عبد الناصر في زمانه، أم أنها مجرد تغييرات شكلية للشخوص لمواصلة السياسة القديمة ذاتها بسلطة "إخوانية" تسعى إلى التحكم بأهم أدوات السيطرة على الدولة المصرية وسلطتها وجهازها الإداري البيروقراطي؟ دعونا ننتظر قليلاً ونرى الإجابة الشافية في الممارسة بعيداً عن المواقف المتعجلة المسبقة الأيديولوجية. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018