نحو المؤتمر الوطني الأول للجنة المتابعة: ما الجديد؟../ عوض عبد الفتاح

نحو المؤتمر الوطني الأول للجنة المتابعة: ما الجديد؟../ عوض عبد الفتاح

ملف إعادة بناء لجنة المتابعة، وتنظيم الفلسطينيين في إسرائيل كمجموعة قومية لها قيادتها الوطنية المنتخبة، ملفّ قديم.. تعثّر تنفيذه عدة مرات، وكاد أن يتحوّل إلى كلام مكرّر.
مرّ على فتح هذا الملف بصورة رسمية حوالي 15 عامًا، ولم يتحقّق منه شيء.

عصفت بعرب الداخل أحداث جسام، ومرّ ويمرّ مجتمعهم بتحوّلات اجتماعية وثقافية واقتصادية عميقة. وأفرزت هذه التحولات قيمًا جديدة، أفكارًا جديدة وطبقة سياسية جديدة. جرت هذه التحولات في بيئة الصراع بين هذه الأقلية والدولة اليهودية-الصهيونية، وفي بيئة الصراع الشامل بين هذا الكيان وبين الشعوب العربية، بين نزعته الكولونيالية وبين طموحات الأمة العربية بما فيها الشعب الفلسطيني للتحرر والحرية والتنمية المستدامة. ليست الأقلية الفلسطينية مستقلة ولكنها امتلكت بعد صراع دام 64 عامًا عناصر قوة تستطيع من خلالها أن تبني نفسها ذاتيًا، بل أن تلعب دورًا استراتيجيًا (وهو ما تقوم به الآن) في الصراع ضد الصهيونية. وهذا مشروط الى حد ما بقدرتها على تنظيم نفسها كمجموعة قومية وكجزء من شعب. وبشكل محدد أكثر أصبح النجاح مشروطًا بإرادة وجدية كل حزب أو حركة من الحركات السياسية الفاعلة.

يتوفر لفلسطينيي الـ 48 عناصر قوة لم تكن مكتشفة قبل عقدين من الزمان. من أهم هذه العناصر وعيهم لذاتهم الجمعية المجندة في الصدام مع الطابع اليهودي لدولة إسرائيل عبر  استخدام المواطنة المفروضة عليهم وما يفرضه من تفكير عليهم بضرورة تطوير أدائهم وتنظيم قواهم. وعنصر القوة الآخر المستجدّ هو نجاحهم في فتح كوة كبيرة في الوعي العالمي، خاصة في أوساط المجتمع المدني، حول إسرائيل باعتبارها ليست "الفيلا في غابة" الدكتاتوريات. فحتى أواسط التسعينيات، وأكثر تحديدًا حتى أكتوبر عام 2000، وهو تاريخ اندلاع الهبة الشعبية العارمة، تجاهل أو جهل ما يسمى بالمجتمع الدولي، واقع ومكانة هذا الجزء من الشعب الفلسطيني في الصراع. بل دأب على تمجيد "ديمقراطية إسرائيل" في الوقت الذي خضع المواطنون العرب لحكم عسكري شديد الوطأة، ولحملة نهب وسطو واسعة ومستمرة على أرضهم وأملاكهم وأملاك أقربائهم من اللاجئين المطرودين.

وينطوي هذا التطور النوعي الهام على مفارقة. إذ أنه على الرغم من ذلك، فإن قادة "الأقلية العربية الفلسطينية" وأوساطا شعبية واسعة تزداد قلقًا وخوفًا على حاضر ومستقبل هذه الأقلية". فالوعي الفلسطيني الصاعد داخل الخط الأخضر يقابله عداء اسرائيلي صاعد متجرد من لبوسه القديم الناعم (نسبيًا). إن إسرائيل تبغي استباق وصول هذا التطور الى مداه عبر مضاعفة جرعات النهب والخنق والقمع.

ما يجري الآن هو تطوير لسياسات قديمة لتكريس التحكم بمسار تطور هذا الجزء من شعبنا عبر قنوات الأمن والاقتصاد والثقافة والأرض. وهذه السياسة تدفع بطبيعة الحال بعض النخب السياسية الى الوجل والتردّد من المضيّ في مواكبة تطور الوعي الجماعي نحو حسم مسألة الإقرار بالحاجة إلى تنظيم الجماهير العربية. هناك من يخشى أن يؤدي التجاوب الخلاق مع متطلبات هذا التطور عبر وضع الصيغ الجديدة-الحديثة الى خروج العرب عن إطار الدولة الرسمي. والحقيقة أن هذا الأمر غير ممكن واقعيًا في الظرف الراهن، وسيكون تطور من هذا النوع مرتبطا بتطور مسار الصراع برمته، أي بدل أن يبقى المسار محصورًا في إزالة الاحتلال في الضفة والقطاع  يتحول إلى مسار إزالة الاحتلال والنظام العنصري برمته، باعتبار أن منظومة السيطرة الصهيونية هي واحدة، وقائمة قبل عام 67. وإن إسقاط نظام الأبارتهايد الاسرائيلي-الكولونيالي هو ما يطمح إليه كل وطني فلسطيني وكل مؤمن بالعدالة والديمقراطية من اليهود وغير اليهود.

إن عنصر القوة الرئيس لفلسطينيي الـ 48 يتمثل في بقائهم في وطنهم كشاهد حي على النكبة. إن مجرد بقائهم لم يكن بحاجة إلى إبداع خاص ولا بطولة. إذ أن إسرائيل لم تتمكن من استكمال جريمتها لأسباب دولية، ولأسباب تتعلق بعدم امتلاكها وسائل نقل كافية كالقطارات مثلاً. لقد فرضت نتائج النكبة الفادحة والخوف من أن يطالهم الطرد التسليم بالدولة اليهودية والتكيّف مع الواقع الجديد وعقد المساومات ريثما تتبدل الظروف.

التحول الحقيقي في مكمن القوة هو عندما بدأ هذا الجزء من الشعب الفلسطيني، الذي تضاعفت قوته الديمغرافية، يستكشف قدراته المكتسبة، الثقافية والتعليمية وعبر المواجهة اليومية مع الجهاز السياسي والأمني والمؤسسات المختلفة للكيان الجديد، وهي مسيرة بدأت بشكل محدود في الخمسينيات، وتدرجت مستوياتها في الستينيات والسبعينيات  (هبة يوم الأرض) والثمانينيات وصولاً إلى هبة القدس والأقصى عام 2000.

وبطبيعة الحال تنوعت اتجاهات العمل السياسي بين الاندماج تحت شعار محاربة التمييز والمطالبة بالمساواة من جهة، وبين السعي إلى انتزاع الاعتراف بالحقوق القومية لهذا الجزء من عرب الداخل من جهة أخرى. وتطور الاتجاه الأخير خلال العقدين الماضيين نحو بلورة دولة المواطنين في مواجهة الدولة اليهودية. وقد أعادت هذه المواجهة فتح ملف الصراع بإعادته إلى جذوره – إلى عام 1948. لما يتضمنه من إمكانات تثويرية وإمكانات تفتح الباب لحلول ذات بعد إنساني وديمقراطي. ومنذ ذلك الوقت بدأت الفجوة بين الاتجاهين تتقلص.

شكل المشروع الذي طرحه حزب التجمع الوطني الديمقراطي "دولة المواطنين"، ومطلب إلغاء البنية القانونية العنصرية والطابع الكولونيالي لدولة إسرائيل زبدة المسيرة الكفاحية لفلسطينيي الداخل،  ليس الميدانية فحسب، بل أيضًا مسيرة تطور الفكر السياسي لدى النخب. وشخصت المؤسسة الإسرائيلية خطورة هذا الحزب على أيديولوجيتها عندما طرح تحديًا ديمقراطيًا في وجه الدولة اليهودية. كان المشروع يُعبر عن مستوى التقدّم الذي حققته الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل، سواء على المستوى الميداني (الشعبي) أو على المستوى الفكري. ما معناه أن التجمع نهض من قلب هذه التجربة التي كانت تتفاعل مع المحيط الفلسطيني والعربي والعالمي. وبدأت القوى السياسية الأخرى القديمة كالجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (الشيوعي) والناشئة كالحركة الإسلامية التي تحولت إلى قوة مركزية على الساحة تستعيد بعضا من عافيتها بعد أن فرض ظهور التجمع حالة من التنافس بين هذه القوى مما ساهم في إغناء الخطاب السياسي والثقافي لعرب الداخل الذين خاضوا مواجهة بطولية مع قوات القمع الإسرائيلية على أثر انفجار الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

كان مشروع التجمع خطوة في اتجاه تجديد أشكال التنظيم العربي في الداخل وجاءت وثائق التصور المستقبلي وثيقة حيفا، ودستور عدالة وغيرها، لتساهم في ترسيخ هذا الاتجاه – أو على الأقل لترسخ مسار الابتعاد عن الفكر السياسي التقليدي الذي لم يعد متناغمًا مع مستوى تطور العرب في الداخل جمهورًا ونخبة.

لا يقلل من أهمية الوثائق، التي عكف عليها عدد من الأكاديميين والباحثين من مختلف التيارات تقريبًا، وبتوجيه من رئيس لجنة المتابعة السابق السيد شوقي خطيب، الملاحظات الوجيهة التي سجلت عليها. وستظل مسيرة عرب الداخل مفتوحة طالما استمر الصراع وطالما استمر في توليد ديناميات جديدة ومطالب جديدة. وهذا أمر يجب الانتباه إليه وعدم إغفاله حتى لا نقع في خانة الجمود والتمسك بالحلول التقليدية التي يتعامل معها البعض وكأنها دين.

لقد كان عرب الداخل، حتى فترة قريبة منسيين. واجتهدت نخبهم الصاعدة وفق ما توفرت لهم من معرفة، لتصون وجودهم وتطوّر ثقافتهم وأدوات وآليات مواجهة مخططات المؤسسة الإسرائيلية. وكما ذكر سابقًا، شهدت فترة العقدين السابقين طفرة في المستويات المختلفة، وهي تتمة للطفرة الأولى المتمثلة في يوم الأرض وما تلاه من تفاعلات. منذ ذلك الحين تواترت عملية فك الارتباط عن نهج الانفصام والتأسرل، فأصبحنا أمام جيل كامل أكثر وعيًا بذاته الجمعية، وبأننا مجموعة عربية وجزء من شعب وأمة. وتطور الوعي بالحقوق الجماعية وما يُشتق من ذلك من حق التنظيم الذاتي. ونشأت المؤسسات القانونية والثقافية التي تدعم هذا الحق وتُغنيه باستمرار حتى أصبح لدى عرب الداخل طبقة سياسية وأكاديمية واسعة تنطق بخطاب واحد تقريبًا.

إن الغالبية تتحدث عن ضرورة تنظيم لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب، وجزء كبير منها يقرّ بشرعية وصواب إقامة هيئة عربية منتخبة مباشرة من المواطنين العرب. وقد ظل التنظيم حتى اللحظة قاصرًا عن الخطاب المتطور لأسباب موضوعية وأسباب تتصل بتمسك البعض بالرؤية التقليدية لموقع المواطنين العرب في الدولة اليهودية.

إن لجنة المتابعة هي جسم أوجدته الحاجة أوائل الثمانينيات، ونشأ كإطار تنسيقي. وبعد حوالي ثلاثين عامًا من وجوده أصبح هناك حاجة إلى النهوض به. لا يعقل أن تجري كل هذه المياه في النهر، وأن تنهار علينا المخططات الإسرائيلية المعادية من كل حدب وصوب، وما تولد من فقر وتدهور اجتماعي وتأخر تعليمي، وضياع الهوية، وأن نُبقي في الوقت ذاته على هيئة تمثيلية على نفس الحال الذي كانت عليه قبل ثلاثة عقود.

ومن هذا المنطلق وبعد مسيرة من المداولات والاجتهادات أجمعت القوى المنضوية في اللجنة مؤخرًا على حسم الأمر والقيام بالخطوة الأولى ضمن مشروع إعادة بناء لجنة المتابعة وصولاً إلى هدف تنظيم العرب في الداخل باعتبارهم جزءا من شعب له حقوق مدنية وقومية، وحقه في إدارة شؤونه الخاصة.

لقد اجترح الفلسطينيون في إسرائيل تجربتهم السياسية الخاصة بهم، وتمكنوا بفضل هذه التجربة -التي لم تخلُ من تناقضات ومساومات- من ترسيخ وجودهم الفعلي والثقافي والسياسي. ولكنهم عجزوا حتى الآن عن التحول إلى حالة سياسية شبه مستقلة، والتحول إلى هذه الحالة يقتضي بناء مؤسساتهم تحت مرجعية وطنية (سياسية) واحدة.

ليست الصيغة الجديدة المقرة صيغة ثورية، وهي أقل بكثير من طموحات بعض مركبات المتابعة. هي صيغة انتقالية وخطوة أولية في هذا الاتجاه، أي في اتجاه الإدارة الذاتية واعتماد تصورات عملية للاعتماد على الذات، وعلى الموارد البشرية والمالية لعرب الداخل.

إن إقامة جمعية أصدقاء المتابعة كصندوق مالي وفرض رسوم مالية شهرية على كل حزب من الأحزاب، وتشكيل لجان مالية وتنمية اقتصادية، وتخطيط اقتصادي، (وهو أمر ورد بشكل مفصل في وثائق التصور المستقبلي) هو الخطوة الصحيحة. والمطلوب هو الحزم في وضع هذه الصيغ في التطبيق العملي. لا بدّ من أن تطرح هذه المبادرة على عموم الناس وإشراكهم في الدفع لتحقيق التقدم.

سيحكم الناس على جدية هذا المشروع البنائي من خلال مدى التزام الأحزاب السياسية بالأساس في تنفيذ التزاماتها المالية والعملية والتنظيمية.

إن المؤتمر الأول للجنة المتابعة الذي أقرّ في العاشر من شهري تشرين الأول القادم ينبغي أن يكون حدثًا خاصًا وتتويجًا لجهد جماعي، وأن يكون فاتحة لمرحلة تنظيمية وجماهيرية جديدة.

تتجلى مسؤوليتنا في العمل على إشراك أوسع الفئات المثقفة والأكاديمية والشرائح الاجتماعية في المساهمة في هذا المشروع، ولن يكون العامل الإعلامي هو العامل الحاسم في تحشيد الناس حوله رغم أهميته، إنما النتائج العملية الأولية  - أي عندما يلمسون تحقق بعض من مصالحهم المباشرة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018