سياسة «حريش»

سياسة «حريش»

كلمة العدد عن صحيفة فصل المقال 31\8\2012

 مدينة حريش «الحاريدية» في وادي عارة، مخطط «برافر» في النقب، التفافي «نتسيريت عليت»، تهويد المدن الساحلية وتقويض الوجود العربي فيها، سياسات هدم المنازل، التضييق على القرى والبلدات العربية واستغلال كل منطقة مفتوحة حولها لإقامة المستوطنات، هي مجتمعة استمرار لسياسة بدأت بعد النكبة ولا زالت متواصلة، حينها احتلت الأرض بقوة السلاح، واليوم تُطوّع القوانين لتنفيذ المهمة.

تنطلق مشاريع التهويد من منظور أمني بحت، وتنفذ وفق خطط وسياسات منهجية ترمي إلى تقطيع أوصال البلدات العربية والإخلال بالتوازن الديموغرافي لصالح اليهود، وتجميع أو حشر أكبر عدد من العرب في أقل مساحة ممكنة من الأرض. وكما غُرست "كرمئيل" على أرض الشاغور، و"نتسيريت عيليت" على أراضي الناصرة وقراها، يجري الآن العمل على غرس "حريش" في قلب وادي عارة.

وكما حاصرت "نتسريت عيليت" الناصرة وقراها وحدّت من إمكانية تمددها واتساعها، واستقطبت إليها كافة المؤسسات الرسمية، لن يكون مصير قرى وادي عارة مختلفا، وستكون تلك القرى، لا سيما المحيطة بحريش، كانتونات على هامش المدينة، بأفاق مغلقة أمام الأجيال الصاعدة.

لم يتبق للأقلية الفلسطينية الأصلانية من أرض وطنها سوى نحو 3%، (الفلسطينيون عامة كانوا يمتلكون 94% من فلسطين عشية قيام إسرائيل) وتخضع تلك النسبة إلى عملية قضم متواصلة، بواسطة سلسلة قوانين سنتها «ديمقراطية اليهود» لسلب أرض العرب، ابتدأت بقانون الغائب، ولا تنتهي بسلسلة القوانين التي أقرتها حكومة نتنياهو مؤخرا ومنها: قانون مستوطنات الأفراد، وقانون بيع أراضي اللاجئين والأراضي المصادرة، وقانون حرمان العرب من استعادة الأراضي المصادرة، ي ضاف إليها قانون لجان القبول الذي يهدف إلى منع العرب من السكن التجمعات اليهودية التي قامت على أرضه.

إن بلداتنا على حافة الهاوية نتيجة لعوامل عدّة كلها نابعة من سياسات إسرائيل، ومن بينها النقص الحاد في قسام البناء وارتفاع أسعارها بشكل خيالي لا يستوعبه العقل، وأصبح من المستحيل أن يتمكن الشباب من شراء قسيمة أرض للبناء، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان الأمل وانسداد الأفاق أمام الجيل الجديد، وينعكس ذلك على المجتمع بشكل سلبي.

تدرك إسرائيل الرسمية أنها قامت بخطيئة على حساب شعب آخر، وتتصرف من منطلق هذا الإدراك، وعلى وعي تام بذلك، لكن هل نتصرف نحن بذات الوعي؟

خطوة إسرائيل الرامية لسلب أراضي النقب ليست مستهجنة بل نابعة من طبيعة نشوئها، لكن المستهجن حقا أن نجد في النقب من يتواطأون مع هذا المخطط. وليس غريبا على العقلية الإسرائيلية أن تسعى لتهويد وادي عارة، فهذه السياسة هي دينها وديدنها، لكن الغريب حقا هذا الصمت المطبق لدى السلطات المحلية في وادي عارة، ولدى المؤسسات التمثيلية كاللجنة القطرية، وإلى حد ما لجنة المتابعة.

حين تسلب الأراضي من العرب وتوزع في حريش مجانا للجمعيات الاستيطانية، ويستجلب اليهود من كافة أصقاع الأرض ويمنحون الامتيازات( في الوقت الذي يمنع فيه أصحاب البلد الأصليين من العودة إليها)، وتضيق علينا بلداتنا ونقف أمام سيل جارف من القوانين والممارسات العنصرية، من الطبيعي أن يهب المضطهد للتعبير عن رفضه ويقف في مواجهة تلك السياسات، لكن من غير الطبيعي أن يتعامل مع قهره بلامبالاة.

إذا لم تع الأقلية الفلسطينية أنها أمام خطر حقيقي، وتبقى لامبالية إزاء مخططات التهويد، سيمر مخطط برافر في النقب ، وسيمضي مخطط حريش دون عوائق، وسيتواصل تهويد مدن الساحل دون رقيب، وستبنى مستوطنات أخرى على أراضي العرب، وسيشق التفافي "نتسريت عيليت"، وسيفقد فلسطينيو الداخل شيئا فشيئا أهم مقومات وجودهم، ومستقبل أبنائهم، الأرض.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018