"محمد مرسي مبارك"!../ علي جرادات

"محمد مرسي مبارك"!../ علي جرادات

كوجه آخر لتوطد السلطة واستتبابها، (النسبي طبعاً)، للنظام المصري الجديد ورئيسه "الإخواني"، مرسي، تتسع بتسارع، وتتعمق، المعارضة السياسية والشعبية لهذا النظام الذي تظهر خطواته الأولى نكوصاً عن وعوده بتغيير يطوي صفحة التفرد بالسلطة عبر إحداث تحول ديمقراطي سياسي واجتماعي فعلي، (العامل الأساسي لاندلاع الانتفاضة الشعبية، وهدفها الرئيسي)، بينما يعي كل من يعرف ألف باء السياسة، وترابط قضاياها بقضايا المجتمع والاقتصاد، والتأثير المتبادل بينها، بأن تحقيق هذا التحول في مصر كدولة "نامية" تابعة، قط لا يأتي من بوابة مواصلة اعتماد سياسة النظام المخلوع في الاقتراض من البنك وصندوق النقد الدوليين، والاعتماد على المعونة الأمريكية السياسية المذلة، والارتكاز على شريحة فاسدة جشعة من رجال المال والأعمال والتجارة، ما يفسر شنَّ المرشح الرئاسي السابق، حمدين صباحي، أعنف هجوم له على النظام الجديد، واتهامه بعدم الجدية في إجراء تغييرات جوهرية في السياسة الاجتماعية للنظام السابق، مبيناً أنه كان بمقدور السلطة الجديدة الاستغناء عن اقتراض  4.8 مليار دولار أمريكي من صندوق النقد الدولي بتحويل 5 مليار دولار أمريكي إلى البنك المركزي المصري من الاحتياط العام للخزينة البالغ 10 مليار دولار أمريكي، ويفسر أيضاً ما شنه العديد من المفكرين الاقتصاديين المصريين من هجوم لاذع ضد الرئيس المصري الجديد بسبب طغيان رجال المال والأعمال والتجار على تشكيلة الوفد المرافق له إلى الصين، معتبرين ذلك استمراراً لتوجهات النظام السابق في الاعتماد على هذه الشريحة التي لا تهمها السياسة إلا بقدْرِ ما توفره لشركاتها من ثراء فاحش، بصرف النظر عن نقل مهمة منسق علاقتها بالنظام وتحالفها معه من أحمد عز رجل المال والقيادي في الحزب الوطني المنحل والصديق الحميم لمبارك ونجله جمال، إلى حسن مالك رجل المال والأعمال "الإخواني" الأهم بعد أخطبوط رجل المال لجماعة الإخوان المسلمين، خيرت الشاطر.

عليه، كان لافتاً، وليس غريباً، أن يتصدر شعار "محمد مرسي مبارك" شعارات شبيهة رفعها متظاهرون مصريون ضد سياسة نظام الرئيس المصري الجديد، لتظهير عدم وجود فروق جوهرية بين سياسة هذا النظام القادم لتوه للسلطة بعد انتفاضة شعبية وباسمها، وبين سياسة النظام القديم الذي خلعته هذه الانتفاضة، سواء لجهة ممارسة سياسة التفرد ذاتها في إدارة الدولة والاستحواذ على مفاتيح التحكم بسلطتها واحتكارها، أو لجهة اعتماد السياسة الاجتماعية ذاتها التي تمخضت عن إثقال كاهل الدولة المصرية بدين خارجي يقدر بنحو 50 مليار دولار أمريكي، فيما تقدر ودائع أثرياء مصر في البنوك الأجنبية بنحو 100 مليار دولار أمريكي، وعن تآكل الطبقة الوسطى التي تعاني، (وطبعاً أكثر منها)، الطبقات الشعبية، حالة بطالة وإفقار وحرمان وإملاق خيالية حدَّ أن يضطر 15 مليون فقير مصري للعيش في "عشوائيات" ينعدم فيها الحد الأدنى من شروط العيش الآدمي، فضلا عن ملايين أخرى تسكن المقابر، وكل ذلك مقابل حالة من الثراء الفاحش لشريحة فاسدة من رجال المال والأعمال والتجارة، عملت، ولا تزال، (بمعزل عما إذا كان أفرادها ملتحين أو غير ملتحين)،  كسمسار محلي لآليات السيطرة والنهب الخارجية على مقدرات مصر، وذلك عبر تحالف "حيتان" هذه الشريحة  مع نخبة سياسية بيروقراطية مدنية وعسكرية وأمنية منتفعة مستبدة فاسدة ومتهاونة وطنياً وقومياً وتابعة، أنجبتها وقاعدتها الاجتماعية قبل أربعة عقود "سياسة الانفتاح" الساداتية التي أفضت إلى توقيع اتفاقية كامب ديفيد بشروط وطنية وقومية مجحفة ومذلة، وهي النخبة نفسها بقاعدتها الاجتماعية ذاتها التي تعمق نفوذها في عهد مبارك الذي لم يكتفِ بما بدأه السادات من تهاونٍ وطني وقومي، ومن ضَرْبٍ للطبقة الوسطى والطبقات الشعبية ومكتسباتها من سياسة تنفيذ الإصلاح الزراعي وبناء القطاع العام، بل أوغل، (مبارك)، حدَّ إخضاع إرادة مصر بالكامل للشروط السياسية الأمنية والعسكرية الأمريكية الإسرائيلية، وحدَّ إدراجها في دواليب السياسة الاقتصادية لليبرالية الجديدة القائمة على الخصخصة وبيع القطاع العام، وفتح البلد أمام استثمارات رأس المال الاحتكاري النهبي الغربي المعولم، وفتح سوقها الوطنية أمام سياسة التجارة الحرة والمتحررة من أية قيود، وكل ذلك في إطار اعتماد سياسة ونصائح البنك وصندوق النقد الدوليين، كأكبر مؤسستين ماليتين دوليتين تتحكم بهما، وتعزز من خلالهما، إمبراطورية رأس المال الاحتكاري الغربي المعولم بقيادة الاحتكارات الأمريكية، سيطرتها على العالم ونهب ثرواته وإفقار شعوبه بعامة، وشعوب دول "المحيط"، ومنها الشعوب العربية، بخاصة.

للوهلة الأولى تبدو الانتقادات الموجهة للرئيس المصري الجديد معزولة ومتعجلة ومسبقة ومثقلة بظلال أيديولوجية كتلك التي يحملها كيل المديح والتطبيل لكل خطوة يخطوها بعيداً عن الفحص السياسي العقلاني لنتائجها، باعتباره رئيساً منزها وذا مسحة "ربانية"، لكن واصمي هذه الانتقادات وأصحابها بالعزلة والتعجل والتطرف الأيديولوجي، إنما ينسون بوعي أو بجهالة، اعتبار هذه الانتقادات تكثيفاً لرؤية قوى سياسية مصرية أظهرت جولتا انتخابات الرئاسة أن شعبيتها تفوق شعبية "الإخوان"، وتجمعها اليوم، (بمشاربها الفكرية المتنوعة)، معارضة سياسة الرئيس المصري في إدارة السلطة، بعد اتضاح معالمها الأولية المنافية لوعوده النظرية بإحراز تحولٍ ديمقراطي سياسي واجتماعي، قط لا تقود إليه، بل، وتحول دون بلوغه، مجموعة الخطوات التي أقدم عليها حتى الآن، بدعم، وربما بتوجيه، من جماعة "الإخوان"، كخطوات من شأن المزيد منها تعجيل تحويل تسمية "محمد مرسي مبارك" بدلالاتها الكبيرة، من تسمية تطلقها اليوم طلائع واعية منظمة إلى شعار سياسي يلتف حوله طيف واسع ومتنوع، (وربما متحد لاحقاً)، من القوى السياسية والفكرية والائتلافات الشبابية ومنظمات المجتمع المدني، ولعل في هذا تفسيراً للهجوم الأيديولوجي الاستباقي الحاد الذي شنه القائم بأعمال رئاسة حزب الحرية والعدالة "الإخواني، عصام العريان، على هذه القوى، حيث اتهمها بالخيانة وتلقي التمويل الأجنبي و"احتقار الدين"، لا لسبب إلا لأنها تجرأت على انتقاد الرئيس مرسي كرجل سياسة يتولى سلطة دولة باسم انتفاضة شعبية ذات مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية، وليس بوصفه شيخاً، كصفة لا يجوز، ولا يمكن، أن تحول دون نقده ومعارضة سياسته، أو أن تكون سبباً لتنزيهه والدعوة لقتل كل من يتظاهر ضد سياسته، كما أفتى أحد فقهاء الأزهر وغيره من محازبي وأعضاء "مجلس شورى" جماعة الإخوان المسلمين.

تذكرني جرأة انتقاد المعالم الأولية للسياسة الاجتماعية لنظام ما بعد انتفاضة 25 يناير 2011، بتجرؤ نظام ما بعد ثورة 23 يوليو 1952 على طرد رأس المال الأجنبي المسيطر، (بالملكية أو بالمساهمة)، على مؤسسات مصر الاقتصادية آنذاك، وإصراره على تأميم هذه المؤسسات وتحويل ملكيتها إلى الدولة، ومعارضة الداعين لـ"تمصيرها"، أي بيعها للقطاع الخاص، تعبيراً عن رفْضِ هذا النظام بقيادة عبد الناصر تبني سياسة "الاقتصاد الحرة"، واعتمادها دون إنشاء قطاع عام، قاد تبنيه، فضلاً عن تبني الإصلاح الزراعي لمصلحة صغار الفلاحين، إلى بناء سياسة اجتماعية أثمرت مجانية التعليم والعلاج و...الخ من مكتسبات الطبقات الشعبية، كمكتسبات مسحها عهدا نظام السادات ومبارك، ويبدو أن النظام المصري الجديد ليس في وارد تبني سياسة اجتماعية تستعيد هذه المكتسبات، فهل يكون هذا، (إضافة إلى محاولة التفرد بالسلطة وإعادة احتكارها)، سبباً جوهرياً آخر، في تعجيل تغييره؟          
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018