ورطة نتنياهو../ د. فايز رشيد

ورطة نتنياهو../ د. فايز رشيد

حتى هذه اللحظة، لم يطرح نتنياهو مشروع موازنة حكومته السنوية للعام 2013 على الكنيست، مع أن من المفترض أن يكون قد طرحه في النصف الأول من شهر آب/أغسطس الماضي. السبب وفقاً للصحافة الإسرائيلية هو: خشية رئيس الوزراء الإسرائيلي من ردود فعل الإسرائيليين عليها، فهي وفقاُ لمصادر إسرائيلية مقرّبة من نتنياهو ستتضمن تخفيضات كبيرة في التزامات الحكومة تجاه الغالبية العظمى من الإسرائيليين: كأموال الضمان الاجتماعي والتأمين وغيرهما، وهؤلاء في معظمهم من الفقراء، ذلك بسبب الأزمة الاقتصادية المتنامية في إسرائيل والتي كانت سبباً في مظاهرات وتحركات احتجاجية كبيرة ضد الحكومة الحالية.

وفقاً للمحللين الإسرائيليين: لن يطرح نتنياهو مشروع الموازنة حتى في الأسابيع القادمة، الأمر الذي يحتم عليه الدعوة لانتخابات تشريعية مبكرّة وسريعة، قد تجري حتى مطلع العام المقبل 2013. الحل الأخير يشكل مخرجاً لرئيس الوزراء، فهو سيكون أمام تحالفات جديدة غير القائمة حالياً ومعظمها من الأحزاب اليمينية والفاشية، والتي اشترطت عليه تلبية كافة مطالبها، وأغلبها اقتصادية كانت سبباً في وصول الأزمة الاقتصادية إلى مستويات عالية، وأدت إلى احتجاجات كبيرة في الشارع. نتائج استطلاعات الرأي في إسرائيل تبيّن: أنه وإذا ما قامت انتخابات مبكرة، فستتراجع شعبية الليكود ونتنياهو، وبالتالي سيقل عدد مقاعد الحزب في الكنيست مقابل ازديادها لصالح حزب العمل وحزب كاديما.
في المقابل، يطرح كتّاب ومحللون إسرائيليون سيناريو آخر يتمثّل فيما يلي: أن يتفق نتنياهو مع شركائه في الحكومة على طرح الموازنة العامة، مع لجم محدود للضربات المفترضة، على أمل أن يحقق نتائج أكثر إيجابية خلال العام المقبل، ثم تجري الانتخابات في موعدها في خريف العام 2013 وفق ما يحدده القانون، وبذلك يتجاوز مواجهة الاحتجاجات في الشارع على خلفية الأزمة الاقتصادية. هذا الحل ليس مضموناً أيضاً، فمن غير المحتمل أن تقبل الأحزاب الشريكة لنتنياهو في الائتلاف الحكومي الحالي بالمس في التسهيلات المالية المقدمة إليها، والتي جرت الموافقة عليها قبلاً من الحكومة. هذه الأحزاب ستهدد بفك ائتلافها، الأمر الذي سيرجح الدعوة لانتخابات مبكرة.

أيّاً كانت التوقعات فإنه سيكون على نتنياهو حسم الأمر خلال شهر أيلول/ سبتمبر الحالي على الأكثر، بفعل ضرورة تحديد الموقف من مشروع الموازنة العامة المقبلة، قبل حلول الربع الأخير من العام الحالي وبدء الدورة الشتوية للكنيست الإسرائيلي. معروف أنه وبعد انسحاب "كاديما" بزعامة موفاز من الائتلاف الحكومي، فإن الأغلبية التي تتمتع بها الحكومة الحالية هي أغلبية هشّة، لا تتيح لرئيس الوزراء الحالي الذهاب بعيداً في خياراته السياسية والاقتصادية.

على الصعيد السياسي أيضا: فإن هناك إجماعاً سياسياً إسرائيلياً فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية والتسوية مع الفلسطينيين والعرب وحول الاستيطان والقدس ورفض عودة اللاجئين وغيرها من اللاءات الإسرائيلية، لكن أحد أوجه الاختلاف السياسي الإسرائيلي يتمثل في الموقف من توجيه الضربة العسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، فنتنياهو ومؤيدوه يرون أهمية ضرب إيران حتى لو قامت إسرائيل بمفردها في هذه الهجمة. أما الفريق الآخر، فيرى أن وجهة نظر نتنياهو هذه هي: انتحار سياسي ولابد من التنسيق مع الولايات المتحدة ومشاركتها الفعلية في تحجيم المشروع النووي الإيراني عسكرياً.

على الصعيد الآخر، نقلت تقارير صحفية إسرائيلية كثيرة: أن نتنياهو وفي استقباله في الأسبوع الماضي لعضو الكونجرس الجمهوري من متشيغن مايك روجرز، الذي يتولى رئاسة لجنة الاستخبارات في الكونجرس، وبحضور السفير الأمريكي في تل أبيب دان شبيرو، هاجم الرئيس الأمريكي أوباما بحدة متهماً إياه "بأنه لا يفعل شيئاً في المسألة الإيرانية، وبدلاً من ممارسة الضغوطات على إيران، يقوم هو وفريقه بالضغط على إسرائيل لعدم الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية". وانتقد بشدة بيانات الإدارة الأمريكية التي تقول: أنه ما زال هناك مجال للديبلوماسية قائلاً وبحزم "إن الزمن قد نفذ".

السفير شبيرو ردّ على نتنياهو بحزم وبلهجة عدم الرضى، وشرع يدافع عن الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأنه لن يسمح "بإيران نووية" و"أن كل الوسائل بما في ذلك الهجوم العسكري مطروح على الطاولة". حسب صحيفة "هآرتس" فإن نتنياهو اصطدم أيضاً مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في اتصال هاتفي أجرته معه وناشدته "بأن لا يقوم بشن هجوم منفرد على إيران"، الأمر الذي أغضب نتنياهو وخاصة أن المستشارة الألمانية أبلغته بأنها تتحدث بلسان فرنسا وبريطانيا والعديد العديد من الدول الأوروبية.

بالمعنى الفعلي فإن الخطر الإيراني الذي جعله نتنياهو على رأس أولوياته يشكل خلافاً بين إسرائيل ومعظم حلفائها من حيث القيام بتوجيه ضربة عسكرية إسرائيلية منفردة. المعارضة الاسرائلية طلبت اجتماعا للكنيست لبحث توتير الأجواء التي سببها نتنياهو مع الولايات المتحدة. من جانب آخر فإن آخر الأنباء تحدثت عن: أن نتنياهو لا يحوز على الأغلبية في الحكومة لتوجيه ضربة لإيران.

يبقى القول: إن الخيارات أمام نتنياهو تضيق إن بالمعنى الأقتصادي أو في بعض الجوانب السياسية المهمة داخلياً وخارجياً، الأمر الذي يجعله في ورطة حقيقية.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018