"نطالب... إسرائيل"../ حنين زعبي

"نطالب... إسرائيل"../ حنين زعبي

كما خرج الإسرائيليون الذين لا يعانون من احتلال، بل يتمتعون به، في مظاهرات احتجاجية تخلو من السياسة، كذلك خرج الفلسطينيون تحت شعارات خالية من السياسة وخالية من الإحتلال. وبدل أن يحذو الفلسطيني حذو ابن أمته العربي الذي وضع لقمة العيش في سياق الكرامة، أصر الفلسطيني في الشارع كما أصر المحتل على أن مظاهراته اقتصادية تتعلق بـ"غلاء الأسعار". في هذا الوصف ظلم كبير للكثير من الفلسطينيين، ولبعض المجموعات شبابية التي تتشكل في الخليل ورام الله وغيرها، سواء ميدانيا بشكل ضعيف أو ألكترونيا بشكل أكثر نشاطا، لكنه ككل الأوصاف يصيب عندما يتعلق الأمر بما يسيطر على المشهد الحالي ويحركه، مع الاحتفاط بكامل الأمل في كواليس ستحرك مشاهد قادمة.

تم إغلاق شوارع، وأحرقت إطارات سيارات، وأضربت النقابات (الفتحاوية، ولأول مرة)، وأعلنت إضرابات عامة، وخرجت بعض كوادر فتح لشوارع المدن الرئيسية، ولم تتدخل أجهزة الأمن كعادتها في قمع المظاهرات، وكلها مؤشرات تشير إلى "قناعة" السلطة –على الأقل- بهذه المظاهرات... لكن، وطبيعي، علينا أن نقول، ... تمت السيطرة المطلقة على ألا تمس المظاهرات نقاط التّماس والمواجهة مع المحتل في الحواجز، وتم حصرها في المدن الرئيسية.

الاحتلال ينشط، لكن الأهم أن معادلة الانفصام بينه وبين النضال ضده، تنشط هي الأخرى، وما كان للاحتلال أصلا ليستشرس لولا تلك المعادلة. ومن شدة استرخاء الاحتلال ـ وواقع الاحتلال السهل- تنقل إسرائيل مرتبة الاحتلال إلى مرتبة السيادة الإسرائيلية الكاملة، وتذهب بمفردها، راضية كلاعب وحيد على الساحة، إلى حالة تشبه "الحل النهائي" عبر قضم وإلحاق 40-60% من المنطقة C ( 64% من ال 22% من فلسطين التاريخية) إلى إسرائيل.

لا يتم توسيع المستوطنات الإسرائيلية عبر مصادرات من الريف الفلسطيني وتجريفه فقط، بل يتم استهداف البنية التحتية وأراضي كافة المدن الفلسطينية، ففي جنين تغلق عشرات آبار المياه الارتوازية، في بيت لحم يتم إقامة مشروع لمتنزهات وحدائق توراتية، يدعو إليه ساعار وزير "التربية"، كمحاولة لإحياء كتلة "غوش عتصيون" جنوبا، وفي الخليل يتم هدم 400 مبنى منذ بداية هذه السنة واستهداف آبار مياه وترحيل الفلسطينيين من بلدة سوسيا، في نابلس يستمر الاحتلال في مصادرة الأراضي.

أما القدس، الذي يريد نتانياهو أن يسجل إغلاق ملفها تحت اسمه، فأصبحت كبرى ومهوّدة على الطريقة التوراتية، عبر حدائق ومتاحف ومدن توراتية، وتم عزلها بشكل شبه كامل عن الضفة، وتوسيعها يهوديا لتشكل 10% من الضفة بضم 14 مستوطنة لها في محيط "غوش عتصيون" من جهة، والتخلص من 60 ألف فلسطيني وعزلهم خارج حدود القدس في مخيم شعفاط وراس خميس من جهة أخرى.

وخرج الفلسطينيون لشوارع رام الله ونابلس ... خرجوا ليحتجوا على ارتفاع الضرائب، والغلاء وعدم دفع الرواتب، خرجوا ضد "حكومة" يسمونها "تدير شؤونهم"، بينما الحكومة الحقيقية التي تدير شؤونهم موجودة في القدس المحتلة أو تل-أبيب.

وتحدث أبو مازن عن "عدم توفر أي موارد للفلسطينيين". لم يتحدث عن هدم الموارد الفلسطينية، أو هدم البنية التحتية وتعزيز تخلفها. تحدث عن الخارج البعيد، وليس عن الداخل والسيد الحقيقي، الذي قضى على الاقتصاد الزراعي ناهيك عن منع تطوره، ومنع تطور اقتصاد حديث، فجرف الأرض وخرب المزروعات، ولوث واستولى على المياه الجوفية، وهدم الآبار، وأغرق الضفة ببضائع رخيصة، حتى المزروعات والخضار والحبوب يبقى استيرادها من إسرائيل أرخص من زراعتها أو إنتاجها. هذا الاحتلال الذي هدم الريف، وأتلف مزروعاته، ومنع حتى ارتباط مساحات منه بالتيار الكهربائي، كما منع تطوير شبكات مياه عادمة في العديد من قراه، وكثف المدينة وهدم بنيتها التحتية، ومنع التطور الصناعي فيها، فريفها، وحول الاعتماد إما على إسرائيل أو على منتوجات المستوطنات الإسرائيلية نفسها، تلك المصانع التي وفر لها الاحتلال أرض الفلسطيني وساعده.

هذا الاحتلال الذي يبنى ليهدم، يبني المستوطنات للمستوطن ليقطع أوصال الفلسطيني ويسرقه ويحد أفق تطوره، ويبني جدار الفصل العنصري للإسرائيلي في تل –أبيب، أيضا ليهدم للفلسطيني، الجدار الذي قضى على الاقتصاد الزراعي الذي لم تقض عليه مصادرة الأراضي وشق الطرق وإغلاق مناطق باعتبارها عسكرية، فصودرت الأرض وتم الاستيلاء على البيارات والكروم والمزارع، وعزل المزارعون حتى عن أرضهم التي لم تصادر ومنعوا من استصلاحها وزرعها، فما لم يصادر تحول إلى أراض بور، وجرف الجدار معه آلاف الدونمات من الأراضي ومئات آلاف أشجار الزيتون والحمضيات والدفيئات والمشاتل كما جرف خطوط الري والآبار الارتوازية. الأمر الوحيد الذي "سمح" به الاحتلال هو تطوير قوات "الأمن"، التي لا علاقة لها بتاتا بالحفاظ على أمن الفلسطيني، والتي تصل إلى 45% من إجمالي الموظفين الحكوميين، وتلتهم جزءا ضخما من ميزانية هزيلة، كان من الأجدر أن تذهب لبناء ما تهدمه إسرائيل.

ثم، نخرج للشارع ضد سلام فياض!
ثم نتحجج برواتب قوات الأمن!
ثم "نطالب" إسرائيل (لنذكر أنها المحتل)، بأن تعيد النظر في اتفاقية باريس! آسفة، يأن تعيد النظر في بعض شروط اتفاقية باريس. أي نحن مخلصون وحريصون في الحفاظ على علاقتنا مع المحتل، لكن "نطالب" بتغيير بعض بنود ارتباطنا به!

صحيح، نحتاج لطاقات من الإرادة والكبرياء لكي نناضل، لكننا نحتاج لموارد كبيرة من الدهشة أمام تبريرات عدم النضال، وقدرتنا على تسويغ حياتنا و"تعديل بنودها" في ظل القمع والاحتلال والقتل.

هل استمرت إسرائيل بالاحتلال بناء على بنود باريس أو أوسلو؟ (أوسلو التي لم تطالب حتى بتجميد الاستيطان كما طالبت كامب ديفيد)، وهل "طالبتنا" بتعديل هذه البنود؟ هل بنت إسرائيل الجدار وحاصرت غزة بناء على "اتفاقيات" أوسلو أو باريس؟ وهل منعت أكثر من 10 آلاف عامل كانوا يتوجهون يوميا للعمل داخل الخط الأخضر (أيضا حسب اتفاقية باريس) عندما بنت الجدار، بموافقة السلطة الفلسطينية؟

هل نناضل ضد الاحتلال بموافقة إسرائيل؟ هل "غلاء المعيشة" شخصا أو مؤسسة أو جهة أو دولة أو سلطة أو محتلا، مسؤولا عما يجري؟ هل نسمي المخطط الكولونيالي "نشاطات إسرائيلية" في خطابنا مع رئيس مصر؟

هل " ندعو – من عائلة نطالب- إسرائيل للحل السياسي" وهي مشغولة وغارقة فيما تراه هي حلا سياسيا؟ ما الذي تفعله إسرائيل إذا لم تكن تحدد "الحل السياسي" عبر رسمها لحدود ما لن تتفاوض عليه؟

كان يكفي رسميا ودوليا تقرير ليفي، لكي يشكل ذريعة مقبولة حتى ضمن الخطاب العالمي المتهادن مع إسرائيل، لمقاطعة إسرائيل بالكامل، لوقف التنسيق الأمني، ولإعلان أن إسرائيل لا تريد السلام بل الإحتلال. لكن، لا إرادة سياسية لذلك.

الحقيقة العارية تكفي لكي نقول أن المشكلة ليست في بنود اتفاقية باريس، بل في وجود اتفاقية باريس التي تربط موازنة 4 مليار دولار بموازنة 90 مليار دولار. كان يكفي أن تقول السلطة إن من يعاني من الاحتلال لا يستطيع إدارة حياته عبر اتفاقيات تربطه مع المحتل، ولن يستطيع أن يتحرر من الاحتلال بموافقة ورضى المحتل. رضى المحتل مطلوب فقط للبقاء في السلطة.

المشكلة ليست في إدارة ما يسمى دون خجل "حكومة فلسطينية"، بل في طبيعة "الكيان" الفلسطيني.. والمشكلة أنه ليس "كيانا" لكي يدار، فأنت لا تستطيع تطوير اقتصاد بمعزل عن الاحتلال، أو غير مربوط به، ولا تستطيع تطوير اقتصاد ضمن الاحتلال وتحت سيطرته. إذا المشكلة ليست كيف تدير الإقتصاد، فأنت لا تستطيع إدارته إلا كاقتصاد تابع، و"كقطعة غيار" كما قال باحث فلسطيني، للاقتصاد الإسرائيلي.

نحن لا "نطالب إسرائيل" يا سيادة الرئيس، كما لا تطالبك إسرائيل. إسرائيل تقرأ بطريقة غير مهزومة مصلحة شعبها وتنفذه، أو تستقيل عندما تفشل.

فليستمر الفلسطينيون بالتظاهر، وليستثمروا الحراك الذي بدأ، وليرشدوه سياسيا، لتنضم لهم قوى "الأمن"، ولنرفع الشعار الوحيد القادر على وقف معاناتنا: "التحرير".

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018