تأملات في تداعيات فيلم سخيف../ علي جرادات

تأملات في تداعيات فيلم سخيف../ علي جرادات

لافت للانتباه، ومثير للاهتمام، ومثقل بالدلالات، أن يتحول فيلم، (براءة المسلمين)، السخيف مضموناً، والرديء شكلا وإخراجاً وتمثيلاً، إلى حدث قادر على إشعال موجة من الغضب الشعبي والسياسي العربي والإسلامي ضد سياسة الولايات المتحدة ومصالحها وتوابعها من الأنظمة في المنطقة العربية وغلافها الإقليمي.

هنا من الطبيعي حدَّ البداهة استنتاج أن سياسة الولايات المتحدة المعادية للشعوب العربية، حقوقاً وتطلعات وقضايا، وأولاها القضية الفلسطينية، هي ما يجعل هذه الشعوب قابلة للاشتعال في وجه هذه السياسة، والانتفاض عليها، ما دامت قائمة على إستراتيجيين ثابتتين مترابطتين لا تحيد عنهما: إستراتيجية ضمان السيطرة على الثروات العربية ونهبها، وإستراتيجية رعاية إسرائيل وتوسعيتها وعدوانيتها واستباحاتها، وضمان تفوقها على ما عداها من دول المنطقة وقواها، ما يعني أنه في منزلة التبسيط حدَّ السذاجة، وأنه في عداد التضليل المكشوف والمفضوح، اعتبار أن استغلال تنظيم "القاعدة" وتنظيمات تكفيرية جاهلة ومتطرفة أخرى لهذا الفيلم، يمكن أن يكون سبباً كافياً لتفسير تحويل هذا الفيلم الهابط إلى حدث سياسي هز المنطقة، والسياسة الأمريكية تجاهها، من أقصاها إلى أقصاها، ذلك أن اقتحام تنظيم "القاعدة"، (وهو صناعة أمريكية على أية حال)، لسفارة الولايات المتحدة في ليبيا، وقتل السفير وثلاثة من مساعديه، لم يكن سوى الشرارة التي أشعلت النار في كامل سهل المنطقة القابل للاشتعال أصلاً.    

على أية حال، كما لكل حدث، ثمة لحدث فيلم، (براءة المسلمين)، السخيف وتداعياته، وجهان: ظاهر وباطن. ففي الظاهر يتراءى أن ضمان الحق في حرية التعبير عن الرأي هو فقط سبب السماح بإنتاج هذا الفيلم الهابط وهدفه، وأن نشر بعض مقاطعه هو فقط ما أدى إلى إثارة موجة من الغضب الشعبي والسياسي العربي والإسلامي ضد الولايات المتحدة، حدَّ اقتحام سفاراتها وقتل وإصابة بعض من فيها وحرق وإتلاف بعض وثائقها، بل، وخلق أزمة سياسية بينها وبين بعض الأنظمة العربية والإقليمية. وفي الظاهر أيضاً يتراءى أن دوافع الحكمة والحرص على إظهار عقلانية وحضارية وسماحة الإسلام وما يوصف بـ"المعتدل" و"الوسطي" من أنظمته وحركاته السياسية، (وخاصة تلك التي وصلت حديثاً إلى سدة الحكم في أكثر من دولة عربية)، هي فعلاً دوافع إصدار فتاوى إدانة الهجوم على السفارات الأمريكية وتخطئة من قاموا به، وبالتالي تغطية قمعهم وقتل وإصابة العشرات منهم.

   في المقابل، فإنه ليس لعاقل له دراية بألف باء السياسة وتعقيدات حقلها، ويستخدم ولو الحد الأدنى من طاقة دماغه، إلا أن يتجاوز ظاهر هذا الحدث الحاجب لباطنه الذي، (فقط)، بالتفكير فيه يمكن تفسير، وفهم، والقبض على، أهم الدلالات السياسية لإنتاج هذا الفيلم، وهدفه، ونشر بعض مقاطعه، وهي:

1: استخدام القضية القبطية في مصر مدخلاً لهذا الفيلم، ما يشي بأن إثارة، وتغذية، الفتنة الدينية داخل مصر، وبالتالي في محيطها العربي وغلافها الإقليمي، هو الهدف الأساسي للقائمين على إنتاج هذا الفيلم ومن يقف وراءهم، ومن يدعمهم سياسياً ومالياً.

2: التوقيت السياسي، (موسم التنافس الانتخابي الأمريكي وذكرى أحداث 11 أيلول 2001)، لنشر بعض مقاطع هذا الفيلم الذي يقال أن إنتاجه تم في العام 2011، ما يشي بأن ثمة طرفاً سياسياً أمريكياً له مصلحة في تجديد استعمال ذرائع "المحافظين الجدد" لـ"الغزوة" "البنلادنية" غير الميمونة إياها في 11 أيلول 2001.

3: مشاركة عقاري أمريكي إسرائيلي في إنتاج هذا الفيلم، ما يشي بأن ثمة طرفاً سياسياً إسرائيلياً له مصلحة في إنتاج هذا الفيلم، وفي نشر بعض مقاطعه في هذا التوقيت السياسي بالذات، وذلك في إطار لعبة محاولات التأثير على نتائج الانتخابات الأمريكية، وهي المحاولات التي لم يعد سراً وقوف رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، وائتلافه الحكومي، خلفها.

4: تجاهل الأنظمة الرسمية العربية التابعة للسياسة الأمريكية، أو ما يسمى، (من قبيل التلطيف)، بأنظمة "الاعتدال العربي"، لكل ما سبق ذكره من دلالات سياسية، ذلك أن الغوص فيها، لا يجلب لها سوى المزيد من الإحراج السياسي، ومن تآكل شرعية وجودها في السلطة، ومن تأجيج غضب شعوبها، (المنتفضة أصلاً)، ضدها، ما يفسر مفارقة "عقلانية" تعاملها مع ما ينطوي عليه هذا الفيلم من إثارة، وتغذية، للفتنة الدينية، بينما يعلم القاصي والداني أن هذه الأنظمة، والخليجية الوهابية منها بالذات، تشارك الولايات المتحدة، (بالتمويل والتسليح)، في إثارة، وتغذية، الفتنة المذهبية والطائفية، في أوساط الشعوب العربية بعامة، والمنتفضة منها بخاصة.

5: حرص ما يوصف بـ"المعتدل" و"الوسطي" من حركات الإسلام السياسي على تجاهل كل ما سبق ذكره من دلالات سياسية لهذا الفيلم وأهدافه، ذلك أن من شأن تظهيرها أن يشوش على، ويطعن في، ويفشي سر أثمان ومقتضيات، ناشئ علاقة الولايات المتحدة، والدول الغربية عموماً، بهذه الحركات بعد تسلمها للسلطة باسم انتفاضات شعبية قط لن يكون الحديث جاداً عن تحقيق مطالبها في الكرامة والحرية والديمقراطية السياسية والاجتماعية والتنمية المستقلة والسيادية من دون مراجعة، وإنهاء، سياسة التبعية للسياسة الأمريكية، ما يفسر التناقض بين ما اتخذته هذه الحركات من مواقف "عقلانية" و"حضارية" تجاه هذا الفيلم وتداعياته، وبين ما أنتجته هي، (وليس ما تفرع عنها لاحقا من حركات تكفيرية متطرفة)، من فكر لا يرى الولايات المتحدة والدول الغربية عموما، إلا من زاوية أنها "كافرة"، وليس من زاوية أنها مستعمِرة ناهبة ومسيطِرة.         

  قصارى القول: يحيل التناقض بين الظاهر والباطن لحدث فيلم، (براءة المسلمين)، (أهدافاً وتداعيات ومواقف)، إلى ظاهرة استخدام السياسة للدين، سواء من قبل الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية، أو من قبل ما يوصف بـ"المعتدل" و"الوسطي" من حركات وأنظمة الإسلام السياسي، ذلك أن النظام السياسي الليبرالي للرأسمالية الغربية في مرحلتها الاحتكارية، وبالتالي الاستعمارية، هو صانع نظرية "تمدين الشعوب باستعمارها" ونظرية "صراع الحضارات"، بكل ما أفضى إليه ذلك من توليد، أو المساهمة في نشوء أو تقوية، الكثير من التنظيمات والأنظمة السياسية الدينية والمذهبية والعرقية والطائفية، التي تعج المنطقة العربية، فضلاً عن غلافها الإقليمي، بعدد وافر من ألوانها، ما انفكت الولايات المتحدة، (كقائد لتحالف رأسماليات الاستعمار والنهب الغربية، منذ العام 1945)، تستخدمها لتعظيم تراكم رأس مالها الاحتكاري المعولم، ذلك على الرغم من ثبوت أن هذا الاستخدام هو سيف ذو حدين، وهذا ما برهنت عليه، (على الأقل)، تجربة مساهمة الولايات المتحدة وتوابعها العربية والإقليمية في خلق وتقوية تنظيم "طالبان" الأفغاني ثم تنظيم "القاعدة" واستخدامهما في مواجهة الإتحاد السوفييتي قبل انهياره، حيث انقلب السحر على الساحر في أحداث 11 أيلول 2001 التي يتكرر اليوم درسها، وإن بصورة أقل، في تداعيات فيلم، (براءة المسلمين). إنه درس الأثمان المترتبة على انتهازية لعبة استخدام السياسة للأديان والطوائف والمذاهب والأعراق والإثنيات.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018