الفيلم المسيء للرسول والاعتبارات المزدوجة للغرب بحرية التعبير/ خلود مصالحة

الفيلم المسيء للرسول والاعتبارات المزدوجة للغرب بحرية التعبير/ خلود مصالحة

عــ48ـرب

لم يكن مسائي عاديًا، فكان مثقلا بأخبار من العالم العربي والإسلاميّ عن إحتجاجات على إنتاج فيلم مسيء للرسول عليه الصلاة والسلام سمي بـ "براءة المسلمين"، جزء من تلك المظاهرات كان بالفعل نصرة للنبي الكريم وجزء آخر بدا لي وكأنه تسجيل موقف سياسيّ لا أكثر، وبغض النظر قررت أن أهرب من هذا الكم الهائل من الأخبار إلى عالمي الوهميّ، حيث أمارس طبيعتي البشرية وأستمع إلى أغاني تساعدني على التصالح مع ذاتي وتصفية الذهن للتقدم بنفسية محارب إلى المعارك القادمة.

هذا الهروب لم يدم طويلا، فسرعان ما رن هاتفي ووصلتني رسالة نصيّة أدهشني جدًا طلبها. في الرسالة، التي على ما يبدو تم تعميمها عبر الهواتف النقالة، طلب مني ان أبدأ من اليوم حملة مقاطعة للـ "يو تيوب" ولـ "غوغل" لمدة 3 ايام لرفضهم الطلبات التي قُدمت بإزالة الفيلم المسيء للرسول الكريم من على موقع الـ "يو تيوب" التابع بطبيعة الحالة لشركة "غوغل"، كما وطلب مني تعميم الرسالة إلى آخرين حتى تصل إلى أكبر عدد من "المقاطعين"!

مقاطعة "يو تيوب"؟! هل الموضوع قابل للتطبيق؟! لمدة 3 ايام ؟! لماذا أصلا يتم معاقبة "يو تيوب"؟! ولماذا علينا توجيه سخطنا وغضبنا إلى "غوغل"؟! أصلا، لماذا علينا أن نرد على نشر هذا الفيلم المسيء؟!

لا شك لدي بأن هدف الفيلم هو المس بالديانة الإسلامية، وإثارة الفتنة وإشعال فتيل الطائفية، ولا بد من الإشارة إلى أن مستوى الفيلم هابط ورديء ويتخطى حدود السذاجة، وإلى أن المدانين هم اولاءك الذين ساهموا في صناعته، وليس أحد آخر، ومعاداة أي شخص لمجرد أنه يشارك القائمين على الفيلم ديانته، هو عمل لا يقل سوءً عن الفيلم، بل ويحقق أهدافه.

ومن المهم التذكير هنا على أنه لا يوجد في أي دستور لدولة تُعرف نفسها على أنها ديمقراطية فصلا يجرّم التهجم على المقدسات الدينية (على سبيل المثال، الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم)، لأن تضمين مثل هذا الفصل في الدستور من شأنه إثارة التمييز والتعصب الديني والمس بحرية التعبير عن الرأي وهو ما تمنعه بلدان عديدة، تنص صراحة في دساتيرها على منع الدولة من ممارسة بعض أعمال التعصب أو التفضيل الديني داخل حدودها. عليه فأن حضور الدين في أغلب دساتير الدول التي تٌعرف نفسها على أنها ديمقراطية يقتصر على أحكام حرية المعتقد ومنع الدولة من التمييز والتعصب الدينيّ .

ما ذكر أعلاه يعني أن حرية التعبير عن الرأي تقف ندًا لحرية المعتقد والدين، فهي من جهة تُعد على أنها حق طبيعي مصون، لكن من جهة أخرى هو حق خاضع ايضًا لضوابط أخلاقية ومنوط بعدم الإعتداء على الآخرين. ويتعامل معها القانون الدولي بوضوح: إذا ما راجعنا البند رقم 19 من الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (وهو أهم الوثائق الدوليّة المعنية بتنظيم حقوق الإنسان على مستوى العالم) سنجد أنه ينص على أن "لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة ، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود"، لكن إذا ما نظرنا إلى البند رقم 20 من نفس المادة سنجد على أنه "يدين التحريض على الحرب وإثارة البغضاء الوطنية أو العنصرية أو الدينية وأي شكل من أشكال التمييز أو العداء أو العنف".

واضح جدًا من التعريف، إذا ما أختزلنا نوايا مخرج الفيلم التي أعلن عنها لوسائل الإعلام، كان إنتاج الفيلم سيصب في خانة حرية التعبير عن الرأي، وبذلك سيكون من الصعب ترجيح الكفة وتبني أي خطاب حقوقيّ لصالح حرية المعتقد على حساب المس بحرية التعبير. وهذا ما حصل عام 2005 عندما قامت صحيفة "يولاندس بوستن" الدنماركية بنشر مقالة في الصفحة الثالثة بعنوان "وجه محمد" ونشر مع المقال 12 رسمة من الرسوم في بعضها استهزاء وسخرية من النبي محمد صلى الله عليه وسلم فإحداها تظهر عمامته على أنها قنبلة بفتيل، وقد حاولت الجالية الإسلامية وقف الصور لكن الصحيفة رفضت وكذلك الحكومة الدنماركية أيدت الصحيفة بحجة حرية الرأي والتعبير.

وإن كانت حرية التعبير هي التبرير في حالة الرسوم المسيئة للرسول، إلا أنه في حالة الفيلم يمكننا الجزم بأن الدافع الأساسي له الحقد والتحريض على الإسلام والمسلمين. ففي مقابلة حصرية لصحيفة "وول ستريت جورنال" صرح مخرج الفيلم على أن الهدف منه "إظهار العقيدة المدمرة للإسلام والمسلمين". وفي مقابلة أخرى قال ستيف كلاين، من منتجي الفيلم وفقا لتعريفه، في مقابلة حصرية على القناة العاشرة الإسرائيلية، على أنهم –منتجي الفيلم- "دعوا مسلمي الولايات المتحدة لحضور فيلم عن سذاجة بن لادن، مما حفزهم للقدوم والمشاهدة، ولما وصلوا فاجئناهم بفيلم عن جنون محمد". وأضاف كلاين في حديثة "ادعائهم بأننا عنصريين، كاذب ومفتعل، وردة الفعل على الفيلم هي ما قصدنا اظهاره، هم – المسلمين- هكذا، افعال محمد دفعت بهم إلى الكراهية؛ القتل؛ والحسد"!.

بعد هذه التصريحات العلنية من قبل منتجي الفيلم لا يمكننا تجاهل الحقيقة أن المعايير الخاصة بمبادئ حرية الرأي والفكر والتعبير لم تنطبق على الفيلم المؤذي لمشاعر المسلمين، حتى ولو أستغلتها بعض الأطراف كذريعة لذلك، كما حصل في المانيا مع الحزب اليميني المتطرف "برو دويتشلاند" والذي نشر مقطعًا من الفيلم على موقعه، الأمر الذي عارضه بشدة وزير الداخلية الألماني علمًا أن حرية التعبير عن الرأي مقدسة في المانيا.

وعودة إلى "غوغل"  ليس من باب الدفاع عنها، بل من باب الموضوعية،  فأنها وأن رفضت حذفه من الـ "يو تيوب" إلا أنها استجابت لمطالب كافة الحكومات التي توجهت إليها وحجبت الفيلم عنها، حيث حُجب الفيلم عن سكان مصر؛ وماليزيا؛ والباكستان؛ الهند؛ ليبيا وافغانستان وقد جاء على لسان الناطق بأسمها أن عملية الحذف تمت بعد التأكد على أن نشر الفيلم يسيء للجمهور الإسلامي في تلك الدول، وأكد الناطق عدم خضوعهم إلى الضغوطات العالمية وخاصة تلك المدافعة عن حرية التعبير، الأمر الذي يؤكد التجاوب من قبل إدارة "غوغل" – ولو جزئيًا- مع مطالب المحتجين.
قد يدعي البعض على أن هذا القرار لـ "غوغل" يأت من منطلقات إقتصادية، وسيقول آخرون، كما في حالة منسقة شؤون حقوق التعبير في مؤسسة "الكترونيك فرونتير"، ايفا غالبرين، والتي أدعت أنه "اذا فعلوها – غوغل- مرة واحدة فسيعيدون الكرة في حالات اخرى تعاطفًا مع العالم الإسلامي"، ومن الممكن فعلا أن يكون كذلك، لكنه لا يلغي الإعتراف الضمني لشركة "غوغل" بأن هذا الفيلم يمس، فيما يمس، بحرية التعبير ايضًا، عليه سيتوجب التفكير مليًا في قرار المقاطعة لها عامة ولموقع الـ "يو تيوب" خاصةً.

غوغل، ورغم أن مواقف إدارتها مثيرة للشك، لا سيما المتعلقة بمكانة القدس، والاحتفالات باستقلال إسرائيل، إلا أن قراراها قد يحمل ابعادًا أخرى، فهو يفضح إزدواجية الغرب البغيضة فيما يتعلق بحرية التعبير، فهو – الغرب- يمارس تلك الإزدواجية في كل الميادين، فيبدو متحرراً من كل القيود في بعض الأحيان، خاضعًا لحرمة الخطوط الحمراء التي لا يعترف بوجودها أصلا، في أحيان أخرى، مثال على ذلك التماهي مع خطاب اللاسامية الإسرائيلي، حيث لوحق الكثير بتهمة معاداة السامية، أما معاداة العرب أو الإسلام فلا أحد يلتفت إليها.

أحترم مظاهرات الاحتجاج والتعبير عن السخط على الإساءة، لكن الخطاب الطائفي مدان ويقودنا إلى التهلكة، كما أن العنف ليس أداة للدفاع عن دين السماحة ورسالة التسامح، فمظاهر العنف والتحريض الطائفي التي شاهدناها تسهم في تحقيق أهداف القائمين على الفيلم.

إذا ما نظرنا إلى ما أدت اليه تلك المظاهرات والإحتجاجات، مقتل 14 شخصًا وجرح ما يقارب الـ 700 شخص على الأقل بالإضافة إلى حرق العديد من المؤسسات والسفارات الأمريكية في أنحاء العالم، يحضرنيّ قول الله تعالى "فإصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين" [الحجر:95]، وأتساءل: من دفع فاتورة إنتاج الفيلم المسيء للرسول ؟!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018