صبرا وشاتيلا بعد 30 عاما../ ألان غريش

صبرا وشاتيلا بعد 30 عاما../ ألان غريش

الإفلات من العقاب وقوانين الحرب

في مقدمة كتاب كرسه لمجزرة صبرا وشاتيلا، أورد الصحافي الفرنسي الإسرائيلي أمنون كابليوك ـ وكان قد اشتهر لنشره تحقيقاً عن تلك الاحداث ـ بياناً لأمير دروري أحد الجنرالات الإسرائيليين، وأحد المسؤولين عن تلك المجزرة، أصدره بعد مرور عشرين سنة عليها جاء فيه: "دخل 150 عنصراً من قوات الكتائب مخيم اللاجئين. وفي المقابل، كانت التقديرات تشير إلى وجود 2000 إرهابي. ولم يقلقني وقتئذ إمكان ارتكاب مجزرة، ولكن ما اقلقني هو اننا سنجد أنفسنا مضطرين إلى إغاثة اللاجئين بسبب عدم تكافؤ القوى الموجودة (...) وتبيّن خلاصة تقرير كاهان أن أي إسرائيلي، عسكري او مدني، لم يعرف بوقوع المجزرة ولم يشارك فيها، ولم يعلم أحد بها في الوقت الذي كانت ترتكب" (يديعوت أحرونوت، 31 ايار/ مايو 2002).

بعد ان فضح كابليوك مزاعم هذا المسؤول، أشار الى قلة الاكتراث التي تثيرها ذكرى المجزرة في إسرائيل، إضافة إلى سعيها لإخفائها مجازر اخرى ارتكبتها إسرائيل لاحقاً، أكان في حرب تموز 2006، أو في عدوانها على غزة في عامي 2008 و2009. ونحن إذ نذكر في الغرب تقريراً نشرته لجنة التحقيق الإسرائيلية (لجنة كاهان) الذي أشار إلى بعض المسؤوليات ـ حتى أنه ادى إلى استقالة وزير الدفاع، المسؤول الرئيس عن المغامرة اللبنانية، الجنرال أريئيل شارون ـ إلا أننا نسينا كيف أخفت تلك اللجنة بعض الوقائع وخففت من مسؤولية الحكومة الإسرائيلية. ومن المفارقات، أنه لم يبق من صبرا وشاتيلا بالنسبة إلى الرأي العام الغربي، إضافة إلى تظاهرات مئات الآلاف من الإسرائيليين المنددين بالمجزرة، إلا حقيقة أن اللجنة قد اشتغلت وأثبتت بأن إسرائيل "دولة ديموقراطية". وهذه الحجة تتكرر باستمرار لتلطيف المسؤولية الإسرائيلية. وهل تعفى الدولة لمجرد كونها ديموقراطية من المجزرة التي ترتكبها؟ وهل تكون القنبلة التي تسقط على أحد المخيمات مختلفة في حال كانت الدولة التي تلقيها ديموقراطية؟ لقد كانت فرنسا التي أقرت السلام في الجزائر دولة ديموقراطية، ولكن جرائمها لم تكن أقل فظاعة.

بعد مضي ثلاثين عاماً على صبرا وشاتيلا، لا يزال المجرم مفلتاً تماماً من العقاب. ولم تنجح عمليات استنهاض المجتمع المدني والمساعي لجرّ شارون إلى المحاكم البلجيكية أو الأوروبية باسم الولاية القضائية العالمية. لماذا هذا الإفلات من العقاب؟ لمحاولة فهم ذلك، لا بد من العودة إلى المساعي الهادفة إلى تعريف قواعد القانون الدولي للقانون الإنساني.

غداة الحرب العالمية الثانية، وضعت اتفاقيات جنيف المتعلقة بحماية المدنيين في أثناء الحرب في 12 آب/ أغسطس، 1949 ـ ووقع البروتوكولان الإضافيان في حزيران/ يونيو عام 1977. وكان المجتمع الدولي قد قبل القيود التي تطبق على جميع أطراف الصراع، بغض النظر عن شرعية قضيتهم. وبالتالي، فإن المادة 48 من البروتوكول الإضافي الاول يبيّن بوضوح "قاعدة أساسية" هي التالية: "تعمل أطراف النزاع على تمييز السكان المدنيين من المقاتلين وتمييز الأعيان المدنية من الأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية من دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام السكان المدنيين والأعيان المدنية وحمايتهم".

صحيح إن هذه الأهداف لم تتحقق في كثير من الأحيان، خصوصا في ما يتعلق بحروب التحرير في العالم الثالث، إلا أن نهاية الحرب الباردة أتاحت التمني بالتغيير، ولا سيما مع إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في عام 2002، على الرغم من رفض الدول المهمة مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين التوقيع على نص إنشائها. وفي الوقت الذي يزداد الكلام على حقوق الإنسان حدة، وعلى ضرورة مكافحة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، يبدو احتمال محاكمة مجرمي الحرب مقتصرة على بعض حكام الدول الأفريقية. ولم يقلق حقاً الرئيس بوش المسؤول عن تدمير العراق في عام 2003 من فعلته، ولم يخفْ القادة الإسرائيليون المسؤولون عن حرب تموز/ يوليو عام 2006 وعن العدوان على غزة في كانون الأول/ ديسمبر 2008 من عواقب عدوانهم.

والأهم من ذلك ربما، إن 11 أيلول/ سبتمبر 2001 وإعلان الحرب على الإرهاب، دفعا عدداً من الحكومات إلى المجاهرة بدرجات متفاوتة برفضها علناً للمبادئ نفسها بشأن العدالة الكونية التي بدت مكتسبة، والتي تنطبق على الأقوياء كما على الضعفاء.

هكذا تساءل جون بودهوريتز  John Podhoretz، وهو أحد منظري المحافظين الأميركيين الجدد، في مقالة نشرت في صحيفة "النيويورك بوست" الأميركية في 25 تموز/ يوليو 2006، في اثناء الحرب على لبنان: "هل الديموقراطيات الليبرالية لم تتطور إلى درجة تخولها خوض حروب فعالة بسبب انشغالاتها الإنسانية الاخرى...؟" ويتابع: "وكيف لو أن خطأنا التكتيكي في العراق يتجسد في اننا لم نقتل ما يكفي من السُنة في بداية تدخلنا لتخويفهم منا وبث الرعب في نفوسهم حتى يقبلوا أي شيء؟ ألم يكن بقاء الرجال السنة الذين تتراوح اعمارهم بين 15 و35 سنة على قيد الحياة وراء التمرد، والسبب الأساس للعنف المذهبي؟

وأضاف بودهوريتز: "ماذا كان سيحدث لو كانت إسرائيل تملك جميع الإمكانات لتحقيق أهدافها، ولكنها لا تستطيع ان تستعرضها من دون ان تضغط على عدو أكثر خطراً (حزب الله) يتمتع بأخلاق ومبادئ أقل، بل وأكثر همجية من القادة الوحوش للانتفاضة؟".

وختم قائلا: "هل هذه هي المفارقة الراعبة في فن الحرب في القرن الحادي والعشرين؟ إذا كان من غير الممكن أن تهزم إسرائيل والولايات المتحدة عسكرياً بالمعنى التقليدي، فهل هذا يعني أن اعداءنا قد اكتشفوا وسيلة جديدة للانتصار؟ ألا يسعون إلى النصر من خلال إضعاف معنوياتنا فحسب، ما يجعلنا نواجه تحدي بلوغ مستوى وحشيتهم، مع العلم أننا لن نفعل ذلك (...)؟ هل من الممكن ألا تعرّض عظمة حضارتنا الأخلاقية ـ وإعارتها اهتماماً مذهلاً لقيمة الفرد ـ مستقبلَ حضارتنا؟"

ويسجل هذا المنطق الراعب عودة إلى الوراء مقارنة بالمسلمات، النظرية منها على الأقل، التي باتت قيد التداول بعد الحرب العالمية الثانية، ألا وهي تعريف القواعد الكونية للقانون الإنساني. ويخطئ من يظن إن هذا المنطق يقتصر على بضع دوائر معزولة. إلا أن من يحمل لواءه بصورة أساسية هو تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة. هكذا، يشرح أستاذ القانون في جامعة هارفارد آلان ديرشوفيتز Alan Dershowitz ، وهو مدافع شرس عن أي نشاط إسرائيلي، بالقول "لا بد للقانون الدولي ولمن يديرونه أن يفهموا أن القواعد القديمة" لا تنطبق على هذه الحرب غير المسبوقة ضد عدو متعصب لا يرحم، وأن "قوانين الحرب والقواعد الأخلاقية يجب ان تتكيف مع هذه الحقائق الجديدة"(2).

رأينا في فرنسا عدداً من المفكرين يدافعون عن هذه النظريات، يؤكد كلود لنزمان  Claude Lanzman، في صحيفة "لوموند" الفرنسية في 4 آب/ أغسطس 2006، ـ إذ يستعيد الحجة التي وضعها "الفيلسوف" برنار هنري ليفي، وهو نفسه الذي دخل غزة في شتاء 2008 على ظهر دبابة إسرائيلية مدافعاً عن جرائم الحرب التي ارتكبها جيشه المفضل ـ أن إسرائيل كانت لتختفي من الوجود منذ زمن طويل لو لم تبالغ بردة فعلها. من الناحية النظرية، إنها خطوة كبيرة إلى الوراء إذ يدعونا فيها هؤلاء المسؤولون والمفكرون إلى اجتراح فارق أساسي بين البشر، بين البيض والآخرين، فارق يشكل عودة إلى العقلية الاستعمارية العلنية.

في عام 1898، دافع أستاذ العلوم السياسية هاينريش فون تريشكه Heinrich von Treischke عما كان يبدو بديهياً لمعاصريه: "يستحيل القانون الدولي مجرد عبارات إن كنا نسعى إلى تطبيق مبادئه على الشعوب الهمجية. فلمعاقبة قبيلة زنجية لا بد من حرق قراها، إذ لن يتحقق شيء ما إذا لم نجعل منهم مثالاً. ولو طبقت الإمبراطورية الألمانية القانون الدولي، لما عُدّت تلك الخطوة مبادرة إنسانية أو عدالة، وإنما نُظر إليها على أنها ضعف مخجل(3). فقد اختُرعت طلقات "الدمدم" (المتمددة) في أواخر القرن التاسع عشر، وكانت تتسبب بجروح خطرة. في عام 1897، حظرت اتفاقية لاهاي الدولية التي تبنتها الدول المتحضرة تلك الطلقات، و"جعلت استعمالها مقتصراً على الطرائد الكبيرة والحروب الاستعمارية". وبالنسبة إلى همجيي اليوم، وإلى أغلبية العرب والمسلمين، يمكن استخدام القصف الكاسح والعشوائي، والقنابل المنثارية، إذ أنهم لا يفهمون لغة أخرى.

ولا تشكل هذه الرؤى للقانون الدولي، التي لاتطبق إلا بشكل انتقائي، سوى تراجع استثنائي للفكر والأخلاق. بل إنها تشوه خطاب حقوق الإنسان الذي يدّعي الغرب إنه بطله، وتعزز تلك الرؤى التي ندّعي نحن مكافحتها.

فباسم "الحرب على الإرهاب"، أعلنت إسرائيل الحرب على لبنان، وأفلتت من القوانين الدولية. وباسم "الحرب على الإرهاب" أيضاً شُن العدوان على غزة في كانون الأول/ ديسمبر 2008. ولم يؤد أي من هذه الأفعال إلى محاكمة، وإلى مثول قادة إسرائيل أمام محكمة، أكانت وطنية أو دولية. وكلنا يذكر ما آل إليه تقرير غولدستون، الذي صيغ في سياق بعثة لتقصي الحقائق للأمم المتحدة، والذي لم ينجم عنه أي أثر قضائي. فقد شنت إسرائيل حملة معادية، بدعم من الولايات المتحدة ـ بما في ذلك حملة ضد القاضي اليهودي الجنوب أفريقي الذي تعرض لضغوط هائلة جعلته، وحده من دون زملائه الآخرين في البعثة، يتنصل من التقرير الذي كان قد كتبه بنفسه! ومع ذلك، فقد أكد عدد من التقارير التي أصدرتها المنظمات الدولية الأخرى، بما في ذلك منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي.

لكن تصريحات غولدستون أتاحت لليمين وللحكومة الإسرائيلية الابتهاج. وكان أفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية الفاشي، أول من عبّر عن فرحه. وفي مقالة نشرت في 3 نيسان/ أبريل 2009 في جريدة "لوموند" الفرنسية بعنوان "حرب غزة: إسرائيل تطالب بإلغاء تقرير غولدستون بعد ندم كاتب التقرير" ذكر ما يلي: شدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على القول "لا بد من رمي التقرير في مزبلة التاريخ"، بعد أن كان قد طلب من محامين وخبراء في وزارة الشؤون الخارجية دراسة ملف التقرير. وأكد وزير الدفاع إيهود باراك لراديو الجيش الإسرائيلي "يجب الآن (على إسرائيل) مضاعفة جهدها من أجل إلغاء هذا التقرير، وسأسعى لتحقيق ذلك"، بعد أن كان قد طلب من القاضي غولدستون "نشر استنتاجاته الحالية" دونما الاكتفاء بمجرد مقال صحافي بسيط.

ماذا يعني هذا التراجع للقاضي غولدستون؟ هذا واضح بالنسبة إلى المحامية الإسرائيلية غابرييلا شاليف Gabriela Shalev، أستاذة القانون، ومؤخراً سفيرة إسرائيل لدى الأمم المتحدة، إذ صرحت لراديو إسرائيل: "النقطة الإيجابية تتعلق بما سنقوم به في المستقبل وهل نحن بحاجة إلى الدفاع عن أنفسنا مرة أخرى ضد المنظمات الإرهابية. يمكننا أن نقول: إنه لا توجد طريقة أخرى لمواجهة ذلك الإرهاب غير الطريقة التي تعاملنا بها في عملية "الرصاص المصبوب".

هذا "التصريح" بقتل الإرهابيين، هو تماماً ما طالب به نتنياهو منذ مدة طويلة. "يتمنى نتنياهو استهاض عدد من الدول الغربية المعنية بمكافحة الإرهاب من أجل وضع قواعد جديدة للحرب تتيح للبلدان الدفاع عن أنفسها ضد الهجمات الإرهابية"(4). إنه من غير الممكن أن تفلت إسرائيل من العقاب من دون تواطؤ الولايات المتحدة والدول الأوروبية. يدحض القادة الغربيون، على الأقل علناً، فكرة الصدام بين الحضارات وحرب الأديان. ولكن بهدف الإقناع بأن لا بد من عدم الاكتفاء بمجرد الكلمات، فقواعد القانون الدولي تنطبق على الجميع، وليس على الضعفاء وحدهم. وهؤلاء القادة الذين يدعون لتوقيف الرئيس السوداني أو أي ملك أفريقي آخر هم أنفسهم يحمون أريئيل شارون وجورج بوش اللذين ارتكبا جرائم خطرة. وستبقى تلك الفجوة بين الشرق والغرب، بين "هم" و"نحن" ما دامت ازدواجية المعايير مستمرة. وإذا لم يكن في وسعنا أن ننسى ضحايا مجازر صبرا وشاتيلا، فهو لأننا نؤمن أن جميع الضحايا، أياً كانت، يحتاجون ليشهدوا الاعتراف بمأساتهم، ويحتاجون إلى أن يروا المذنبين في المحاكمة، وأن يوضع حد للإفلات من العقاب: لا يوجد ضحايا "جيدون"، وضحايا "سيئون". ولا بد هنا في هذا السياق، من العودة إلى تصريحات نظراء سكان جزيرة ميلوس، ضحايا الأثينيين، التي وجهوها إلى الحكام الأثينيين الذين كانوا يسعون إلى استعبادهم، تماماً كما يسعى اليوم القادة الأميركيون والإسرائيليون عندما يتوجهون إلى العرب: "في عالم البشر، لا تتمتع الحجج القانونية بأهمية إلا بقدر ما يكون الخصم ينعم بوسائل متكافئة، وفي حال لم ينطبق ذلك عليه، سيستفيد الطرف الأقوى من قوته، ولا يعود أمام الضعفاء إلا الخضوع" (5).
نائب مدير صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» ومدير مدوّنة «أخبار الشرق».
1- Raoul Marc Jennar, Sabra et Chatila, pourquoi juger Sharon, Mediapart; 17 september 2012.
2- Norman Finkelstein, «Should Alan Dershowitz Target Himself for Assassination?», Counterpunch, 12-13 aout 2006.
(3) Sven Lindqvist, Exterminez toutes cec brutes, Le Serpent a plumes, 1998.
(4) Cite dans Ethan Bronner et Isabel Kershner, «Israel Grapples with Retraction on U.N. Report». The New York Times, 3 avril 2011.
(5) Thucydide, La Guerre du Peloponnese, Gallimard, Paris, 1964, tome 2, p. 120.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018