حماس والربيع العربي… استنتاجات تنظيمية بسمات سياسية../ ماجد عزام*

حماس والربيع العربي… استنتاجات تنظيمية بسمات سياسية../ ماجد عزام*

* مدير مركز شرق المتوسط للإعلام

كنت وما زلت أعتقد أن حماس هي الجزء الأكثر حيوية في الجسم السياسي الفلسطيني المعتل، هذه الحقيقة تبدو واضحة في منعطفات ومفاصل حاسمة في الماضي. كما من خلال التعاطي الحمساوي الراهن مع الربيع العربي وتداعياته الفلسطينية، والذي وإن غلب عليه الجانب التنظيمي والمؤسساتي، إلا أنه أفضل بما لا يقاس من ردود أفعال آخرين عمدوا إلى دفن رؤسهم في الرمال؛ والتصرف وكأن شيئاً لم يكن، والتغاضي المتعمد عن التداعيات الاستراتيجية الهائلة للثورات العربية على القضية الفلسطينية، كما حاضر ومستقبل المنطقة ككل.

آثرت حماس في البداية النأي بنفسها عن الثورات العربية، وتبنت خطابا محايدا نوعاً ما، دون إخفاء الانحياز إلى الشعوب ومطالبها المحقة، إلا أن الحسم السريع في مصر؛ سقوط نظام مبارك ووصول الإخوان إلى السلطة معطوفاً على تأجج الثورة السورية وإصرار النظام على الحل الأمني وارتكاب جرائم حرب، وحتى جرائم ضد الإنسانية في مواجهة الشعب الثائر الباحث عن الحرية والكرامة، أجبرا الحركة على مغادرة مربع الحياد والإعلان صراحة عن انحيازها إلى الشعوب، وأنها جزء لا يتجزأ من سيرورة الربيع العربي التي أوصلت زملاءها الإسلاميين إلى السلطة أو على الأقل أكدت صعوبة تجاوزهم في رسم مستقبل ومصير المنطقة.

أدت الثورة المصرية إلى خروج قيادة حماس من غزة إلى العالم، وتواصلها المباشر مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي، بينما أدت الثورة السورية وإصرار النظام البعثي على الحل الأمني القمعي والإجرامي إلى خروج قيادة الخارج مضطرةً من دمشق، وتشتتها بين العواصم. خلق هذان المعطيان الظروف المناسبة أمام إعادة ترتيب للبيت الحمساوي وفق موازين القوى المستحدثة بين الداخل والخارج كما الوقائع المستجدة في القاهرة دمشق وعموم المنطقة.

لم تشهد حماس كبقية الفصائل هيمنة صارخة للخارج على الداخل، غير أن أسبابا موضوعية تمثلت بالحصار الخانق الذي فرض على غزة بعد "انقلاب 2007"، وتقييد حركة الحركة للقيادة هناك، أدت إلى استئثار الخارج بنصيب أساسي من المسؤوليات والقرارات التنظيمية وكل ذلك على قاعدة أو بذريعة دعم صمود الداخل، مواجهة الحصار وإنجاح المشروع السياسي السلطوي بغزة. هذا الواقع أخذ في التبدّل مع حرية الحركة النسبية لقيادة غزة منتصف العام 2009، ثم الحرية الكاملة بعد الربيع العربي واتصالها وتواصلها مع العالم الخارجي ومطالبتها بما اعتقدته حقها الطبيعي ونصيبها من كعكة القرار الحزبي تصحيحاً للخلل الذي وقع خلال السنوات الخمس الأخيرة، وسمح بوجود ثلاثة أعضاء فقط في المكتب السياسي للحركة وهو أعلى هيئة قيادية فيها، رغم أن الثقل السياسي التنظيمى والعسكري للحركة يتركز أساساً في غزة.

تصرفت قيادة الداخل من زاوية أن الربيع العربي صبّ في مصلحتها تنظيمياً، وحتى سياسياً - من منطق فئوي ضيق - واستمدت بالتالي قوة معنوية كبيرة في مواجهة قيادة الخارج التي باتت عملياً بلا مأوى ومشتتة بين العواصم، علماً أنها اتخذت القرار الأخلاقي والسياسي الصحيح بالابتعاد عن النظام البعثي البشع البغيض والمجرم، الذي ابتزها وأحرجها وأخرجها من دمشق، وتصرفت بمسؤولية واضحة وأبدت استعدادها لتقديم التنازلات على المستوى الحزبي الداخلي وبدرجة أقل على المستوى الوطني العام.

وهكذا جرى التوافق على إصلاحات تنظيمية جذرية كبيرة، وربما تاريخية أيضاً، أسست لعودة مركز الثقل الحمساوي إلى داخل فلسطين عبر تقسيم أعضاء المكتب السياسي بالتساوي بين غزة الضفة والخارج - ما يعني ثقل واضح وأغلبية ملموسة للداخل - والأهم ما جرى تكريسه من صلاحيات واسعة للقيادات المحلية المنتخبة للحسم في التحديات والأزمات التي تواجهها، ما يعني مثلاً صلاحيات واسعة لقيادة غزة المنتخبة في اتخاذ ما تراه مناسباً في ملفات مثل الاقتصاد والأمن والمعابر والتهدئة وحتى المصالحة كونها مرتبطة بالملفات السالفة الذكر.

غير أن الانتصار التنظيمي الأهم تمثل في فصم العلاقة التنظيمية والشخصية التي كانت قائمة بين قيادة الجناح العسكري -كتائب القسام- وقيادة الخارج، وتحديداً السيد خالد مشعل بحجة الحصار والظروف الأمنية الموجبة الضاغطة والقاسية، وهي العلاقة التي أطلقت عملياً دون حسيب أو رقيب يد الكتائب في الداخل ويد السيد مشعل ومقربيه في الخارج، وبعد الإصلاحات والترتيبات التنظيمية الجديدة تم تصحيح الخلل والواقع المشوّه وإعادة الجناح العسكري إلى مسؤولية ورقابة القيادة السياسية المنتخبة في غزة، وهي الخطوة التي ستكون لها تداعيات تنظيمية وسياسية، وحتى استراتيجية على واقع ومستقبل الحركة.

مقابل الاستنتاجات والإصلاحات التنظيمية على طريق التماهي والتساوق مع تداعيات وآثار الربيع العربي، تجاهلت قيادة غزة الاستنتاجات السياسية أو رأت في أحسن الأحوال أن بإمكانها الانتظار بينما بدت قيادة الخارج أكثر استعجالاً وإلحاحاً وإدراكاً بأهمية الاستنتاجات السياسية واستحالة مواكبة الربيع ومتغيراته الهائلة بمعزل عنها.

فهمت قيادة حماس مجتمعة - كما تبدى من تصريحات متواترة للزهار وأبو مرزوق - أن دول الربيع العربي المنهكة والمدمرة بفعل السياسات الكارثية للعسكر وأنظمة ما بعد الاستقلال الاستبدادية والفاسدة، ستنشغل بنفسها لسنوات طويلة ضمن سيرورة إعادة البناء وتأسيس الدولة المدنية الديموقراطية العادلة، وبالتالي لا يجب على الفلسطينيين تحميلها أكثر مما تحتمل ومطالبتها بأن تكون ملكية أكثر من الملك وفلسطينية أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.

غير أن هذا الفهم لم يترافق للأسف مع استنتاجات سياسية جذرية وحاسمة، ورغم الحديث عن المقاومة الشعبية وإنهاء الانقسام والمصالحة والحماس النسبي لقيادة الخارج الحمساوية، إلا أن قيادة غزة القوية لا تبدو في عجلة من أمرها، وتعتقد أن الزمن يعمل لصالحها ولا تريد التخلي عن ذهنية العسكرة القاصرة وضيقة الأفق، التي أدت ضمن أمور أخرى إلى وصول الوضع الفلسطيني إلى ما وصل إليه من انقسام وضعف وانهيار سياسي اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.

وضع الربيع العربي برأيي الفلسطينيين، بمن فيهم حماس طبعاً، أمام معطيات مختلفة لا يمكنهم التهرّب منها أو تجاهلها، وتلزمهم ليس فقط باستغلال الوقائع المستجدة لترتيب بيتهم الداخلي وتطبيق اتفاق المصالحة الموقّع في القاهرة منذ عامين تقريباً وإنما إدارة الصراع وفق مقاربة جديدة تقطع جذرياً مع ذهنية السنوات العشر الماضية لجهة المفاوضات العبثية والعديمة الجدوى والكفاح المسلح العنيف العشوائي والارتجالي، تستلهم من روح الميدان وتتبع نموذج المقاومة الشعبية السلمية متعددة الأبعاد والمستويات الميدانية السياسية الإعلامية الاقتصادية والقضائية، والاقتناع التام بأن الفلسطينيين وحدهم، وحتى لو كانوا مجتمعين غير منقسمين عاجزين على حسم الصراع سلماً أو حرباً وأن هذا منوط بعمل عربي مختلف أيضاً ويقطع بالضرورة مع المقاربات البائسة والقاصرة لأنظمة الاستبداد والفساد البائدة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018