الإخوان المعادون لعبد الناصر يسقطون في بدايات طريقهم السياسي../ زياد شليوط

الإخوان المعادون لعبد الناصر يسقطون في بدايات طريقهم السياسي../ زياد شليوط

تحل ذكرى غياب القائد العربي جمال عبد الناصر الـ42 الذي توفي في يوم 28 سبتمبر عام 1970، وكان رئيسا للجمهورية العربية المتحدة (مصر)، وقائدا شعبيا للأمة العربية ورائدا للقومية العربية في فترة الستينيات من القرن الماضي، وأحد رواد وقادة حركة عدم الانحياز البارزين. تحل ذكرى وفاته وقد سجلت ثورة يناير المصرية نجاحات من ناحية، وإخفاقات من ناحية أخرى. تحل ذكرى رحيل عبد الناصر مفجر ثورة 23 يوليو عام 1952 مع رفاقه في تنظيم "الضباط الأحرار"، التي وضعت حدا للحكم الملكي الفاسد، وأعلنت النظام الجمهوري، وبدأت ببناء المؤسسات وإجراء التغييرات الثورية الداخلية، وحملت إلى جانب ذلك همّ القضية الفلسطينية والقضايا العربية الأخرى، وبات عبد الناصر الأب والحضن الذي يستند إليه العرب وقوى التحرر في العالم عند الملمات والصعاب.

وربما يكون أهم ما يميز حلول ذكرى رحيل عبد الناصر هذا العام، هو سيطرة حركة الإخوان المسلمين على الحكم في مصر، وممثلها الدكتور محمد مرسي يجلس على كرسي الرئاسة، إثر الانتخابات الرئاسية الأولى التي شهدتها مصر بعد ثورتها الأخيرة، تلك الحركة التي شكلت عنصرا معارضا وعدائيا لفترة طويلة لعبد الناصر شخصا وحكما ونهجا. ووصل حقد الإخوان على عبد الناصر أنهم لم يوقفوا حملاتهم الظالمة ضده بعد وفاته، والتي لم تتوقف عند الناحية السياسية والعقائدية، إنما غالوا فيها، ونبشوا في تراثه الشخصي علهم يعثرون على مثلبة واحدة يمكنهم من خلالها التعرض له، لكنهم عادوا بخفي حنين، وهذا لم يردعهم عن مواصلة الحملات الحاقدة مستغلين غياب القائد، وانقلاب السادات على نهج وتراث عبد الناصر وإطلاقه الحرية للإخوان لمحاربة للناصرية والشيوعية في مصر، والتضييق على القوى الناصرية بالذات فشعر الإخوان بأنهم أحرار بالإساءة الى عبد الناصر، دون رادع من ضمير أو مراعاة لحقيقة تاريخية.

ولن نعود في هذه العجالة إلى أسباب ومسيرة الخلاف بين عبد الناصر والإخوان المسلمين، وهي كثيرة وكتب حولها الكثير منها الموضوعي وهو قليل جدا، ومنها المشوَّه والمشوِّه، المضلَّل والمضلِّل وخاصة من جانب الإخوان ومؤيديهم. لكن يمكننا اليوم الوقوف على حقيقة الخلاف الجوهرية وهو السلطة، فبعدما رأى الإخوان نجاح الثورة التي قادها عبد الناصر، وبعدما أقدمت الثورة على حل الأحزاب باستثناء حركة الإخوان المسلمين، ورغم عدم مشاركتهم في الثورة آنذاك إلا أنهم رأوها مناسبة لأن ينقضوا على الثورة، لكن يقظة عبد الناصر ورفاقه أفشلت مخططاتهم، فلجأوا إلى السلاح حيث استعمل بعض عناصرهم السلاح الحي والعصي في هجوم مفتعل على احتفال لطلاب الجامعة يوم 12 يناير 1954، وهذا أدى بمجلس قيادة الثورة الى إصدار قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين بعد عامين من قرار حل الأحزاب. ( أحمد حمروش- قصة ثورة 23 يوليو، الجزء الأول) وتصاعد الخلاف ووصل الى حد محاولة اغتيال عبد الناصر أثناء القائه خطابا تاريخيا في ميدان المنشية في الاسكندرية عام 1954 ، حيث أطلق أحد أجراء الاخوان تسع رصاصات باتجاه صدر عبد الناصر إلا أن العناية الإلهية حالت دون إصابته، ومن هنا بدأ الصراع التاريخي والطويل بين عبد الناصر والاخوان. وبعد حل الحركة ومحاكمة رموزها ونشطائها وسجن عدد منهم، استمرت في محاولاتها التخلص من نظام عبد الناصر، ووصلت الى حد تكديس الأسلحة بكميات كبيرة وردتها من قوى خارجية، للقيام بانقلاب عسكري على الثورة المصرية، لكن تم اكتشاف تلك الأسلحة عام 1965 وأحبطت المؤامرة. (سامي شرف في حوار مع عبد الله إمام- عبد الناصر كيف حكم مصر؟)

واليوم ورغم عدم مشاركة الإخوان في ثورة يناير إلا أنهم عرفوا كيف يستغلون الظروف ويظهروا وكأنهم أصحاب الثورة وسلبوا نتائجها، وهم يراوغون حيث ادعوا بداية أنهم لن يتقدموا بمرشح للرئاسة لكن سرعان ما غيروا رأيهم ورشحوا الدكتور مرسي الذي فاز بالجولة الثانية بفارق بسيط، ونجحوا في انتزاع السلطة بشكل شرعي هذه المرة، لكنهم يقفون حاليا أمام امتحان التاريخ والشعب.

في مزاودات الاخوان على سياسة عبد الناصر، ذهب البعض الى حد اتهامه بالتعامل مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة، وكأنه باع كرامة مصر واستقلالها، في الوقت الذي كان فيه عبد الناصر يقارع الغرب ومخططاته في العالم العربي وعلى رأسه الولايات المتحدة والأخيرة تعتبره من أخطر أعدائه وتخطط للتخلص منه. واليوم يظهر لنا جليا من الذي يماليء الولايات المتحدة ويتعامل معها بكل انصياع، فها هو رئيس مصر الجديد ممثل الاخوان المسلمين يفوز بانتخابات الرئاسة تحت اشراف ورضى الولايات المتحدة، وأول مسؤول خارجي زار مصر بعد الانتخاب والتقاه الرئيس محمد مرسي، كانت وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون، وأول زيارة خارجية له كانت الى المملكة السعودية ربيبة الولايات المتحدة وحليفتها في المنطقة العربية! ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أن التعاون بين الأجهزة المصرية والأمريكية تعزز في ظل رئاسة مرسي، الذي هب يدافع ويحمي السفارة المصرية من غضبة الشعب المصري في أعقاب الفيلم الأخير المسيء للاسلام.

وعلى صعيد العلاقات مع إسرائيل، فالجميع يعرف أن حركة الإخوان عندما كانت في المعارضة، هاجمت اتفاقية الصلح مع إسرائيل التي وقعها السادات واستمر فيها مبارك، ودعت دائما إلى إلغاء هذه الاتفاقية المهينة والتي تمنع من مصر إدخال قوات مسلحة إلى شبه جزيرة سيناء. ومنذ أن تولى مرسي الحكم والى اليوم وهو يعلن عن التزامه بالاتفاقيات الدولية، وبضمنها اتفاقية الصلح مع إسرائيل، ويرسل رسائل الطمأنة للرئيس الأمريكي ليوصلها الى إسرائيل. وفعلا أظهر مرسي مدى التزامه -وهو ممثل الإخوان- بهذه الاتفاقية، حيث حصل على إذن من إسرائيل لادخال قوات مسلحة من أجل محاربة العناصر المسلحة التي قامت بقتل مجموعة من الجنود المصريين مؤخرا قرب الحدود الإسرائيلية، وبعدما أنهت القوات مهمتها تمت إعادتها الى مواقعها وسحبها من سيناء التزاما باتفاقية "كامب ديفيد"، فمن هو الطرف الذي يتنازل عن كرامة مصر وحقها بالحركة على أراضيها؟

لن أطيل في تقديم الأمثلة ، فهي واضحة للجميع وخاصة لمن يتتبع ما يجري في مصر من تطورات وتحركات، ومن البداية يثبت أن الإخوان المسلمين كان همهم السيطرة على الحكم في مصر، وأخيرا تحقق لهم ذلك. لكنهم في الممارسة لا يختلفون عن غيرهم، بل هو يواصلون تنفيذ السياسات التي عارضوها ونادوا بإسقاطها، وفي هذا خروج عن أهداف وطموحات ثورة يناير المصرية.

وسبق أن كشف لنا عبد الناصر ولشعبه وفي وقت مبكر في عام 1954 نوايا ومخططات جماعة الإخوان، حيث أعلن في إحدى خطبه " حينما بدأت الثورة اتجهنا إلى الإخوان المسلمين متصورين أنهم قوة ربيت على حق. فوجئنا ان الأطماع الشخصية أعمتهم. أرادوا الوصاية على الثورة.. قلنا إننا نقبل التعاون ونرفض الوصاية.. وهناك فرق بين التعاون والوصاية.
لقد انحدر الإخوان الى الهاوية الحزبية البغيضة.. إلى محاربة الوطن وعزته.. لم يحاولوا هدم فاروق أو الانجليز أو الاستعمار.. ويحاولون اليوم هدم الثورة التي أخرجتهم من السجون." وهذا هو نهج الاخوان المسلمين اليوم في مصر، بعدما تحولوا الى حزب سياسي، سيخضع لمحاكمة الشعب وحسابه في الانتخابات القادمة. بينما ستبقى هامة عبد الناصر عالية وذكراه خالدة عبر العصور.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018