دماءُ الشهداء ما زالت تصرخ/ جوني منصور

دماءُ الشهداء ما زالت تصرخ/ جوني منصور

*حيفا

بعد مرور أكثر من عقد من الزمن على هَبّة القدس يعود المرء إلى ذاته ويسأل السؤال التقليدي: ما هي الإضافة التي وفرتها هذه الهبة لشعبنا الفلسطيني في مسيرة نضالاته غير المتوقفة؟

ليس من السهل الوصول إلى إجابة واحدة موجزة وشافية تفي الأمر غايته. فهَبّة القدس بدون ادنى شك لم تأت من فراغ أو من قرار آني اتخذه قائد فلان أو زعيم ما. إنها هبة شعب مناضل من أجل حريته ووجوده وبقاءه على أرضه ووطنه بعد ان يأس من كل الألاعيب السياسية التي يديرها ربابنة السياسة في العالم العربي وفي اسرائيل وفي السلطة الفلسطينية. لم يكن اليأس هو الحالة السائدة على المشهد الفلسطيني كدافع لهذه الهبة بقدر ما ان هذه الهبة هي صرخة اخرى في وجه الظالم والظلم، في وجه السفاح والمتعاون معه بأن الشعب العربي الفلسطيني حيّ لا يموت. هذه الصرخة تنضم إلى صرخات كثيرة سابقة (ولاحقة بطبيعة الحال) تقرع على أبواب العالم المتخفي وراء ستار الديمقراطية وحماية حقوق الانسان، والمتستر وراء ضمان الأمن لاسرائيل وفقط لاسرائيل وليس للشعب الفلسطيني الذي يعاني الشدة والمر من احتلال بغيض تعجز دول العالم اجمع عن وضع حد له(هكذا يبدو).

برأيى أن هبة القدس هي محاولة أخرى متجددة في حينه لكسر حواجز الخوف والترهيب النفسي الذي استعملته اسرائيل والمتعاونين معها ضد الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الأراضي المحتلة أو تلك التي تم تحريرها ولكنها محتلة من الخارج.

كُسِرَ حاجز الصمت وحاجز الخوف للمرة الثانية لدى فلسطينيي الداخل، المرة الأولى في يوم الأرض الخالد، والمرة الثانية في هبة القدس. كانت هذه الهبّة امتحان قوي للفلسطينيين في الداخل بأنهم غير منقطعين عما يجري مع شعبهم في سائر اراضي الوطن، كما ان يوم الأرض أصبح رمزا من رموز الصمود العربي ويتم احياؤه في كل العالم العربي النير.

صحيح أننا نستذكر هذه الهبة ونحاول فهم اهدافها وسبر غور رسالتها، إلا أننا ننظر إلى كيفية استثمارها محليا _ اعني في الداخل الفلسطيني . وهنا برأيى أن القيادات لم تنجح في تحقيق اكبر استثمار لهذه الهبة، بالرغم من أن دماء زكية زهقت لأجمل وأروع زهرات من شبابنا الفلسطيني النضر. وهذه دعوة للقيادات كافة السياسية والاجتماعية والتربوية إلى الشروع بوضع منهج تربوي – تعليمي لا منهجي يضمن عرضا تاريخيا لنضالات الشعب العربي الفلسطيني في الداخل. لن تتعمق معرفة شبابنا بما وقع في العام 2000 إلا بالتربية والتعليم في المدارس والأطر التربوية والاجتماعية الأخرى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يجب عدم السكوت عن الجريمة والمجرم، بل ملاحقته باستمرار في كل المحافل المحلية والدولية ليبقى قلقا ومتوترا وفزعا على حاله، إلى أن يُقدّم إلى منصة المحاكمة.

هذه الهبة في ذكراها الثانية عشرة تحمل في جنباتها رسائل هامة للقيادات في الداخل والقيادات في الخارج بأننا شعب يرفض السكوت على الغبن، ويصرخ عاليا مطالبا بحقوقه المشروعة في أرضه ووطنه.

لا تدعوا هبة القدس تتحول إلى حدث تاريخي ماض، بل حدث متفاعل مع قضايانا المصيرية ومطالبتنا بالمواطنة الكاملة والمتساوية. وهنا امتحان المؤسسة الحاكمة في اسرائيل فيما إذا اتجهت نحو تصحيح أخطائها، ومنها جريمتها بحق ثلاثة عشرة شهيدا، لتعلن عن استعدادها للاعتراف بالحقوق القومية للشعب العربي الفلسطيني. وإن كان البعض يقول أن هذا حلم، فليكن هكذا، ولكنه مطلب شرعي وأساسي لنا.

لهذا، فإن هبة القدس ليست حدثا أو ذكرى عابرة بل حيّة متفاعلة بقوة وزخم، لأن ثلاثة عشر شهيدا ضحوا بحياتهم في سبيل ما يحبون: أرضهم ووطنهم وقيمهم الإنسانية. فلتكن الذكرى ماثلة أمامنا تشهد على وجودنا وتمسكنا بالأرض والحياة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018