12 عاما على الانتفاضة والهبة: استعادة الوعي المفقود../ عوض عبد الفتاح

12 عاما على الانتفاضة والهبة: استعادة الوعي المفقود../ عوض عبد الفتاح

في الـ28 من أيلول عام 2000 خاض الفلسطينيون انتفاضة شعبية عارمة، تحولت إلى انتفاضة مسلحة بعد أن أغرقها الاحتلال بالدماء معتمدًا كافة أنواع السلاح، الدبابة والمدفع والطائرة. كانت هذه الانتفاضة الثانية بعد الأولى غير المسلحة التي فجرها أبناء الضفة والقطاع والقدس والتي أذهلت العالم آنذاك بقدرة هذا الشعب على خوض نضال جسور بالصدور العارية لمدة ثلاث سنوات لم يمرّ خلالها يوم تقريبًا دون أن يسقط شهيد أو أكثر.

الانتفاضة الأولى (1987) انتهت بدون تحقيق أهدافها أو شعاراتها البسيطة والواقعية المعلنة: الحرية والاستقلال. لقد وقعت هذه الانتفاضة ضحية تطورات دولية خطيرة؛ تحطم الاتحاد السوفييتي، والعدوان الأمريكي-الدولي على العراق عام 1991، وأخيرًا هرولة القيادة الفلسطينية في المنفى الى التوقيع على اتفاق أوسلو الذي شكل صفقة مذلة والتي غيبت الحقوق السياسية وتخلت عن الرواية التاريخية للشعب الفلسطيني.

الانتفاضة الثانية كانت بمثابة استئناف على هذه الصفقة بقيادة الشهيد ياسر عرفات، الذي تبين له مدى خطورتها بعد سنوات قليلة. حاصرته إسرائيل حتى قتلته. قبل استشهاده ابتدعت الولايات المتحدة منصبًا،  هو منصب رئيس حكومة، لاحتواء عرفات ومحاصرته سياسيًا داخل سلطته.

قبل السيد محمود عباس، أبو مازن، هذا المنصب، فقام بمراجعة نهج عرفات واتفاقية أوسلو من على يمينها فأفرط باللغة والمفردات والسلوك السياسي المنقطع عن، والمتناقض مع مفردات قاموس حركات التحرر الوطني عمومًا والفلسطينية خصوصًا. واتسعت وتعززت الطبقة السياسية-الاجتماعية الحاضنة لنهج أوسلو فتصلبت شرايينها وجمد عقلها.

بعد سنوات طويلة من التيه يكتشف أبو مازن عقم نهجه، ويرى الفلسطينيون كارثية هذا الضياع. لكنه هو وطبقته يفتقر إلى الجرأة والإرادة والجاهزية والقدرة لفك أسر الشعب من قيود السلطة.  ليس العيب في العجز عن تحرير الأرض المحتلة لأنها مسألة كبيرة وتحتاج إلى إعادتها إلى بعدها العربي، إنما العيب هو التهاون في التخلي عن الرواية وتغيير لغتنا إلى لغة مُنافية لطبيعة الصراع باعتباره صراعا بين شعب وقوة كولونيالية معتدية والقبول بالمفاوضات العبثية لفترة طويلة بل العيب أيضًا هو مواصلة التنسيق الأمني مع الاحتلال. لقد فقد الصراع مضمونه في ظل نهج أوسلو، بل تحول إلى نزاع على الضفة الغربية.

لقد تجاهل أقطاب السلطة تداعيات الانتفاضة بين الفلسطينيين في إسرائيل. كان زحفها داخل الخط الأخضر زلزالاً للجميع، للمواطنين العرب والإسرائيليين. فالـ"خطر" الذي دأبت مؤسسات الدولة العبرية على تنميته بأسلوب المستعمر، من خلال احتوائه وحصاره وقمعه، يتحقق ويظهر أمامها بقوة. فالمواطنون العرب الفلسطينيون، الذين ظهروا إلى المسرح بقوة وبطريقة إنسانية وحضارية خرجوا بعشرات الألوف في مختلف القرى والمدن العربية وواجهوا الرصاص الحي بصدورهم. كانوا عزلاً تمامًا إلا من إنسانيتهم التي جسدوها بتمردهم ورفضهم للذلّ والقهر.

كانت هبتهم نتاج تطور موضوعي تراكمي، ونتاج عمل سياسي منظم أنتج وعيًا وطنيًا جديدًا ووعيًا بقوتهم.

إن نظرة حيادية على الفترة الفاصلة بين 28 أيلول وهذه اللحظة، ستشي بتدهور وضع الحركة الوطنية الفلسطينية بصورة عامة، وتدهور الأوضاع المادية والسياسية والاجتماعية للشعب الفلسطيني، وتغوّل دولة الاحتلال وإيغالها في الاستيطان والتهويد والحصار. ولكن هذه الانتفاضة البطولية قالت للكيان الإسرائيلي إن قضية فلسطين ستظل مشتعلة حتى تحقيق العدالة وسينهض من بين هذا الشعب قوى خلاقة تقود المرحلة الراهنة، أو القادمة.

ويلاحظ أيضًا المراقب الحيادي أن عرب الداخل يواجهون تواصل ردود الفعل الإسرائيلية على هبتهم الشعبية العارمة. إن الدولة العبرية ضاعفت إجراءات "العقاب" وأصبحت تعلن جهارة (أو أوساط رسمية وأكاديمية وشعبية) عنهم كجزء من "العدو الفلسطيني" الموجود خارج الخط الأخضر.

لكن يمكن القول، وبثقة تامة، إن عرب الداخل، وبشكل خاص الحركة الوطنية، لم يتراجعوا عن مواقفهم. ولكن التحدي الأكبر أمام عرب الداخل هو إثبات قدرتهم على تأطير نمو الوعي الوطني والسياسي المتراكم قبل الهبة وخلالها وبعدها، في مؤسسات تمثيلية قوية منتخبة. وربما ما يُميّز الحركة الوطنية داخل الخط الأخضر عن الحركة الوطنية في الضفة هو حفاظها على الحدّ الأدنى من الوحدة والتنسيق في إطار "لجنة المتابعة العليا"، ويلعب في هذا الإطار التيار القومي الديمقراطي وحلفائه، دورًا مميزًا في الحفاظ على البوصلة الوطنية، إذ يواظب على التمسك برؤيته للصهيونية ولمبنى الدولة العبرية وبإصراره على تحقيق العدالة عبر إلغاء طابعها الصهيوني والكولونيالي.

إنّ مجمل التطورات الجارية المتصلة في السلوك الإسرائيلي والتي أوضحت أكثر من أي وقتٍ مضى، أن شعب فلسطين كله خاضع لنفس منظومة السيطرة الصهيونية، تقتضي إعادة الوعي بوحدة هذا الشعب وبضرورة تفعيل جهود كل تجمعاته المختلفة لإسقاط هذه المنظومة. ألم يحن الوقت لإطلاق مرحلة استعادة الوعي المفقود؟

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018