المشروع القومي الناصري أكبر من أن تطاله سموم الحركات الإسلامية../ مصطفى طه

المشروع القومي الناصري أكبر من أن تطاله سموم الحركات الإسلامية../ مصطفى طه

من يتابع مقالات الشيخ كمال خطيب يكاد يجزم قاطعًا أن نكبة فلسطين سببها القوميون العرب لا الحركة الصهيونية! وأن جمال عبد الناصر هو عدو الأمّة وليس الاستعمار وعملاؤه. والشيخ قد لا يعلم أن اسم جمال كان من أكثر الاسماء شيوعا في العالم العربي في الخمسينيات والستينيات، وأنه حين خطب أسر أمة عربية من محيطها إلى خليجها أمام إبرة صوت العرب من القاهرة، وأن صورِه لا زالت تعلق في بيوت الملايين، وترفع في ميادين التحرير التي التحق فيها الإخوان متأخرين لتحيّن الفرص بانتهازيتهم المعهودة، التي سلمّت حتى بولاية رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان بعد أن اضطر حسني مبارك إلى الاستقالة لولا أن أسقطت جماهير مصر هذا الخيار المشبوه في اللحظة الأخيرة.

ونتساءل هنا: لماذا لا يهاجم الشيخ إلا رموزا قومية أو وطنية على الدوام؟ ولماذا لا يتطرق لرموز الرجعية العربية مثلا، ولو مرة، مقابل كل ألف هجوم على القوميين والوطنيين؟ ونسأل: ما سر هذا الهجوم الممنهج اليوم على الشيعة مثلا؟ ولماذا لم نسمع هذه اللهجة السامة إلا بعد انتصار المقاومة اللبنانية سنة 2006؟ ولماذا لم نكن نسمع مثل هذه الاصطلاحات المذهبية عندما كان شاه ايران رأس حربة المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة؟ ولماذا لم نسمع عن شيعية نور المالكي الذي جاء إلى حكم العراق على دبابة أمريكية؟ وهل أصبحت إيران الثورة الخمينية هي العدو، وهي التي استهلت حكمها بإغلاق السفارة الإسرائيلية وطرد سفيرها وتحويلها إلى سفارة فلسطين؟ وهل أصبحتم يا "إخوان" جزءا من مشروع "الهلال الشيعي" الذي استحضرته أمريكا بدعم عملائها من القيادات السنيّة "المعتدلة" لضرب كل من يحاول شق عصا الطاعة في المنطقة لتسوّقون له بهذا الحماس المشبوه؟

بنشوة نصر وهمية يكتب ويتحدث الشيخ كمال عن الثورات العربية، ويحاول عبثا تشويه تاريخ وتراث الحقبة الناصرية التي فشل الاخوان مع إمكانياتهم الضخمة أن ينالوا من قامة رمز الكرامة- جمال عبد الناصر - وكبرياء القومية التي نفثتها في الأمة العربية بعد أن استلقت محبطة، فاقدة لإرادتها فاستنهضها صارخا: "ارفع رأسك يا أخي فقد ولّى عهد الاستعمار"... مرت سنتان فقط على ثورة الضباط الأحرار حين حاول الإخوان الانقلاب عليها، ومحاولة اغتيال عبد الناصر أثناء خطاب المنشية سنة 1954، ما يعني وأد الثورة مع بداياتها وتسليم البلد للقوات البريطانية التي كانت لا تزال حاضرة هناك حينها، ورحلت بتوقيع اتفاقية الجلاء فيما بعد.. بعد سنتين فقط حاول الإخوان الانقلاب على عبد الناصر الذي قاتل الاستعمار، وحرر البلد وأنجز مشروع الإصلاح الزراعي بعد 45 يوما فقط من انتصار الثورة، ولكنهم تعايشوا ثلاثين عاما ونيّفا مع نظام حسني مبارك الذي حضن المشروع الاستعماري ونهب ثروات البلد مع أن إمكانياتهم التنظيمية والمادية والعسكرية كانت أضعاف أضعاف ما كانت عليه حين حاولوا إجهاض الثورة الناصرية.

حمل جمال عبد الناصر مشروعا وحدويا على مستوى الأمة التي تبحث لها عن مكان تحت الشمس، وثورة الضباط الأحرار كانت أهم حدث في تاريخ العرب الحديث، وأول محاولة جدية لوضع أسس الدولة العربية الحديثة ذات السيادة المستقلة من بناء الجيش الوطني، وسن قوانين العدالة الاجتماعية التي أتاحت فرص العمل والتعليم المجاني لأبناء الفقراء الذين اعتّز عبد الناصر بالانتماء إليهم، وانحاز لهم بالكامل على الدوام، وما كنا ندري هل كانت ستتاح فرصة التعليم لمرسي والملايين مثله لولا ثورة الضباط الأحرار؟ ولو لم يكن للثورة من إنجازات سوى طرد الاستعمار والقضاء على أعوانه، ونفث روح العزة والكرامة في النفس العربية، وبناء السد العالي، وتأميم قناة السويس، والاستصلاح الزراعي الذي وزّع ملايين الفدانات من الأرض على الفلاحين والفقراء، وفرض مجانية التعليم بكافة مراحله.. لو لم يكن للثورة من إنجازات سوى تلك لكفاها، وكفى رمزها شرفا.

المشروع القومي الناصري وحّد سوريا ومصر بعد ست سنوات فقط من الثورة عام 1958، وحاول استكمال المشروع على مستوى الأمة، فتكالبت كل القوى الرجعية عليه فأجهضته بعد ثلاث سنوات فقط وتم الانفصال يوم 28\9\1961 (وهو تاريخ وفاة عبد الناصر عام 1970 يا للصدف، ويا لرمزية الحدث ما بين انفصال الروح وانفصال حلم الوحدة العربية)، ولكن يكفيه شرف المحاولة على الأقل... جمال عبد الناصر جعل من مصر قلب العروبة النابض، وجعل من العالم الثالث محورا لجميع المستضعفين والثوريين في الأرض أينما كانوا، وصوت الذين لا صوت لهم، لأنه شكّل العامود الفقري والمحرك الأساس لكتلة عدم الانحياز مع نهرو وسوكارنو وتيتو وغاندي، وجعل من قضية فلسطين قضية العرب جميعا، وقاتل دفاعا عنها في أسدود والمنشية وعراق الشباب والفالوجة التي جرح فيها مرتين وهو يقاتل في الجبهة الجنوبية دفاعا عن فلسطين، ومن هناك اختمرت فكرة ثورة الضباط الأحرار حين اكتشف فساد الأسلحة، كما فساد الأنظمة، فأيقن أن طرد الاستعمار يجب أن يبدأ بطرد عملائه بدءا بمصر وبعرش الملك فاروق أولا....

وفي المقابل فإن المشروع الذي قاده التيار الإسلامي في السودان مثلا قاد إلى تقسيم السودان إلى شمال وجنوب، لتصبح إسرائيل الحليف الأول والأقوى لهذا الجنوب. والسودان الذي تعادل مساحته مساحة أوروبا الغربية مجتمعة، وكان مصدّرا أساسيا للنفط والقمح وكثير من المصادر الطبيعية الأخرى وصل حد الجوع اقتصاديا، والتفتت الخطر اجتماعيا في ظل التجربة الإسلامية التي يتغنى بها شيخنا كمال خطيب... فمهلا مهلا شيخنا، فمائة يوم من حكم الإخوان كانت كافية لكثير من المصريين للعودة لميادين التحرير وشعارهم "يسقط يسقط حكم المرشد"، للتذكير فقط يا شيخنا فإن إخوان مصر فازوا على فلول النظام البائد بفارق 1% فقط من نصف مصوتي مصر، ولم يكن هذا ليحصل لولا دعم اليسار الذي ضم القوميين والوطنيين والمستقلين والشيوعيين وغيرهم ممن لا يحلو لك إلا تصنيفهم في دائرة الاعداء لا المنافسين الشرعيين، كما نتعامل نحن مع المختلف من أبناء أمتنا وشعبنا، ونربي أجيالنا الناشئة على هذا الأساس بدافع المسؤولية القومية والوطنية والدينية والإنسانية معا، والتي تحتّم علينا أن نجتهد لإيجاد القواسم المشتركة الكثيرة الجامعة للقوى التي تشكّل معا ألوان طيف أمتنا وشعبنا الأصيلين، مع شرعية الاختلاف فيما بينها على المستويين السياسي والاجتماعي، ونحدد العدو المشترك الذي يستهدفنا جميعا كعرب، لا كمسلمين ومسيحيين ودروز وبدو وشركس، ولا كسّنة وشيعة وكاثوليك وروم وغيرها من التقسيمات الطائفية والمذهبية التي تفتت عناصر القوة الكثيرة الكامنة في وحدة الجسد والروح الواحدة، وما أكثرها...

ولماذا يصّر نهجكم يا شيخنا الفاضل على تسليط الأضواء الكاشفة على ما لا يجمعنا فقط لتوسيع هوّة الاختلاف بدل محاولة جسرها لمواجهة عدو مشترك... من المستفيد؟ سؤال يجب أن يبقى بوصلة حين نناقش أو نهاجم أو نشوّه...ألا نستطيع العمل سوية بما نتفق عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما نختلف فيه بأسلوب الحوار الأخوي دون تكفير أو تخوين كرسالة تثقيفية لأجيالنا الناشئة بضرورة اتساع صدرنا للرأي المختلف دون هذا التشنج القاتل الذي لا يولّد إلا حقدا على العنوان الخطأ؟

نحن، في التجمع الوطني الديمقراطي ترجمنا هذه الأقوال منذ بداية مسيرتنا إلى واقع عملي من حيث التعامل مع المختلف من أبناء شعبنا وحاولنا أن نستفيد من تجارب ونجاحات وإخفاقات من سبقونا، ورفعنا منذ اللحظة الأولى شعار تنظيم فلسطينيي الداخل على أساس قومي وضرورة بناء مؤسساتنا الوطنية، ولا زال هذا الهدف على رأس سلّم أولوياتنا، واللقاءات الكثيرة التي عقدناها فيما بيننا بشكل دوري في مكاتبنا أو مكاتبكم، أسوة باللقاءات مع معظم القوى الأخرى تأتي من هذا الباب يا شيخنا الفاضل. ومع الاختلاف القائم استطعنا إيجاد الكثير من نقاط التقاطع مع معظم القوى السياسية في أكثر من موقع، فاستطعنا بناء تحالف مع الحركة الإسلامية الشمالية في الجامعات قبل عدة سنوات حصلنا فيه على رئاسة الاتحاد القطري للطلاب الجامعيين العرب بدعمكم، وترأسه الأخ ممدوح اغبارية، وحصلتم على رئاسة لجنة الطلاب العرب في جامعة حيفا بدعمنا وترأسها الأخ معاذ خطيب، ابن حضرتك يا شيخنا. وتحالفنا مع الجبهة في السلطات المحلية في أكثر من موقع مثل ترشيحا واللد ويافا و"نتسيرت عيليت"، ومع أبناء البلد في شفاعمرو وسخنين، وغيرها من المواقع الأخرى... نؤمن، ونتعامل ونكتب دائما في أدبياتنا، أن العلاقة بين العروبة والإسلام هي علاقة تكاملية، وهي كذلك فعلا، فلماذا يصّر بعضكم يا "إخوان" على جعلها تناقضية، وهي ليست كذلك؟؟

تحت عنوان"المحنة السورية والانتخابات المصرية...الطريق الثالث" كتب الرفيق د.عمر سعيد قبل عدة أشهر مقالا وجاء تحت العنوان الفرعي: "الحركة الإسلامية والمسافة من السلفية التكفيرية" ما يلي: "لقد ظهر، في معمعان هذه الحملة أيضا، بعض قادة الحركة الإسلامية في بلادنا وكأنهم ينتمون بالكامل للفكر السلفي التكفيري، ولا يقيمون احتراما في وعيهم للسياقات التاريخية التي أوصلت الإنسانية لهذا التشكل والتنوع في مرجعياته، ما يدحض ادعاءهم في احترام الحركات والتشكيلات السياسية المجتمعية من أحزاب قومية واشتراكية وليبرالية...، والتي تعرض في خطبهم بصفتها مجرد تعبير عن حالة من الضياع، تشكلت في غفلة من ضعف الأمة، ولعبت دورا معيقا كأدوات متذيلة للاستعمار الثقافي لإبعاد المجتمع عن دينه وتاريخه.

في أتون حماستهم تلك، والتي توحي كما لو أنهم في مهمة مقدسة لتدشين قواعد الدين الإسلامي من جديد، يغفل هؤلاء أنهم بذلك ينزعون الشرعية حصرا عن المعارضة السورية العلمانية وغير الإسلامية... ويوحون للآخرين باستحالة التحالف معهم".... وفي رأيي، قد أصاب الرفيق أبو صخر لب الواقع في هذا التشخيص العلمي، وهو الذي كتب أكثر من مرة في نقد المشروع القومي أيضا بموضوعيته المعهودة، ومن المفيد الاجتهاد والإسهام الدائم في باب النقاش الفكري الذي تحكمه العلمية والموضوعية معا.

حصل الاخوان والسلفيون معا على ما يقرب 75% من الأصوات في الانتخابات المصرية النيابية، ولكن عقليه الإخوان التي لا تقبلك كمختلف إلّا بمناورات كلامية عشية يوم الانتخاب لاقتناص صوتك، باعتبارك رقما مجردا في سجلات الناخبين بنظرتهم، ليعودوا فينكرونك قبل صياح الديك في الصباح ويديرون ظهورهم بالكامل كما فعلوا قبل أشهر خلت بعيد الانتخابات النيابية حين تنصلوا من كل ما وعدوا به، من التزامهم بعدم الترشح للرئاسة، ومحاولة الهيمنة المطلقة على لجنة صياغة الدستور، فأخلفوا بما وعدوا وانكشف وجههم الحقيقي بالكامل في أول محطة، ولّما يصبحوا سلطة فعلية بعد. ونجح مرسي في النهاية بنسبة 51% بالكاد أمام فلول النظام البائد، وبدعم القوى التي تناصبها العداء الممنهج يا شيخنا الجليل، وأثبتت النتائج أنه لو تم التنسيق بين التيار الإسلامي القادر على إيجاد نقاط التقاطع الكثيرة مع المختلف ممثلة بعبد المنعم أبو الفتوح وما بين التيار القومي الوطني اليساري الذي مثله حمدين صباحي لاكتسح الانتخابات حيث حصلوا منفردين على أكثر من عشرة ملايين صوت، والوحدة بذاتها كانت قادرة على مدّهم بالملايين الأخرى من الأصوات لو تمت.... وبهذا المعنى فالشارع المصري ليس إخوانيا على الإطلاق، وكذلك هو حال الشارع العربي بعكس ما تحاول من بثّ الوهم الموهوم بكتاباتك وخطبك يا شيخنا الفاضل...ومقارنة بسيطة فقط بين ردة فعل جمال عبد الناصر على قرار رفض البنك الدولي إعطاء مصر قرضا لبناء السد العالي، وبين ردود فعل مرسي على اتفاقيات كامب ديفيد بعد انتخابه مباشرة تبيّن الفرق الشاسع بين عقليتين، رد عبد الناصر بإعلان تأميم قناة السويس، الذي اعتبرته الإدارة الأمريكية حينها أخطر حدث بعد أزمة الصواريخ الكوبية التي وضعت العالم على فوهة حرب عالمية ثالثة، في حين يعلن مرسي ليل نهار التزام مصر بالاتفاقيات الموقعة من خلال رسائل الطمأنة الكثيرة للإدارة الأمريكية وإسرائيل.. فأين ذهبت الخطابات النارية التي زاود فيها الإخوان على النظام البائد في هذه النقطة بالذات؟ أوهي صدفة اختيار مرسي السعودية كأول محطة لزياراته الخارجية؟ أم أن لهذه الخطوة مدلولاتها السياسية واضحة المعالم حول وجهة مصر السياسية إبّان حكم الإخوان؟

مع هذا فإن الإنجاز الأهم قد تم بإسقاط رأس النظام الفاسد في مصر رغم أذرعه الطويلة الباقية من فلوله، لكنها مقلّمة المخالب قياسا لما كان، لا كرم أخلاق منها، بل لأن الشعب قد عرف الطريق المؤدي لميادين التحرير، وقادر على خلع أضراس النظام فيما لو استفرس من جديد، أو حاول استنساخ تجربة من سبقوه، ومع أن شعور الكثيرين أن الثورة المصرية قد اختطفت، وفي هذا الادعاء كثير من الصحة، ولكن مع هذا لن تجرؤ قوة أيا كان حجمها أن تختزل مصر في حزب أو جماعة أو أن تحاول إرجاع عجلة التاريخ إلى الوراء لأن ميدان التحرير لها بالمرصاد مهددا: حذار نحن هنا.... الثورة حاضرة والشعب حاميها وراعيها.

مشروع الوحدة العربية الذي حمله جمال عبد الناصر يبقى على أي حال هو المشروع الوحيد الذي يجعل لهذه الأمة مكانا تحت الشمس، وحدة عربية تكون فيها خيرات العرب للشعب العربي لا للأسر الحاكمة، يجمعها أمن عربي واحد واتفاقيات دفاع مشترك واحدة، وسوق اقتصادية عربية موحدة لأمة يجمعها لغة وتاريخ وحضارة وجغرافيا ومصير وعدو مشترك، أو هكذا يجب أن يكون... وللتذكير فقط فإن الوحدة الأوروبية ابتدأت بتوحيد السوق الأوروبية المشتركة وكانت خطوتها الأولى توحيد سعر البطاطا في السوق المشتركة هذه والتي لا تجمع أطرافه لا لغة ولا تاريخ ولا ثقافة مشتركة... ومشروع الوحدة يبقى حلما قابل للتطبيق إن وجدت الإرادة المؤمنة به، هذه الإرادة التي ماتت على ما يبدو برحيل رمز الكرامة الذي شكّل قلبها النابض ومحركها الأساس.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018