لكي لا نفشل في أكتوبر!/ إمطانس شحادة

لكي لا نفشل في أكتوبر!/ إمطانس شحادة

عــ48ـرب

خرج الفلسطينيون في اسرائيل في اكتوبر 2000 للتعبير عن موقف سياسي قومي رافض السياسية الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة والقتل والدمار والاحتلال، ورافض الفصل بين فئات الشعب الفلسطيني على شطري الخط الأخضر. وبذلك تعكس هبة أكتوبر تغيير في هوية الفلسطينيين في الداخل، رؤيتنا لذاتنا ولعلاقتنا بدولة إسرائيل

كان من متوقع ان تتحول ذكرى هبة أكتوبر الى حدث مؤسس في الوعي الفلسطيني الجمعي في الداخل، والى علامة فاصلة في الممارسة السياسية والمطالب، وان تخلد ذكرى الهبة والشهداء والجرحى بشكل سنوي دون نقاشات ومناكفات حزبية، وان يتم إعلان ذكرى هبة اكتوبر يوم اضراب (دون الحاجة لإقراره في كل عام)، دون اعتبارات النجاعة والربح والخسارة لا السياسية ولا الاقتصادية.

على ارض الواقع لم يحدث ذلك، بل اننا نشهد، لأسباب عديدة، تآكل ما في احياء ذكرى هبة اكتوبر على مدار السنوات الأخيرة، ربما اصعبها هذا العام. اذ جاءت ذكرى هبة أكتوبر هذا العام بنكهة مختلفة عن السنوات السابقة متأثرة من بيئة سياسية محبطة ومثقلة بالهموم، داخليا وفلسطينينا وإقليميا. فمثلا، ابرز سمات القضية الفلسطينية في الفترة الراهنة هي المساعي لإنعاش وإحياء اصطناعي للسلطة الفلسطينية بأكسوجين المساعدات الاسرائيلية لمنع انهياراها، وفشل ان لم نقل تنازل القيادات الفلسطينية عن وضع تصور لإعادة توحيد “القضايا الفلسطينية” وإرجاعها الى القضية الام الاصلية كقضية تحرر وطني وقضية حق تقرير المصير.

وها هي الثورات العربية عامة، والحالة السورية خاصة، تربك العالم العربي وتفتته وتحقق ما فشلت في تحقيقه الحروب الاسرائيلية والأمريكية في المنطقة. وهي ايضا تربك وتقسم الفلسطينيين في الداخل وتضيف عوامل تجاذب وخلاف داخل ابناء الشعب الواحد وداخل تياراته السياسية الواحدة، الى حد الخجل. ناهيك عجز لجنة المتابعة اتخاذ قرار الإضراب وإحياء ذكرى هبة أكتوبر، ولا نقول فقط الشهداء والجرحى، بشكل لائق.

في هذه الظروف وبعد مرور 12 عاما على هبة اكتوبر لا بد لنا كمجموعة وطن اصلانية من اجراء مراجعة ومحاسبة داخلية، حول تعاملنا مع هبة أكتوبر، اسقاطاتها ونتائجها، تشمل مراجعة تصرفنا الجماعي، وتصرف المؤسسات العربية الجماعية (مثل لجنة المتابعة) كممثل للعمل المشترك الافتراضي للفلسطينيين في الداخل، ومراجعة دور وأداء الاحزاب العربية كي لا نفقد معاني هبة اكتوبر ولكي لا تكون الذكرى هشة امام تقلبات سياسية محلية او إقليمية مرهونة بمزاجات حزبية.

باعتقادي المتواضع هناك غياب لعمل جماعي يرمي الى تحويل الحدث الى رافعة لتغيير مكانة الفلسطينيين في الداخل والى بناء مشروع وطني جامع نتفق عليه بالحد الأدنى، ووضع آليات عمل جديدة تتعامل مع التحولات في السياسات الحكومة تجاه الفلسطينيين في الداخل. بل اننا لم ننجح في تحويل الحدث لمناسبة وطنية جامعة تؤسس لوعي جماعي مختلف. وتقصيرنا في تخليد ذكرى الشهداء وتوثيق قصصهم وسرد ما وقع في هبة أكتوبر، بالحد الادنى.

وقد يكون احد ابرز اسباب هذا العطب في التصرف الجماعي وتصرف المؤسسات الجمعية والأحزاب، هو غياب تعريف جماعي متفق عليه لهبة أكتوبر، مسبباتها ونتائجها، واختلاف في التعاطي مع نتائج الحدث، بسبب غياب المشروع الجماعي كسقف يعمل تحته الجميع. فمن حيث تعريف وتفسير الحدث تتراوح التفسيرات المطروحة، وهي استمرار للسجالات الحزبية القائمة في المجتمع الفلسطيني، بين البعد المعيشي الاقتصادي اليومي والبعد الديني والبعد القومي في التصرف البطولي الذي ابداه الفلسطينيون في الداخل، على الرغم من وجود رواية تاريخية جماعية لوصف الحدث.

والأسوأ إننا لم نتفق بعد، كمجموعة قومية، على استخلاص العبر وتوظيف نتائج هبة اكتوبر لتغيير الوعي السياسي والمطالب السياسية او وضع مشروع سياسي موحد نتفق عليه بالحد الأدنى للرد على التحولات الخطيرة للغاية في تعامل الدولة مع السكان الفلسطينيين بعد هبة اكتوبر. اذ يقترح الحزب الشيوعي الاسرائيلي ان يكون الرد عن طريق بناء علاقات وائتلافات مع شظايا اليسار الاسرائيلي الذي سقط في مصيدة الاجماع الصهيوني في هبة أكتوبر؛ وتختار الحركة الاسلامية الشق الشمالي الانعزال عن المجتمع الاسرائيلي وعن المنظومة السياسية والحزبية الاسرائيلية وتفضل تنظيم المجتمع على اساس ديني في انتظار حل إلاهي؛ ويطالب التجمع الوطني الديمقراطي بوجوب تنظيم المجتمع الفلسطيني على اساس قومي ديمقراطي وطرح مشروع على المجتمع الإسرائيلي ككل، لا البحث عن حلفاء، ليكون بديل للنظام القائم في الدولة وكنوع من انواع التسوية التاريخية.   

مقابل هذا التشرذم هناك تحولات جدّية وليست جديدة في تعامل الدولة مع السكان الفلسطينيين على اثر هبة اكتوبر. اذ نجد محاولات جادة لإعادة تعريف “مشكلة الفلسطينيين في الداخل” من قضية يمكن احتوائها بثمن مقبول بواسطة الترويض والسيطرة على التصرف السياسي والوعي السياسي للعرب، الى مسألة تتطلب حل واختيار بين بدائل، اما الحسم لصالح الحفاظ على يهودية الدولة وسيطرة وتفوق المجموعة اليهودية او التحول الى دولة عادية-طبيعية ديمقراطية، وطبعا كان الحسم في صالح الخيار الاول. لذلك اصبح شرعي بل ومطلوب ان تسن قوانين تمس بالعرب بشكل مباشر، وان تركز على قمع الهوية والوعي القومي بواسطة قوانين. كما اصبحت عدائية الدولة أكثر وضوحا وباتت تقايض المواطنة بتصرف سياسي مقبول، واستعمال ادوات الترهيب السياسي الأمني الجماعي والفردي لقمع وتجريم العمل السياسي.

فهل يمكن ان تكون المطالب السياسية والنهج السياسي الجماعي بعد هبة اكتوبر والتحولات الحاصلة في تعامل الدولة شبيه بما كانت عليه قبلها؟ وهل يعقل ان نتعامل مع التغيرات في سياسات الدولة وسن القوانين العنصرية، منها قوانين تشرعن سياسات فصل عنصري على ارض ألواقع، بنفس ادوات العمل والعقلية التي سادت قبل  هبة أكتوبر؟ والايجابية طبعا لا. المطلوب الان وقبل فوات الأوان، عدم تحويل ذكرى الهبة الى فلكلور تقليدي يجوز فيه الاجتهاد في كيفية إحياء الذكرى، بل إعلانها يوم وطني يُضرب فيه الفلسطينيين في الداخل كل عام. وان لا نختزل الحدث، كما يحلو للبعض، بمطالب مدنية مطلبية معيشية، بل اعادة البعد القومي والوطني للحدث ليكون مناسبة لطرح مشروع وطني جماعي مناهض للإجماع الإسرائيلي، يكسر وهم الخط الأخضر، كما كسره الشهداء والمصابين بدمائهم وعطائهم. وان لا تربط ذكرى الحدث بمزاجات عابرة او تتأثر من احداث مستجدة. وهذا ليس مستحيلا، خاصة على ضوء مثابرة الأجيال الشابة بالمشاركة الرائعة في احياء ذكرى الاحداث الوطنية الجامعة وإصرارها على احداث نقلة نوعية بصيغة ومضامين احياء المناسبات الوطنية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018