"الإخوان" و"فوبيا" عبد الناصر../ علي جرادات

"الإخوان" و"فوبيا" عبد الناصر../ علي جرادات

في الذكرى 39 لحرب أكتوبر 1973، أقدم الرئيس المصري، مرسي، على تكريم اسم القائد العسكري، وأحد الأبطال الفعليين لحرب أكتوبر 1973، الناصري النشأة والقناعات والتربية، المرحوم الفريق سعد الدين الشاذلي، جنباً إلى جنب مع اسم الرئيس المصري الأسبق، السادات، المتهم بحق، مصرياً وعربياً، رسمياً وشعبياً، وبالمعنيين العسكري والسياسي، بالمسؤولية عن إضاعة النصر العسكري الأولي للجيشين، والشعبين، المصري والسوري، وعن تحويل هذا النصر العظيم الذي وضع الرئيس عبد الناصر قبل رحيله خطته الأولى، (غرانيت)، (بحسب شهادة الشاذلي)، إلى هزيمة سياسية أنجبت صفقة "معاهدة كامب ديفيد للسلام" التي ما انفك شعب مصر وشعوب الأمة، والشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية بالذات، تعاني انعكاساتها وتداعياتها.

   تنطوي خطوة الرئيس المصري، مرسي، على مفارقات، أهمها:

1: أن التكريم شمل رجلين معلوم أنهما كانا على طرفي نقيض، وأن خلافهما حيال تلك الحرب ومجرياتها وملابساتها ونتائجها العسكرية والسياسية لم يكن مجرد خلاف بين شخصين، بل تعبيراً عن خلاف فكري سياسي أشمل بين عهدين لثورة 23 يوليو 1952، العهد الناصري، والعهد الساداتي وامتداده في فترة حكم مبارك.

2: أن تكريم السادات جاء من رئيس مصري تسلم سلطة الدولة المصرية باسم انتفاضة شعبية أطاحت سلطة مبارك، الامتداد البائس لسلطة السادات وسياسته، وطنياً وقومياً واجتماعياً.

3: أن تكريم السادات جاء من رئيس تولى السلطة كممثل لجماعة الإخوان المسلمين التي طالما انتقدت وهاجمت "معاهدة كامب ديفيد للسلام" مع إسرائيل التي أبرمها السادات، بينما لم يفعل خلفه المخلوع، مبارك، سوى مواصلة إلزام مصر الدولة والشعب بشروطها المذلة والمجحفة، وطنياً وقومياً.

4: أن الرئيس مرسي، و"الإخوان"، يتعمدون تجاهل دور الرئيس عبد الناصر الذي يعرف القاصي والداني حقيقة أنه مَن قرر إعادة بناء الجيش المصري بعد هزيمة العام 1967، وأنه مَن قرر شن حرب الاستنزاف، (أقسى حروب إسرائيل باعتراف قادتها)، وأنه مَن قرر بدء الإعداد لحرب قادمة رحل قبل شنها.
 
في الظاهر يبدو تكريم الرئيس مرسي، ومن خلفه جماعة "الإخوان"، للسادات مجرد تقدير لرئيس تجرأ على اتخاذ قرار بشن تلك الحرب، لكن هذا التكريم، (بما يحمله من مفارقات)، ينطوي في باطنه على رسائل سياسية أراد "الإخوان" إيصالها لأكثر من جهة، وبالذات للولايات المتحدة وإسرائيل، إذ علاوة على تأكيد أنهم ماضون في انتهاج ما اختطه السادات من سياسة لإدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وجوهره القضية الفلسطينية، فإنهم، (الإخوان)، يودون التأكيد على أنهم ليسو في وارد فك الارتباط مع السياسة الأمريكية، وأنهم ماضون في انتهاج ما اختطه السادات من سياسة اجتماعية اقتصادية، (الانفتاح)، المرادفة للبقاء في دائرة التبعية التي قدم العهد الناصري، (فوبيا "الإخوان")، صيغة لفكاك مصر منها عبر مساهمته في العام 1955 في إنشاء، والانخراط في، "مشروع باندونغ"، ("عدم الانحياز")، أي منظمة دول "العالم الثالث" التي أثبتت التجربة أن إمكانية إحراز تنمية وطنية مستقلة ومستدامة لمجتمعاتها، والحفاظ على استقلالها وسيادتها الوطنيين، غير واردة إلا بفك الارتباط مع الدول الرأسمالية الغربية بقيادة أمريكية، ذلك حتى قبل دخولها مرحلة الاقتصاديات الليبرالية الجديدة في نهاية سبعينيات القرن المنصرم التي شهدت الانفراط العملي لـ"مشروع باندونغ"، فما بالك بعد أن دخلتها، وبعد أن تعاظم نهبها لثروات "التخوم"، (النامية)، منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حيث انهيار القطب السوفييتي المعادل لها، وتفرد الولايات المتحدة في السيطرة على العالم والتحكم فيه؟
                               
   يشي التكريم "الإخواني" للسادات، بما ينطوي عليه من مفارقات مثقلة بالرسائل، بأن "الإخوان" ماضون في عدائهم الأيديولوجي، (غير العلمي)، للعهد الناصري، الحدث الأهم في تاريخ مصر الحديث بعد محاولة النهضة والتحديث بقيادة محمد علي. لذلك، فإن المرء ليس بحاجة لأن يكون ناصرياً، أو منكراً لعلاقة انقلاب السادات، فمبارك، بالربع الفارغ من كأس العهد الناصري، أي غياب الديمقراطية السياسية، المثلبة البنيوية لحركات التحرر الوطني والاجتماعي آنذاك، حتى يرفض الهجوم "الإخواني" "الأيديولوجي" على العهد الناصري، أي حتى يتمسك بالنقد الموضوعي النزيه والهادف لتأمل والتفكير في تجربة هذا العهد واستخلاص دروسها، بعد أن صارت، (شاء "الإخوان" أم أبوا)، جزءاً من التاريخ السياسي المعاصر لمصر والوطن العربي، تحقق خلاله انجازات وطنية وقومية واجتماعية كبيرة حاول "الإخوان"، ولا يزالون، مسحها من التاريخ، لكنهم سيفشلون، أما لماذا؟

   لأنهم إنما يحاولون ذلك بطريقة أيديولوجية تفرض الفكر على الواقع كأنه الواقع عينه. ولأنهم بعد تسلمهم لسلطة ما بعد انتفاضة 25 يناير 2011 لم يقدموا، (خطاباً وممارسة)، إلا ما يعيد إنتاج عهد السادات، وامتداده مبارك، وطنياً وقومياً واجتماعياً. ولأنهم ينكرون بتعسف الإنجازات الملموسة للعهد الناصري، سواء لجهة إنجاز برنامج الإصلاح الزراعي الذي حدد المسموح به من  ملكية الأراضي، لمصلحة صغار الفلاحين؛ أو لجهة بناء السد العالي الذي أحرز تنظيماً حديثاً للري والسيطرة على المهدور من الثروة المائية، وتوسيعاً لرقعة الأراضي الزراعية؛ أو لجهة بناء مؤسسات التعليم بمستوياتها، ونشر التعليم المجاني الذي لم يستفد منه فقراء مصر فحسب، بل، وكثير من فقراء الأقطار العربية أيضاً؛ أو لجهة تجرؤه على إلغاء معاهدات التدخل الأجنبي؛ أو لجهة مواجهة قوى الاستعمار الغربية وأحلافها الإقليمية، وتحديث الجيش وتقويته وتنويع مصادر تسليحه، وخوضِ مواجهة جادة مع إسرائيل ودعم حركات التحرر العربية في الجزائر واليمن؛ أو لجهة تأميم قناة السويس وشركات رأس المال الأجنبي الناهب، (البريطاني والفرنسي والبلجيكي أساساً)، وتحويلها إلى ملكية للدولة؛ أو لجهة تنفيذ برنامج التصنيع الثقيل الإنتاجي والعسكري، ما يثير سؤال: لماذا يرفض "الإخوان" الاعتراف بهذه الإنجازات الملموسة والكبيرة، ويصرون على استمرار العداء الأيديولوجي الطابع لعبد الناصر، وكأن الرجل صار بمنزلة "فوبيا" تتلبسهم كما يتلبس الجن صاحبه؟ 
  
   هنا، لعله موضوعي، منصف، وعادل تماماً تفسير المفكر العربي عبد الإله بلقزيز لهذا السؤال، حيث يقول: "لم يكن عبد الناصر معصوماً، كانت له أخطاؤه - جلَّ من لا يخطئ - لكن أخطاءه في ميزان العمل، وفي حساب الحصيلة، لا تكاد تُذْكَر أمام تراثه الغني بالإنجازات والمكتسبات . أما الذين، (يقصد الإخوان)، ينهشون في لحم حقبته وميراثه، بهذا المزْعَم أو ذاك، فليأتوا بقليل مما أنجز حتى يؤسسوا لنقدهم شرعية، أو - على الأقل - فليعودوا عن خياراتهم المدمرِة، التي تمثل النقيض التاريخي للمشروع الوطني والثوري الناصري، حتى يُرفع الاستفهام عن نقدهم لمشروع لا يملك نقْدَه إلا من بَنَى عليه وطوّره واستأنفه".

ويضيف أن "الإخوان" "حين يقتربون من مشروع عبد الناصر، فينجزون التنمية الوطنية المستقلة، ويحققون العدالة الاجتماعية، وينصفون العمّال والفلاحين في حقوقهم، ويتمسكون بالثوابت الوطنية والقومية في الصراع العربي - الصهيوني، وينهون اتفاقات التطبيع وعلاقاته مع العدو، ويدعمون المقاومة في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، ويتبنون خيارات الاندماج الاقتصادي العربي، وسياسات الدفاع العربي المشترك، سنُنْصفُهم ونحترم نقدهم للذي يحتاج إلى نقدٍ في سياسات عبد الناصر . أما إن أصَرّوا على البقاء حيث هُمْ: خارج نطاق هذه الخيارات الوطنية والعربية، فلا معنى لنقدهم سوى التغطية على خياراتهم المدمرة".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018