انتخابات الرئاسة الأمريكية: رئيس متخاذل../ جميل مطر

انتخابات الرئاسة الأمريكية: رئيس متخاذل../ جميل مطر

دخلت انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة أيامها الحاسمة. وكالعادة ننشغل بها كما انشغلنا بكل انتخابات رئاسية أمريكية تجري كل أربع سنوات، وان كنت اعتقد أن قدماءنا من السياسيين، حكاما ومحكومين، لم ينشغلوا كانشغالنا. لا أظن أن زعماء حزب الوفد أو الإخوان المسلمون اهتموا في النصف الأول من القرن الماضي بمن كان سيأتي بعد تيودور روزفلت. ربما بدأنا بعد الحرب العالمية الثانية نهتم بمن يسكن البيت الأبيض رئيسا لأمريكا، ففي ذلك الحين كانت مفاوضاتنا مع الإنجليز تدفعنا للبحث عن صديق جديد، غير أوروبي، يدعم موقفنا في المفاوضات. كنا منبهرين بالدور الأخلاقي الذي صاغه لأمريكا الرئيس ولسون حين تصدر لصياغة المبادئ الأربعة عشر الشهيرة في مؤتمر فرساي في نهاية الحرب العالمية الأولى، قبل ان تقرر أمريكا العودة إلى انعزالها الشهير الذي امتد حتى نهاية الثلاثينيات. تضاعف اهتمامنا بمن يشغل البيت الأبيض بعد نكبتنا في فلسطين وبروز اليهود كقوة سياسية داخلية في أمريكا. ثم تعددت الأسباب واستمر اهتمامنا بانتخابات أمريكا الرئاسية يتجدد كل أربع أعوام.
●●●
تطفو على السطح، مع كل دورة انتخابية جديدة، أسباب عابرة، تجدد اهتمامنا بالانتخابات الأمريكية. في هذه الدورة استجد سببان. يتعلق الأول بالمرحلة الانتقالية الجديدة التي تمر فيها الولايات المتحدة. مرحلة تنتقل فيها من مكانة الدولة العظمى إلى مكانة دولة كبيرة بين دول أخرى كبيرة، أكثرها صاعد بسرعة وكفاءة إلى مرتبة أعلى، في وقت تنزل فيه أمريكا ببطء واتزان إلى مرتبة أدنى. كان شاهدا على هذه المرحلة الانتقالية ومهندسا لها الرئيس أوباما خلال ولايته الأولى. وسواء استمر أوباما الرئيس القادم، أو استجد رومني، سيكون الرئيس مسئولا عن أمن أمريكا وسلامتها في لحظات رسوها عند مرتبة جديدة.

السبب الثاني الذي يدفعنا إلى الاهتمام الإضافي بهذه الدورة من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، هو أن الشخص الذي سيحتل مكتب الرئيس في البيت الأبيض في يناير المقبل سيتحمل مسؤولية صياغة منظومة سياسية خارجية جديدة أحد مقوماتها شبكة علاقات جديدة مع دول وشعوب عديدة تتولى تسيير أمورها حكومات "إسلامية". ولا يحتاج الأمر إلى تهويل حين نقول إن المسؤولية ستكون ثقيلة، وتحتاج إلى مهارة وإبداع. فالشرق الذي تعاملت معه أمريكا على امتداد قرن لا يشبه الشرق الكبير الجديد الممتد من الأطلسي حتى الحدود الغربية للصين. يهمنا الأمر، ليس فقط لأننا بحكم موقعنا وتأثيرنا سنكون أحد أهم موضوعات هذه المنظومة في العلاقات الدولية، ولكن أيضا لأننا، شئنا أم أبينا، بصدد وضع منظومة سياسية خارجية تعتمد المفاهيم نفسها وتراعي الواقع الجديد عندنا وفي الإقليم.
●●●
بدأ التصويت فعلا في مواقع بعينها لانتخاب الرئيس رقم خمسة وأربعين للولايات المتحدة في تقليد استمر الأمريكيون في التمسك به منذ أول انتخابات جرت في عام 1789 وجاءت بجورج واشنطن رئيسا للجمهورية. هذه الانتخابات يراها البعض، مثل جريدة الإندبندنت البريطانية، الممارسة الديمقراطية الأكبر والأعلى تكلفة والأشد توحشا في العالم. ولعله رأى صائب، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أنه في الوقت نفسه يجرى انتخاب 435 نائبا للكونجرس و33 عضوا لمجلس الشيوخ واثني عشر محافظ ولاية. ويقدر انه بنهايتها سيكون قد أنفق على هذه الحملات ما يزيد على ستة مليارات من الدولارات. وقد بدأ السباق فعليا في ولاية آيوا في أول يناير الماضي وينتهي يوم 6 نوفمبر، ويتضمن هذه المرة أربع مناظرات رئاسية، وأربع مناظرات بين نائبي الرئيسين. وقد انعقدت بالفعل المناظرة الرئاسية الأولى قبل أيام في مدينة دنفر عاصمة ولاية كولورادو، وأثمرت عاصفة من الآراء هزت قواعد حملتي الرئيسين وأسقطت تنبؤات وتقديرات كانت قد استقرت، وفتحت الأبواب أمام احتمالات لم تكن مطروحة.
●●●
تابعت المناظرة وفي ذهني مناظرات أخرى تابعتها على مر السنين. جرت إحداها في القاهرة بين اثنين من المرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية المصرية، كمحاولة لا بأس بها لتقليد إحدى ممارسات الديمقراطية الأمريكية. يمكننا في ظروف أخرى عقد مقارنة بين المناظرة المصرية والمناظرات الشهيرة التي خلفت انطباعات معينة في نفسي. أذكر جيدا المناظرة بين ريتشارد نيكسون وجون كنيدي. كان نيكسون كعادته خطيبا مفوها ومناظرا قويا وخسر الانتخابات بعدها. وأذكر مناظرة رونالد ريجان وجيمي كارتر التي دارت وانتهت في أجواء فوز محقق لريجان بسبب شعبيته التي فاقت بكثير شعبية الرئيس جيمي كارتر. كان ريجان يجيب كالصاعقة ولكن بطلاقة وخفة ظل وابتسامة ساخرة حتى أن كثيرين اشفقوا على الرئيس كارتر. وفي مناظرة لاحقة في عام 1984 كان ريجان رؤوفا بخصمه والتر مونديل، حتى أنه قال إنه لا يريد استغلال ضعف خصمه ونقص خبرته فيكشفهما أمام الرأي العام الأمريكي. وبالفعل كان انتصار ريجان في المناظرة وفي الانتخابات ساحقا.
●●●
بدأت المناظرة بين باراك أوباما وميت رومني هادئة ولكن لم يكن خافيا منذ اللحظة الأولى أن أوباما متوتر ورومني بادى الارتياح والاستعداد. جئت إلى مقعدي أمام التليفزيون وأنا واثق من انطباعات تشكلت عندي عن المتناظرين عبر السنين. جئت مدركا انني سوف أشهد فصاحة لسان وطلاقة منطق وقدرة مبهرة على الإقناع من جانب الرئيس أوباما. باراك الذي أعرفه كان خطيبا مفوها عندما كان طالبا ثم ناشطا سياسيا ثم مرشحا لمجلس الشيوخ ورئاسة الجمهورية. جئت مقتنعا أيضا بأن ميت رومني سيكون الطرف الضعيف، ليس فقط بسبب عدم تناسب قدراته الخطابية مع قدرات أوباما، ولكن أيضا بسبب الفشل المتلاحق الذي أصاب حملته الانتخابية وقلة خبرته السياسية، وبخاصة في نواحي السياسة الخارجية.

مرت لحظات قبل ان أكتشف أن أوباما "منطفئ" إن صح التعبير، لا بريق ولا فصاحة ولا ذكاء ولا جرأة ولا تصميم ولا هجوم. ظهر أوباما خلال المناظرة شخصا آخر. ظهر كما لو كان كان شخصا مستنسخا منزوع الأسلحة أو الخبرة أو المعلومات مكلفا بالوقوف أمام خصم عنيد. وانتهت المناظرة بفوز ساحق لرومني، وخيبة أمل كبيرة لدى المشاهدين كافة الذين حرصوا على الاستمتاع بمباراة في الصدام الكلامي. هؤلاء وجدوا أوباما ساكنا على غير العادة و المناظرة مملة. وعلى الفور دارت عجلة الإعلام الأمريكي تحاول فهم ما حدث. لماذا جاء أوباما إلى المناظرة على هذه الصورة، لماذا لم يدافع عن سياساته؟ لماذا لم يهاجم خصمه ويضربه في مواقع ضعفه مثل استهانته بالناخبين الديمقراطيين وإهانته إياهم، و تهربه من دفع الضرائب، ومثل نواحى الفساد الذي يجري التحقيق فيها؟ ومثل أخطائه في السياسة الخارجية؟
●●●
راح الناس يبحثون عن تفسيرات وتبريرات ويحاولون الإجابة عن السؤال: لماذا فعل أوباما ما فعل، أو لماذا لم يفعل ما كان يجب أن يفعله؟ قيل في التفسيرات، لعله متردد في التجديد لولاية ثانية. قيل أيضا إن الغرور ركب أوباما إلى حد أنه لم يستعد للمناظرة معتمدا على ذكائه المتوقد "دائما" وتجربته العملية واطمئنانه إلى تفوقه.. فلم يذاكر للمناظرة. هل نصحه مستشاروه بأن يحافظ على هدوئه إلى أقصى حد لأن الآخرين ربما خططوا لايقاعه في فخ فقدان السيطرة على أعصابه؟. أم أن الأمر لا يتعلق بهذا أو ذاك وإنما بحقيقة أن أوباما "يمقت" ميت رومني ويحتقره، ويجد فيه شخصا لا يستحق الرد عليه.
●●●
على الناحية الأخرى، كان الجمهوريون قد استعدوا أفضل استعداد. فقد أخذوا مرشحهم إلى مقاطعة فيرمونت الخلابة بمناظرها الطبيعية وهدوئها وألوان خريفها الرائعة، وفرضوا عليه أن يدرس. أعدوا مئات الأسئلة ومئات الأجوبة، وزودوه بطاقة هائلة للثقة بالنفس وشحنوه بتقارير وإحصاءات تؤكد تدهور حالة أمريكا الاقتصادية، وتدهور الدخول الحقيقية للفرد العادي وبخاصة أصحاب الدخول المتوسطة. كلفوه بأن يترك الانطباع لدى المشاهدين أنه كان مخطئا حين انحاز صراحة إلى الأغنياء، وها هو يعود في المناظرة إلى موقع الوسط، حيث يقف أغلبية الناخبين، ويركز على مصالح الطبقة الوسطى. كلفوه أيضا، وكانوا محقين، أن يبتعد قدر الإمكان عن الدخول في تفاصيل السياسة الخارجية ليس فقط لأنها لا تهم الناخبين كثيرا في هذه المرحلة ولكن لأن خصمه، بكل المعايير، أقوى منه في هذا المجال.
●●●
مازال الناس في أمريكا يبحثون عن تفسير أو تبرير مناسب لسلوك أوباما في المناظرة. خرجت "تدوينة" نشرتها صحيفة كريستان ساينس مونيتر تحت عنوان رسالة من أوباما إلى مواطن أمريكي يحاول فيها صاحبها تقديم تفسير أو تبرير. يقول إن رومني فاجأه حين دخل إلى المناظرة بابتسامة مرسومة بمهارة فائقة، لم تغادر وجهه في أي لحظة خلال المناظرة، ويسأل من أين جاء رومني بهذه اللباقة.. و تضيف المدونة على لسان أوباما فتقول "أعرف أن رومني ربما كسب أصواتا جديدة بسبب مهارته في التمثيل خلال المناظرة، أما انا فكنت أشبه بمذيع تليفزيون يروج لبضاعة يكرهها".
●●●
هكذا فعلا ظهر أوباما أمام عشرات الملايين من المشاهدين في أمريكا والعالم. ظهر رئيسا متخاذلا وغير متحمس لوظيفته، أو رئيسا بلغ به الغرور حد الاستهانة بمنافسه والناخبين الأمريكيين.
"الشروق"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018