الوضع العربي: ضرورة ترتيب الأوراق../ أ.د. محمد أمارة

الوضع العربي: ضرورة ترتيب الأوراق../ أ.د. محمد أمارة

المتأمل للوضع العربي يرى حالة من البلبلة والفوضى تدب في جميع مناحي الحياة وعلى جميع الأصعدة. فلا عجب أن الخطاب متناقض في جميع الموضوعات، ويتحدث البعض عن فقدان البوصلة. فربما العنف الذي يضرب البلاد والمجتمعات العربية، وشلال الدماء في بعضها، والتعامل العنيف مع المواطنين، والفقر والبطالة، والفساد تجعل الأمور ضبابية ولا تمكّن الأنسان العربي في هذه الظروف والأجواء أن يرى صورة واضحة لما يجري ولما ستؤول إليه الأمور.

صحيح أن الأوضاع الراهنة مأساوية، لأننا في معمعان الفوضى، الفقر، الفساد، الاستبداد، وسحق لكرامة وحقوق الإنسان الأساسية. ومع هذا علينا أن نرى الأفق رغم الصورة الضبابية. في العقود القليلة الماضية، جثمت على صدر الإنسان العربي أنظمة ظالمة وقامعة، ولم تحاول تغيير الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية ليعيش الإنسان العربي في ظروف معقولة وإنسانية، ورفاه اجتماعي كما حصل في دول شرق آسيا، على سبيل المثال، التي كانت مشابهة للعالم العربي قبل عدة عقود، والتي استطاعت الانتقال نقلات نوعية على جميع الصعد وتصبح من الدول المتقدمة. ففي كثير من الدول العربية رغم الخيرات والمصادر الطبيعة الهائلة، يعاني الكثيرون الفقر المدقع ويتضور الملايين من الجوع، وفي البعض منها لا يتعدى الأجر اليومي للعامل دولارين. وفي مصر، الدولة العربية العريقة، هنالك ملايين يسكنون القبور! ونرى أيضا أن الأمية ما زالت تضرب أطنابها في العالم العربي، وتصل في بعضها إلى أكثر من خمسين في المائة. لا استهجان أن هذه الدول وأنظمتها راحت ترفع الشعارات ضد الاستعمار والإمبريالية، وتعزي كل فشلها إلى المؤامرات المحاكة ضدها وضد دولها.. فلا عجب أن هذه الدول فشلت في إقامة الدول الحديثة وخسرت المعارك المختلفة، ولم تستطع أن تبني أفقا واضحا مشرقا ومشرفا للإنسان العربي.

فبعد عقود من رفع الشعارات وازدياد الوضع سوءا، لم يعد الإنسان العربي "يشتري" الأيديولوجيات المزيفة التي تسوقها الأنظمة العربية لمواطنيها، وخاصة عند انكشافهم على العالم ورؤية ما يدور في غربه وشرقه. أصبح الانسان العربي مدركا أن هنالك خللا أساسيا في مبنى الأنظمة وإدارة الدولة والمجتمع، فالانتفاضات العربية التي بدأت في تونس (على الأقل رسميا) ما هي إلا إشارة إلى أن الوضع الراهن سيء ولا يمكن الاستمرار به... لقد تعب الإنسان العربي وملّ، ويريد أن يرى حياته وواقعه أفضل مما هما عليه.

هنالك من تفاءل جدا بعد أن بدأت الانتفاضات في العالم العربي والتي سميت بـ"الربيع العربي". ولكن حال رؤية شلال الدماء في ليبيا وسوريا فقد بدأ البعض يتحدث عن "الشتاء العربي". حقيقة الأمر، التغيير لا يتم فقط بإسقاط النظام واستبداله بآخر. هنالك سيرورات تبدأ وتستمر ربما أجيالا، لأن هنالك حاجة للتغيير التوعوي الذهني، وهذا التغيير وترجمة مفاهيمه على أرض الواقع يستغرق وقتا طويلا، هذا إذا سارت الأمور بمسار تغيير حقيقي. إذا المتشائمون الذين يريدون للأمور أن تحدث بعجالة فرؤيتهم غير مبنية على فهم عميق للتغييرات وللثورات، والانتقال من حاله إلى نقضيها. فرغم الواقع الراهن بسيئاته ولا نرى بعد التغيير المنشود (وربما في الحالة الانتقالية هنالك ارتداد)، إلا أن الرغبة في التغيير هي رهان على الوصول إلى حالة أخرى أفضل من التي عايشناها وعاشها آباؤنا.. حالة جديدة علينا جميعنا الإسهام في بنائها وبناء تصورات لما نريده لنا ولأبنائنا من بعدنا. واقع فيه أفق واضح ومشرق، فيه قيم أساسية من الحقوق والعدالة الاجتماعية تكون لنا نبراسا في حياتنا الاجتماعية والسياسية. في عالم عربي متجانس ومتنوع، هنالك حاجة لتعزيز التعددية بمفهوها الشمولي، والتأكيد على أنه بدون التعددية الحقيقية لن تكون هنالك دول ومجتمعات متطورة ومتنورة.

في هذه المرحلة الحرجة من التغيير ملقى على القيادات على أنواعها، وخاصة الفكرية، أن تهيئ للمرحلة الجديدة والتأكيد على مفاهيم وقيم أساسية للاتكاء عليها لتوفير بيئة سياسية وتربوية واجتماعية واقتصادية آمنة ومستقرة. هنالك ضرورة ماسة لبناء إنسان ناقد، حر، ومتفاعل مع بيئته ليكون شريكا بها ومنتميا إليها.

لا شك أن بناء اقتصاد عصري منافس يتطلب بناء جهاز تعليمي متطور يعطي فرص التعليم للجميع. هذا مطلب أساس في المرحلة القادمة، بناء جهاز تعليمي قادر على إعطاء الأدوات ومهارات للمتعلم، بناء منظومة قيمية واضحة المعالم توفر الظروف لرفاهية الفرد، وارتباطه وانتمائه لمجموعته واحترام الآخر وكل آخر. ربما بهذا نضمن لأبنائنا السعادة، الطمأنينة، وتحقيق العدل والتكافل الاجتماعيين.

نحن بحاجة لبناء مجتمع معرفي عربي أصيل، تلعب اللغة العربية في بنائه دورا محوريا. بناء مثل هذا المجتمع هو الضمان للتنمية البشرية والتنمية الشمولية في العالم العربي. وهذا يتطلب منا جميعا وضع الأمور على الطاولة وبجرأة وشفافية وإجراء نقاش جماهيري معمق، ويكون للأكادميين والمثقفين والناشطين المدنيين دور ريادي في بناء تصورات، آليات وإستراتيجيات مع الفئات الناشئة في المرحلة القادمة. نعم يجب أن نجهز للمرحلة القادمة، كل في موقعه، وإن بدا الحاضر بدمويته يغشي كل شيء.