الانتخابات المقبلة للكنيست بين المراوحة  في المكان وإمكانية مفاجأة  الصوت العربي/ باسل غطاس

الانتخابات المقبلة للكنيست بين المراوحة في المكان وإمكانية مفاجأة الصوت العربي/ باسل غطاس

عــ48ـرب

تنهي الانتخابات المقبلة حكم دام أربع سنوات لحكومة اليمين المتطرف التي قادها نتنياهو وكانت من أكثر الحكومات التي عرفتها إسرائيل استقرارا وكان بامكانها نظريا الاستمرار حتى شهر تشرين ثاني 2013. لربما في هذه الحقيقة يكمن أفضل توصيف للواقع السياسي الذي يشهده المجتمع الإسرائيلي والذي تشير كل الاستطلاعات إلى أن الانتخابات القادمة لن تغير فيه شيئا.  حيث من المتوقع أن يحافظ فيه معسكر اليمين المتحالف مع المتدينين على الأغلبية المطلقة.

لقد تميزت فترة حكومة نتانياهو بجدول أعمال يميني متطرف وجد تعبيرا عنه في سن القوانين العنصرية بالجملة وبدون حتى وازع الاهتمام بصورة إسرائيل في العالم. وبمزيج من الغطرسة الأمنية مدعومة بنمو اقتصادي متواصل حتى في فترة الأزمة العالمية، أعطاها شعورا بالقوة مكنها حتى من الانسحاب من مسرحية المفاوضات الزائفة، ومن تعميق الاستيطان والتهويد والضرب بعرض الحائط بتعهدات الحكومات السابقة بإزالة البؤر الاستيطانية. من أهم ما ميز حقبة هذه الحكومة  أيضا غياب معارضة جدية تطرح بديلا سياسيا واقتصاديا حتى ضمن حدود الإجماع القومي الصهيوني.

ولعل هذا هو التطور الأبرز في تركيب المنظومة السياسية الحزبية في اسرائيل : تحالف يمين ويمين متطرف وأحزاب دينية\قومية في معسكر قوي وواضح المعالم يجري التافس على الأصوات داخله من خلال تشديد الخطاب القومي الاستيطاني والديني الاستيطاني الغيبي. ومن ناحية ثانية يتميز  المعسكر المقابل  بسيولة هائلة وبغياب واضح لأي أجندة بديلة وبضعف ونحول متواصل لما سمي بالخطاب الصهيوني "معسكر السلام" حتى أن أجزاء كبيرة منه تتنصل من هذه التسمية وتستميت (كما تفعل شيلي يحيموفيتش رئيسة حزب العمل)  الى وضع القضايا الاجتماعية في رأس سلم أولوياتها لتنفض عن نفسها أمام الجمهور اليهودي تهمة الاهتمام الزائد بقضايا الصراع العربي الاسرائيلي و"إهمال" قضايا العمال والفقراء والقضايا الاجتماعية الساخنة.

يشكل ما حدث في الحلبة السياسية الاسرائيلية في السنوات الأخيرة  مفارقة كبرى. فان اللعبة الكبرى التي قام بها شارون من أهم رموز اليمين الاسرائيلي الاستيطاني المغالي طيلة عقود طويلة في عام 2006 وكان رئيسا للحكومة حيث شق حزبه الليكود وأسس حزب "مركز" باسم كاديما واعتبر هذا زلزالا بكل المقاييس وتوجيه ضربة قاضية لليمين وخاصة لحزب الليكود تراجعت قوته بعدها إلى 11 نائبا في البرلمان. وأجمع المحللون حينها أن هذا الشق الهائل سيخلق مركزا قويا على حساب اليمين الذي ستضعف قوته أكثر فأكثر مع تنفيذ الانسحاب من غزة وتخليه هو عن برنامج أرض إسرائيل الكاملة وقبوله حل ما يقسم المنطقة جغرافيا وديموغرافيا.

  إلآ أن كل هذه التوقعات باءت بالفشل لم تمض دورة برلمانية واحدة حتى تبين أن الإنزياح في الخارطة السياسية كان عكسيا وأن المركز الجديد حافظ على قوته على حساب "اليسار" في حين عاد الليكود إلى قوته وارتفع من 11 الى 26 مقعدا في الانتخابات الأخيرة وأن لمعسكر اليمين والمتديين أغلبية ساحقة. ولم تكن هذه وحدها مأساة "معسكر السلام" التاريخي إنما انكشاف عوراته متمثلة بتماهيه بواسطة زعيمه براك مع برنامج حكومة ليبرمان\نتانياهو في حين أن حزب كاديما الذي وجد نفسه حزب معارض لم يقم بدوره كمعارضة برلمانية حقيقية تشكل بديل وتسعى لتغيير الحكومة.

وهذا الأمر أي غياب معارضة حقيقية للحكومة (مهما كانت أجندتها) شكل المأساة والمأزق الحقيقي للمنظومة السياسية الإسرائيلية حيث تستمر السيولة وتنقل بلوكات الأصوات بحثا عن مخرج من المأزق فيظهر "نجم الغفلة" يئير لبيد يستمد نجوميته من أنه مقدم برنامج تلفزيوني ومن نسبه العائلي ويحصل في الاستطلاعات على 13-15 مقعدا بينما تتراجع كاديما الى حد التلاشي وتعود لتلهث وراء اولمرط للعودة الى الحلبة في ثياب المنقذ.

أزاء هذا الوضع في الحلبة العامة ماذا يمكن أن يفعل الصوت العربي؟؟ وهل له من وزن؟ وهل ستتوفر عوامل ومحفزات للناخب العربي للتصويت أم أن نسبة التصويت ستستمر في التراجع.

بيضة القبان
أعتقد أن منظومة التفكير السياسي العربي قد تحررت من أمل\وهم  "بيضة القبان" أي أن تشكل الأحزاب العربية بيضة القبان بين معسكري اليمين و"اليسار" في البرلمان وأن مشاركتنا في الانتحابات هي فعل سياسي وطني ومدني من الدرجة الأولى نمارس فيه حقنا في المواطنة وكذلك في القدرة على التعبير عن حقوقنا الجماعية بعيدا عن أي طموح بالمشاركة في الحكم ( كان هذا في الماضي لدى البعض  ومرتبطا بحلم بيضة القبان).  لن أخوض في هذا المقال في الجدل حول المشاركة أو المقاطعة في الانتخابات والذي يطفو موسميا قبل كل انتخابات فسأخصص للموضوع لمقال منفرد. ولكن من المهم أن نصل الى قناعة ووعي جماعي أنه بما أن المعركة هي سياسية ونحن كأقلية قومية وكمواطنين نشارك فيها ولا يوجد حتى الآن إرادة جماعية ذات أغلبية ساحقة بالمقاطعة (كما حصل مرة واحدة في انتخابات رئاسة الحكومة بين شارون وباراك عام 2002). إذا رفع نسبة التصويت لدى العرب والتصويت للأحزاب العربية يصبح مصلحة استراتيجية عليا يجب أن يتفهمها ويؤيدها حتى المقاطعون.

هذا التخوف من زيادة التصويت لدى العرب أخذ كأحد أهم الاعتبارات عند نتانياهو وحزبه في تقديم موعد الانتخابات تجنبا لامكانية حصولها في نفس اليوم مع انتخابات البلديات حيث سيعني ذلك زيادة 4-6 مقاعد لصالح الأحزاب العربية. إن وضع النقاش في خانة الحراك السياسي وليس الأيدولوجي يعني أن نتحدث عن الجدوى من التصويت، ومع الناس الحديث عن الجدوى يعني فتح كل الأبواب من الجدوى للشخص وحتى الجدوى للقرية أو السلطة المحلية وللمجتمع ككل وهذا مجال ممكن الخوض فيه وإقناع الناس بجدوى التصويت وصد حملات الهجوم على القيادة العربية واتهامها بالفشل وهذه فرية ودجل تستعمله الأحزاب الصهيونية ومع الأسف يردده بعض الراغبين الموسميين في الوصول الى الكنيست ومنهم بعض المثقفين أو المتعلمين  والذين يعتقدون أن الدواء الوحيد لفشل القيادة العربية هو في وصولهم هم إلى الكنيست حتى أن بعضهم قد يدعو للمقاطعة ليس من منطلقات مبدأية تعارض أصلا المشاركة باللعبة السياسية وانما لأنه يريد اللعبة على مقاسه أو كما يقول الصبية "يا بلعب يا بخربط".

بإمكان الناشطين السياسيين العرب من كل الأحزاب التوحّد في العمل المنهجي والمنسق على زيادة وزن الصوت العربي وهذه هي مهمة الساعة .

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018