فوبيـا اللاجئين الأفارقـة!../ أنطـوان شلحـت

فوبيـا اللاجئين الأفارقـة!../ أنطـوان شلحـت

تعريف: صدر حديثًا عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار (رام الله) العدد رقم 58 من سلسلة "أوراق إسرائيلية"، ويحمل عنوان "إسرائيل 2012- اللاجئون الأفارقة سرطان"!، ويضم تقريرًا خاصًا لـ "مركز مساعدة العمال الأجانب" حول التحريض العنصري وجرائم الكراهية والتمييز ضد طالبي اللجوء الأفارقة، ترجمه عن العبرية سعيد عيّاش، وقدّم له محرّر السلسلة أنطوان شلحت. هنا نص التقديم:

تشكل الحملة المسعورة على اللاجئين الأفارقة في إسرائيل، التي تقف في الآونة الأخيرة في صلب اهتمام الحكومة الإسرائيلية، مطيّة يحاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من خلالها أن يوهم الرأي العام بأنه لدى الانتهاء من طرد هؤلاء اللاجئين عن بكرة أبيهم، وكبح وصول مزيد منهم وأساسًا بواسطة الجدار الأمني على طول منطقة الحدود بين إسرائيل ومصر والذي ستنتهي أعمال إنشائه قبل نهاية العام 2012، من المتوقع أن تصبح الدولة نظيفة من الجرائم والأمراض والضائقة الاقتصادية - الاجتماعية. غير أن هذه الحملة كشفت في العمق عن النزعات العنصرية المعششة في أوساط المجتمع الإسرائيلي بأطيافه كافة، وشفّت عن الاستحواذ الديموغرافي المقترن بغاية الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة.

ويقدّم التقرير الذي يضمه هذا العدد من "أوراق إسرائيلية"، والصادر عن "مركز مساعدة العمال الأجانب" في إسرائيل، رصدًا لشتى مظاهر التحريض العنصري وجرائم الكراهية والتمييز ضد طالبي اللجوء الأفارقة خلال الفترة بين كانون الثاني- حزيران 2012، التي تفاقمت فيها هذه المظاهر، وشملت قوى سياسية كثيرة ولا سيما من اليمين والوسط، وعددًا من وسائل الإعلام والصحافيين، وأوساطًا من الجهاز القضائي ورؤساء الحكم المحلي، ومجموعة من الحاخامين ورجال الدين اليهود، فضلاً عن جهات متعددة من الرأي العام اليهودي.
وهؤلاء جميعًا يتعاونون فيما بينهم، ويتعاملون مع اللاجئين من إفريقيا كما لو أنهم حيوانات، لمجرّد كونهم "غير يهود" (غوييم).

ويرى التقرير أن إسرائيل بزّت قريناتها من الدول الغربية، التي يحلـو لها أن تتشبّه بها صباح مساء، في كل ما يتعلق بالتعامل مع اللاجئين الباحثين عن عمل. فبينما تطرد هذه الدول (من دون أن تنجح دائما في ذلك) أفارقة تم رفض طلبهم الحصول على ملجأ فيها، فقط بعد إجراء قانوني شفاف، يكون في بعضها مصحوبًا بمساعدة قانونية تموّلها الدولة المضيفة، فإن إسرائيل تقوم بطرد المتسللين الأفارقة من دون أن تفحص نهائيا طلبات لجوئهم، بما يتناقض مع نصوص معاهدة اللاجئين الدولية الموقعة عليها، ولو تم ذلك، وفقما يؤكد التقرير، من خلال نظام لجوء نزيه وليس كالموجود في إسرائيل، لكانت أغلبية طلباتهم ستقبل على الأرجح. 
وعلى الرغم من أن عدد هؤلاء اللاجئين في إسرائيل يعتبر قليلاً جدا مقارنة بعددهم في سائر أنحاء العالم، إلاّ إن تعامل السلطات الإسرائيلية المسؤولة معهم يبدو مختلفًا تمامًا عن تعامل السلطات المسؤولة في العالم الغربي، والذي يعتبر أفضل كثيرا.

وما يجب ملاحظته هو أن إسرائيل ربما هي الدولة الوحيدة في العالم التي ترفض أن تمنح مكانة لاجئ لأي كان، كما أنها غير مستعدة على الإطلاق لتحديد أي سقف يتعلق بعدد اللاجئين الذين يمكنهم العيش فيها. فضلاً عن ذلك فإن إسرائيل غير مستعدة لأن تتعاون مع أي جهة من أجل حل مشكلة هؤلاء اللاجئين، وكل ما تقترحه على دولهم الأصلية هو أن تعيد اللاجئين إليها فقط.

وإزاء ذلك يشدّد التقرير على أن المطلوب من إسرائيل في الوقت الحالي هو أن تحدّد سياسة هجرة إليها تكون ذات صلة بالواقع السياسي في العالم لا بالتخوفات المبالغ فيها، وأن تكف فورا عن سياسة طرد اللاجئين الأفارقة بحجة أن طردهم سينقذها من خطر داهم يتهددها. 

ويشير إلى أن اللغة التي يستخدمها صنّاع القرار في إسرائيل، لدى الحديث عن هؤلاء اللاجئين، تنزع عنهم إنسانيتهم وتصورهم كتهديد. فهؤلاء الناس الذين لاذوا بالفرار من الإبادة الجماعية في دارفور (السودان)، أو من الخدمة العسكرية في ظروف أشبه بالعبودية في إريتريا، يوصفون بأنهم "غزاة" و"أعداء" و"سرطان" و"قنبلة موقوتة" و"تهديد وجودي".

ويتسلح التحريض عليهم، الذي يؤججه المسؤولون ووسائل الإعلام وأوساط عديدة أخرى، بخمسة ادعاءات مركزية، الادعاء الرئيس بينها هو أنهم ليسوا لاجئين، ومن ثم ترد باقي الادعاءات وفحواها أنهم مجرمون، ومصدر لنشر الأوبئة والأمراض، وتهديد ديموغرافي، وتهديد أمني.

وفيما يتعلق بموقف الشارع في إسرائيل، بيّن استطلاع "مؤشر السلام الإسرائيلي" لشهر أيار 2012 والذي تشرف على إعداده جامعة تل أبيب أن 83 بالمئة من اليهود الإسرائيليين يؤيدون التظاهرات التي قام بها سكان منطقة جنوب تل أبيب احتجاجا على وجود أعداد غفيرة من اللاجئين الأفارقة في تلك المنطقة. وقال نحو 34 بالمئة من اليهود الإسرائيليين إنهم يتعاطفون مع أعمال العنف المرتكبة ضد هؤلاء اللاجئين. وأكد نحو 70 بالمئة منهم أن وجود لاجئين أفارقة وعمال فلسطينيين في إسرائيل يضايقهم جدا، بينما قال نحو 60 بالمئة منهم إنهم لا يتضايقون من وجود عمال أجانب من أميركا اللاتينية وشرق أوروبا وتايلاند والفيليبين.

ولا يفوت التقرير أن ينوّه إلى أن استعمال مصطلح "متسللين"، الذي كان قد استخدم في خمسينيات القرن العشرين الفائت لتوصيف الفدائيين الفلسطينيين الذين "تسللوا" لتنفيذ عمليات مسلحة داخل إسرائيل، وخلعه على هؤلاء اللاجئين، يسمهم بطابع التهديد الأمني للدولة. كذلك يستخدم أعضاء كنيست وأوساط أخرى تقود الرأي العام مصطلح "غزاة" في وصف اللاجئين وبشكل يصورهم أيضا كتهديد أمني. وثمة مصطلح آخر يستخدمه متخذو القرارات ووسائل الإعلام في إسرائيل في وصف هؤلاء اللاجئين وهو "ماكثون غير قانونيين"، والذي يرتبط أيضا بالدخول والتسلل غير القانوني من جانب فلسطينيين إلى إسرائيل. ويورد ما قاله وزير الداخلية الإسرائيلية إيلي يشاي (رئيس حزب شاس) بأن المتسللين الأفارقـة والفلسطينيين "سيؤدون بسرعة إلى نهاية الحلم الصهيوني"، وبأنه "منذ خراب الهيكل الثاني لم تواجه إسرائيل خطرا داهما كهذا. فلقد أقمنا الدولة، وها نحن الآن نفقدها في كل يوم".

وتقترن الحملة الإسرائيلية على اللاجئين الأفارقـة بسيل لا ينقطع من الافتراءات، كما يوضح التقرير. ومن هذه الافتراءات أن عدد اللاجئين أكبر كثيرًا من المعطيات التي يتم نشرهـا رسميًا في هذا الشأن، وأن هؤلاء اللاجئين هم مجموعة خطرة غزت دولة إسرائيل وتهدد بتخريب المشروع الصهيوني، وأن احتمالات تعاونها مع عناصر "إرهابية" كبيرة للغاية، ولذا فإنها تشكل "قنبلة موقوتة" لا بُد من أن تنفجر في قادم الأيام.
أمّا الافتـراء الأبرز، والذي يتم اللجوء إليه لتغذيـة مخاوف الجمهور العريض، فهو أن اللاجئين هم مسلمون في معظمهم. وقد طُرح هذا الافتراء من جانب بعض أصحاب اتخاذ القرار، وكذلك من جانب عدة وسائل إعلام إسرائيلية. فقد صرح وزير الداخلية إيلي يشاي في سياق إحدى المقابلات: "إن أغلبية الأشخاص الذين يأتون إلى إسرائيل تتألف من مسلمين يعتقدون أن هذه البلاد ليست لنا- للإنسان الأبيض". كما أعلن عضو الكنيست داني دانون من الليكود الذي يتزعم حركة تطلق على نفسها اسم "الطـرد الآن": "نحن نرى أن دولة معادية لنا قد قامت هنا داخل دولة إسرائيل، وهي دولة متسللين يأتون من دول إسلامية". وزميلته في كتلة الليكود ميري ريغف صرحت قائلة: "لا يدرك الناس مغزى وجود ستين ألف (متسلل) مسلم يتزوجون هنا وينجبون أولادا. ولا يمكن التعامل مع هذا الموضوع برقة وتسامح". وأضافت: "يتعين علينا جميعا أن نكون موحدين في معارضتنا لتحويل إسرائيل إلى دولة كل متسلليها، وفقا لرؤية المنظمات اليسارية المتطرفة التي تسعى إلى تحويل الدولة اليهودية الوحيدة في العالم إلى دولة إسلامية أخرى في قائمة الـ 55 دولة إسلامية". وقالت رئيسة المنظمة الدعائية التابعة لمجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية "إن الناس لا يعرفون بأن هؤلاء المتسللين هم مسلمون ينتقلون للعيش في مناطق عربية مثل كفر قاسم، وبذلك يزيدون عدد السكان المسلمين والعرب هنا في البلاد".

وقد فاق المذيع في الإذاعة الإسرائيلية الرسمية، أفري غلعاد، الجميع، عندما قال في برنامج له: "علينا ألا ننسى أن الذين يطرقون أبوابنا ينتمون إلى الإسلام، والإسلام يمثل الآن الوباء الأشد خطورة المتفشي في العالم، فهو يسمم المؤمنين به، ويسمم كل مكان يصل إليه. صحيح أن المتسللين الذين يأتون إلينا، وخصوصًا من جنوب السودان، هم أشخاص معتدلون جدا، بل يمثلون حقا الوجه الجميل للإسلام... لكن المشكلة هي أنه حين تحمل الفيروس، لا تعلم متى سينفجر ذلك... وكل مسلم يدخل إلى هنا يمكن أن ينقلب إلى حامل للواء الإسلام العالمي... ولذا يجب علينا أن نحترس على حياتنا منهم".

وغالبًا ما يتلخص دور وسائل الإعلام الإسرائيلية في مجال التحريض على اللاجئين في اقتباس أقوال وتصريحات تحريضية من جانب صنّاع القرار، أو في استخدام أوصاف تدمغ اللاجئين كمجموعة إجرامية، وناقلة للأمراض، ومضرة بأمن الدولة أو تركيبتها الديموغرافية.

ولعل ما يجدر بنا أن نلاحظـه في سياق ذلك كله هو إشارة التقرير إلى حقيقة أن المسؤولين في إسرائيل وجميع الفئات والأطراف التي تتعاون معهم في هذه الحملة الهستيرية والعنيفة على اللاجئين الأفارقة، يستخدمون ضدهم الادعاءات نفسها التي يستخدمونها ضد اللاجئين الفلسطينيين. وإذا كان هذا الأمر ينّم عن شيء فإنه ينّم عن مبلغ انعدام أي حساسية أو أي "اضطراب وجداني" تجاه كل مسألة اللجوء الإنساني، وذلك في الوقت الذي تفتح فيه إسرائيل ذراعيها لاستقبال واستقدام أي مهاجـر إليها، بشرط أن يكون يهوديـًا.  
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018